التصنيفات
المزيد

خاطرة بعنوان :أنا بِخير

فِي عتمة الليل … 
ثمّة ذكريات تتسلل من ماضيها إلى حاضري
وتَجوب فِكري لتُشعِلَ لَيلي بنيران الشّوقِ والحَنين
فُتِحتْ جروحٌ 
واشتدّ بُكاء قلبي
آه كم تقسو علينا الذكريات !
مضى سَواد الليل وأنا عَبثًا أخوض غِمار معركَةً أنا الخاسرة فيها وأنا المنتصرة …
مَعركة أقاتل فيها وأحاول الصمود أمام ذلك الكم الهائل من ألم الفقد والاشتياق كجمرة صامدة وسط الجليد
أقُاتِل فِيها نَفسي
أُقاتل شتَاتَ أفكَاري، مَشاعِري، إنكساراتي، أحزَاني، آلامي،وخيباتي
أُقاتِل فيها رُوحِي الممزّقة وقَلبي المهشّم …
ها هِي خيوط الشمس تتسلل من النافذة معلنة هُدنة سلامٍ بيني وبين نفسي حتى هبوط الليل
أغلقت عيني فِي محاولة مني لأخذ قسطٍ ولو بسيط من الراحة بعد هذه المعركة الطاحنة.
علت زقزقة العصافير خارجًا
وفاح شذا الزهر
كُل شيء يدعو للنهوض إلا ما في داخلي
فإنه يدعو للهرولة نحو حَتفي
حَسَنًا ..
مضتْ هذه المعركة
انتصرت فيها على نفسي فخسرتُ نفسي
لملمت آلامي وأحزاني ودموعي وخيباتي 
لملمت كل شيء داخل روحي وسترتها بوجهٍ ضاحكٍ
وخرجتُ أواجه هذا العالم 
وأنا أقف عَلى جَبلٍ مِن الإنكسَارات والخيبات والطعنات
وكلما قابلني أحدهم وسألني عن حالي
أجبته بجواب مبتذل معهود :
أنا بخير“ مغلفة بإبتسامة تكتم تحتها ألف صرخة ودمعة.
انهار الوردي 
التصنيفات
المزيد

بايدن والصراع العربي الصهيوني.

 

 

 

قررت امريكا العودة  إلى الديار ، بعد عشرين عاماً  من احتلالها  لأفغانستان ، وكذلك تخفيض قواتها في الخليج العربي ، لتطويق الصين في ٱسيا ، ومجابهة روسيا في اوكرانيا وغيرها من بؤر  التوتر ، ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاًً  :  ماذا  عن الصراع العربي الصهيوني ؟

وجّه الرئيس جو بايدن رسائل واضحة  متكرّرة  بأن القضية الفلسطينية  ، بسبب تعقيداتها  وصعود اليمين المتطرف إلى سدة الحكم  ، لا سيما في غياب أي أمل في تسويته بسرعة، (  ليس ضمن أولوياته) . ولكن على غرار كثيرين من الرؤساء السابقين للولايات المتحدة، تجبر الأزمة الرئيس  بايدن  على التدخل في الحد الأدنى، لمنع الانفجار.

وفي الواقع يضع  بايدن الصراع العربي الصهيوني   أمام معادلة معقدة دبلوماسيا، لأن  الأوراق التي يمتلكها محدودة، ولكن سياسيا أيضا يدفعه  الجناح اليساري لحزبه إلى أخذ مسافة واضحة من إسرائيل بعد الدعم الثابت والقوي الذي أبداه دونالد ترامب.

ويمكن أن نفهم بسهولة أن إدارة بايدن تعتبر هذا جهداً فائدته قليلة وغير مربح ومحفوفا بالأفخاخ السياسية

إذن  لا آفاق للنجاح في هذا الملف. لذا  اتضحت سياسته بشكل واضح وجلي ، تسكين الأمور و في أحسن الأحوال، يمكن القول أن   إدارة بايدن   تأمل في تهدئة فقط لأن لديها الكثير من التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية….

المجتمع الدولي  ، خاصة الأوروبيون   يحثون  الولايات المتحدة الأمريكية  على  التدخل من أجل إطلاق المفاوضات بين  الكيان الغاصب  وقيادتنا الفلسطينية  و هم الذين ما زالوا يملكون الرافعات الدبلوماسية الرئيسية حاليا، رغم أنه ينبغي لأوروبا أن تكون أكثر حضوراً  وممارسة الضغوط على حكومة بينيت بدلاً  من نقل الرسائل

المواجهة قادمة  وان  أجلتها  الأيام  ، لأن  الشعب الفلسطيني لن يقبل ببقاء. الأمور على حالها  ، والانسداد السياسي  يساعد الكيان الغاصب في فرض الوقائع على الأرض ، وحل الدولتين أصبح على مفترق طرق ، هذا من جانب ، ومن جانب  ٱخر  قيام دولة فلسطينية ليس على أجندة اليمين المتطرف

الولايات المتحده الامريكية هي القوة العظمي في العالم وسواء اختلفنا معها ام اتفقنا   ،  من الضروري أن تتدخل لأن أوراق الحل في يدها ، وهي من تستطيع كبح جماح  الكيان الغاصب  وإجباره على فرض حل الدولتين  وهي الدولة المحورية في الرباعية الدولية

والجميع يذكر ، عندما حدث العدوان على غزة قبل شهور ، أرسل بايدن وزير خارجيته على عجل ، وقام بجولة  سريعة إلى الكيان وفلسطين والأردن ، لتهدئة الأمور ، وفي ذلك الوقت لعبت مصر الشقيقة دوراً مركزيا في كبح جماح الكيان وتوقف العدوان ، وباءت محاولات نتنياهو بالفشل الذي كان يسعى إلى تشتيت الأنظار  عن قضايا الفساد التي تورط فيها وكذلك سعيه للفوز برئاسة الحكومة

الولايات المتحده الامريكية لا تتغير سياساتها بتغير الرؤساء وان كان هناك تبايناً  لايكاد  يُلحظ  فالرئيس السابق دونالد ترامب قدّم دعمه الكامل لنتانياهو عبر الاعتراف من جانب واحد بالقدس عاصمة للكيان . وأعلن الملياردير الجمهوري خطة سلام ( صفقة القرن )  تنص على أن تضم الدولة اليهودية جزءاً كبيراً من الضفة الغربية، تاركا لشعبنا   دولة صغيرة عاصمتها في ضواحي القدس

وفي ذلك الوقت ، تبنت إدارة ترامب   أولوية تكمن في تطبيع دول عربية أخرى علاقاتها مع  الكيان ونجحت في ذلك ،

الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية وكل قواه السياسية رفضوا  صفقة القرن التي كانت من صياغة نتنياهو ومراهق البيت الأبيض (  كوشنير    ) وأصبح مشروع ترامب من مخلفات الماضي ، ومنذ ذلك الوقت أدرك  العالم أن الحل ينبثق  من قيادة الشعب الفلسطيني فقط

وفي الحقيقة  دعمت  إدارة بايدن التطبيع العربي مع الكيان والذي يعد أحد النجاحات الأمريكية  النادرة التي سُجلت  لترامب وفريقه ، لكنها أحيت في الوقت نفسه ، تحالفات جديدة ، وانكماش قوى أخرى ، وأحيت  مشروع الكيان الذي يجعله شرطي المنطقة ، وأحيت أيضاً  المشروع الأمريكي بتنصيب الوكلاء نيابة عن الأمريكي الذي قرر  التفرغ إلى صراعات أكثر  أهمية وخاصة العملاق الصيني

القضية الفلسطينية كان مثار مناكفات  كبيرة بين الحزبين  الجمهوري والديمقراطي ، حيث يتهم  دونالد ترامب  بايدن بـالضعف لعدم دعمه إلكيان  بقوة كافية  وان  العالم  أكثر عنفا واضطرابا لأن ضعف بايدن وعدم دعمه الكيان  أديا إلى مزيد من الهجمات على حلفاء أمريكا

مع أن  بايدن ووزير  خارجيته بلينكن  من أقوى حلفاء الكيان  ويقيم الرجلان المخضرمان في السياسة الخارجية الأميركية علاقات متينة وطويلة الأمد مع إلكيان الغاصب ،  لكن مواقف التأييد المبالغ به للكيان الغاصب  في عهد ترامب ساعدت في نمو معارضة متزايدة داخل الحزب الديموقراطي الأميركي خصوصا حيال بنيامين نتانياهو الذي يُنظر إليه أكثر فأكثر على أنه زعيم لليمين المتطرف المعروف بدهائه وإلاعيبه السياسية القذرة

المتابع للشأن الأمريكي تنتابه الحيرة والدهشة والاستغراب ، بسبب التناقضات التي تعتري السياسة الأمريكية وهنا نتساءل  :

هل المواقف الأمريكية للاستهلاك المحلي ؟ أم  أنها رسائل سياسية وفق مصلحتها وتزول بزوال المؤثر ؟!!!!

كيف تفسر  تصريحات بايدن أثناء حملته الرئاسية بأن

تحقيق السلام بالشرق الأوسط يتطلب خطة سلام يشارك فيها الطرفان معا، ولا يمكن اتخاذ قرارات أحادية الجانب بضم أراض محتلة والعودة بنا إلى الوراء ؟ !!!!

ويبدو  أنه وضع  نصب عينيه  استمالة الأصوات اليهودية   ، وأنه أمضى  حياته  يعمل على توفير الأمن والرخاء للكيان الغاصب   كي يحيا كدولة ديمقراطية. وما يقوم به ترامب ليس جيدا لإسرائيل !!!!!

غير أن واقعية إدارة بايدن دفعته  للترحيب بما حققته الإدارة السابقة في ملفات قضية سلام الشرق الأوسط، خاصة في ما يتعلق بعملية التطبيع المستمرة بين دول عربية الكيان الغاصب وحذا. حذوه  بلينكن  أن الرئيس بايدن  لن يعود عن قرار إدارة سلفه بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان  ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، معتبرا أن بايدن يؤمن بأن التسوية الوحيدة القابلة للاستمرار في النزاع هي حل الدولتين ، ويعتزم إعادة الدعم للشعب الفلسطينى وكذلك اتخاذ خطوات لإعادة فتح البعثات الدبلوماسية التي أغلقتها إدارة ترامب في واشنطن.وانه  يؤمن بمسار تفاوضي يؤدي لحل الدولتين ليعيش الكيان الغاصب  في سلام وأمان إلى جانب دولة فلسطينية تنعم بمقومات البقاء

وغني عن التعريف نقول إن  علاقة بايدن مع إلكيان الغاصب  طويلة الأمد ومعقدة في بعض مراحلها. ، وهنا  نتساءل أيضاً

كيف تفسر  صمت  بايدن،  وهو نائب الرئيس آنذاك  عندما زار  الكيان الغاصب وأعلن نتنياهو على الفور عن أنشطة استيطانية جديدة” ؟ !!!!!

لن  يغير ذلك من قناعات بايدن الذي بقى داعماً قوياً  للكيان  طوال حياته السياسية، سواء خلال سنوات عمله الطويلة بمجلس الشيوخ أو كنائب للرئيس أثناه سنوات حكم الرئيس السابق باراك أوباما.

هل ننسى عندما وصف بايدن في كلمة له أمام مجلس العلاقات الخارجية نفسه بأنه صهيوني ؟!!!!!!!!!!

هل ننسى عندما أعلن أيضاً (  إن التزامه بأمن الكيان الغاصب  صارم وإنه في حين يعد بوضع ضغط مستمر على إلكيان  لحل نزاعاته ، فإنه لن يحجب المساعدات عنه )

وربما قائل يقول  المواقف تتغير. وعندما يصبح رئيساً تختلف الأمور ، ففي لقائه بيبنت ،  رفض بايدن خطط الحكومة الإسرائيلية لضم الضفة الغربية، معتبراً  أن مثل هذه الخطوة “ستخنق أي أمل في السلام  لكن حكومة  بينيت تطالب بإطلاق يد الاستيطان ، في كل  مكان

السياسة الأمريكية الحالية ، تسير وفق استراتيجية معينة ، وهي العودة للديار والتفرغ للعملاق الصيني ،ومجابهة روسيا ، لذا  أقامت حلفأ استراتيجياً ( مع بريطانيا ، واستراليا ) لحماية الحوض المائي لحلفائها ( اليابان ، كوريا الجنوبية  الفلبين )  ، بعد أن اقترب العملاق الصيني من التربع على عرش الاقتصاد العالمي ،لذا  ارتأت تسكين المنطقة ، وترك القضية الفلسطينية على هامش الأحداث

شعبنا الفلسطيني البطل  ، سيثور ضد الطغاة ، وستشتعل المنطقة برمتها ، وسيجبر  الولايات المتحدة الأمريكية للعودة إلى المنطقة ، سواء شاءت أم   أبت وان غداً  لناظره قريب .

بقلم: جلال نشوان

التصنيفات
دولي

“الصحافة الفلسطينية قبل سنة 1967” للكاتب والمؤرخ جهاد أحمد صالح‎‎

أصدرت وزارة الإعلام الفلسطينية والكلية العصرية الجامعية كتاب “الصحافة الفلسطينية قبل سنة 1967″ للكاتب والمؤرخ جهاد صالح، في رام الله – فلسطين 2021م، ويقع الكتاب في مئتين واثنتي عشر صفحة من المقطع الكبير، ركّز فيها على ظاهرة الفكر المقاوم في الصحافة المكتوبة، فيقول: ” منذ ظهور الأنظمة الدكتاتورية المحلية من ناحية، ومنذ ظهور الاحتلالات الخارجية من ناحية أخرى، وقد عرفت الدول الأوروبية، مؤسس الصحافة المكتوبة، بداية هذا الظهور منذ قيام الأنظمة الدكتاتورية في الكثير من بلدانها، ومحاولة فرض النسيج الموحّد لأبناء الشعب المؤيد للسلطة التي يرتضيها النظام، ومع بداية هذا النظام في التمدّد إلى الدول الأخرى، القريبة والبعيدة لفرض نظامه هذا، في ظاهرة عرفت بالاحتلالات الاستعمارية. ففي الوقت الذي لجأت فيه إلى الصحافة لتعبئة الرأي العام حول صوابية طروحاتها السياسية، وأطماعها الاستعمارية من وراء الاحتلال، ظهرت صحف الرافضة الداعية إلى تأسيس فكر المقاومة عند أبناء الشعب المنكوبين من الأنظمة الدكتاتورية والاحتلال، الداعية في النهاية إلى المناداة بالثورة الشاملة.

لكن هذا الظهور لفكر المقاومة كان ظهوراً مؤقتاً من ناحية، ويعتمد على وجود حاضنة تقف وراءه، تدعمه وتتحمل نتائجه من ناحية أخرى، هكذا برزت ظاهرة الفكر المقاوم في الصحافة المضادة للتمدد الهتلري في دول أوروبا، وللأفكار الفاشية الإيطالية، وللدكتاتورية الملكية الإسبانية وغيرها”.

ويضيف الكاتب والمؤرخ جهاد صالح: “هكذا أصبحت هذه الظاهرة، هي سلاح حركات التحرر في جميع دول العالم، ولسان حالها في التعبئة والتحريض، التي تستلهم من فكر المقاومة، ما يدعو أبناء الشعب إلى الثورة على النظام الدكتاتوري والرجعي من ناحية، والدعوة إلى الثورة ضد الدول الاستعمارية التي تجتاح بلاده، وتنهب خيراته، وترغم أبناء شعبه على الاستسلام والخضوع نهائياً لجميع مطالب الدول المستعمرة”.

وحول انتقال هذا الفكر المقاوم إلى الصحافة العربية يقول: “وشهدت منطقتنا العربية بكافة ساحاتها مثل هذا الظهور الذي يمثل فكر المقاومة في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، في أثناء التصدي لمحاولة الدول الاستعمارية تجزئه الوطن العربي منذ اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916م، وخضوع غالبية الدول العربية للاحتلالات الأوروبية قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، وما أفرزته من أنظمة دكتاتورية متعاونة معها بشكل أو بآخر”.

وحول انتقال هذه الظاهرة إلى الصحافة الفلسطينية، يقول الباحث في دراسته: “وشهدت فلسطين أبشع هذا التواجد الاستعماري وأكثرها ضرراً وبؤساً وعنفاً وضراوة، ليس فقط في أثناء وقوعها تحت الانتداب البريطاني بل باختيارها وطناً قومياً يهودياً صهيونياً، أرضاً وشعباً، محلّ سكانها الأصليين، ذلك المشروع الذي جاء وليد الانتداب البريطاني، منذ وعد بلفور عام 1917م، وما زال يكرّس وجوده حتى الآن، ويشكل ظاهرة عدوانية لا تتوقف ضد الدول العربية المجاورة، وضد حركات التحرر العربية والإسلامية والعالمية.

ومنذ وعد بلفور، عرف الشعب الفلسطيني أنه أمام احتلالين متعاضدين، الاحتلال البريطاني المؤقت، وأمام الاحتلال الصهيوني اليهودي الكولونيالي “الاستيطاني” ما أدّى إلى وقوف الشعب الفلسطيني برمته أمام هذين الاحتلالين، والاحتجاج أولاً على مواجهات الهجرة اليهودية السرية والعلنية، ثم تعاقبت الثورات الفلسطينية الواحدة بعد الأخرى، وسقط آلاف الشهداء والجرحى، وأودع آلاف المواطنين سجون الانتداب البريطاني في مختلف الأنحاء الفلسطينية. وفي حين جاءت ظروف وأحداث محلية وعالمية لصالح الصهيونية ومشروعها الاستيطاني، فإنها جاءت أيضاً في غير صالح الفلسطينيين الذين تآمرت عليهم الأنظمة الرجعية المحيطة بفلسطين، بالإضافة إلى التآمر الدولي الذي أيد قيام دولة “إسرائيل” في 15 أيار 1948م، على الرغم من فداحة الثمن الذي دفعه الفلسطينيون، أصحاب الأرض، من تشريد وبؤس ومخيمات انتشرت في الوطن الفلسطيني وخارجه، أولئك النازحون الذين هربوا من المجازر الإسرائيلية المتتالية وقد سيطر عليهم الهلع والخوف من المجهول، وقد  أمنّت سلطات الانتداب البريطانية كل وسائل الدعم والاستمرار لمثل هذه المجازر”.

وهكذا، يضيف المؤلف جهاد صالح: “لعبت الصحافة الفلسطينية التي انتعشت متزامنة مع بداية الدستور العثماني عام 1908م، وتزايد نشاطها وتنوعها خلال فترة الانتداب البريطاني حتى عام 1948م، دوراً بارزاً في تأسيس فكر المقاومة للمشروع الصهيوني، وإقامة الوطن القومي البديل، ومواجهات الهجرة اليهودية، بعد أن اكتشفت حيثيات المشروع الصهيوني من قبل الصحفي العريق نجيب نصار، الذي بادر بتبني التصدي لهذا المشروع بفكر عربي مقاوم، انضم إليه الصحفيون كافة في كل فلسطين، ولم يكن صعباً علينا، معرفة موقف سلطات الانتداب البريطاني إلى جانب هذا المشروع بدء بوعد بلفور الذي جاء قبل موجات الهجرة العارمة، والإجراءات القمعية التي اتخذتها ضد الثوار الفلسطينيين من ناحية، ومن ناحية أخرى ضد الصحافة والصحفيين والكتّاب والشعراء والسياسيين المعارضين لفكرة إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وغصّت السجون بهم، وطورد الكثير منهم، ونفيوا خارج البلاد، وأغلقت عشرات الصحف والمجلات، وهكذا تأسست الصحافة الفلسطينية وانتشرت منذ بداية الانتداب على فلسطين عام 1920م، وهي تحمل فكر المقاومة للمشروع الصهيوني، ورفض الاحتلالين، الصهيوني – البريطاني على أرض فلسطين”.

ويضيف أيضاً: “وبعد وقوع النكبة وتوزّع الصحفيين والكتاب والشعراء في الدول المجاورة، ودول الخليج وغيرها، وبعد انهيار القيادة الرسمية الفلسطينية، وعدم تمكنها من تلبية احتياجات النكبة التي يعاني منها أبناء الشعب، وقف الصحافيون والكتّاب والشعراء في طليعة هذا الشعب يبحثون عن حل لقضاياه المتعددة، ويبحثون عن الوسائل للخروج من الأزمة نحو فكر مقاوم يعيد للشعب الفلسطيني مسألة استلام قضيته، والتحدّث باسمه في كل المحافل الوطنية والإقليمية والدولية”.

ويستعرض المؤلف التطوّرات الإيجابية التي شهدتها المنطقة العربية انعكست على الساحة الفلسطينية، الأمر الذي أدّى إلى ظهور المنظمات الفلسطينية، وظهور الفكر المقاوم في صحافتها، وظهور الأقلام الكثيرة التي تدعو لذلك، ومن هذه التطورات:

 

  1. قيام الثورة الجزائرية في تشرين الثاني “نوفمبر” 1954م وتصاعدها وتأثيرها في الجماهير العربية بشكل عام، والجماهير الفلسطينية بشكل خاص. وإمكانية تحقيق المواجهة والانتصار في ظروف شبه متوافقة.
  2. بروز التيّار القومي العربي، خاصة بعد ظهور الزعيم المصري “جمال عبد الناصر” وتبوءه قيادة التيار القومي (نسبياً) ، مقروناً بالإنجازات الآتية: اشتراكه في مؤتمر باندونغ في نيسان (أبريل) 1955م، وتشكيله منذ آب” أغسطس” 1955م وحدات فدائية فلسطينية ضربت في عمق (إسرائيل)، وعقده في الشهر ذاته صفقة الأسلحة السوفيتية، وتأميمه قناة السويس في تموز (يوليو) 1956م، ووقوع العدوان الثلاثي الاستعماري ابتداء من 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1956م على مصر وقطاع غزة، وما رافقه من مواجهة شعبية مصرية عارمة، وتضامن كفاحي شعبي عربي مع الشعب المصري في معركته.
  3. قيام الوحدة المصرية – السورية في 22 شباط (فبراير) 1958م، ما ألهم التيار القومي بوادر نهوض جديدة في الوحدة والحرية.
  4. قيام الثورة في العراق في 14 تموز (يوليو) 1958م.
  5. نمو خطر (إسرائيل) المتمثل بشروعها بتحويل مجرى نهر الأردن، ما ترك بصماته على التفكير العربي بأن هذا المشروع الصهيوني لا يمثّل خطراً على الأرض الفلسطينية وشعبها فقط، بل يمثل تحدّياً للأمة العربية واستقلال حدودها وسيادتها”.

ويؤكد المؤلف جهاد صالح: “أن هذه التطوّرات دفعت بالجماهير الفلسطينية وقواها النخبوية التنظيمية إلى التفكير بإبراز الشخصية الفلسطينية وتجديد دورها في عملية التحرير، فنشأت منظمة التحرير الفلسطينية 1964م، وظهرت الصحافة الناطقة باسمها، قبل حرب 1967م.

ويؤكد أنه “في البداية لا بُدّ من التمييز بين نوعين من صحف المقاومة ظهرت في هذه الفترة.

الأولى: صحف سرّية، وتشمل صحف المقاومة السرّية التي صدرت في الأراضي العربية المحتلة، وفي بعض البلدان العربية في فترات متفاوتة، وهي خارج نطاق دراستنا الحالية هذه.

الثانية: صحف ونشرات علنية، أصدرتها منظمات فلسطينية في فترات مختلفة، وهي موضوع دراستنا، وتشمل الصحف أو النشرات التي صدرت خارج الأرض العربية المحتلة عام 1948م. وهي على النحو الآتي:

  1. صحف حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” ممثلة في صحيفتين: 

 

الأولى: صحيفة “فلسطيننا – نداء الحياة” التي أصدرتها منذ بداية تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، وقد أصدرتها في بيروت.

الثانية: صحيفة “العاصفة” التي أصدرتها بعد توقف صدور صحيفة “فلسطيننا – نداء الحياة”.

  1. صحف حركة القوميين العرب أو الناطقة باسمها، وهي:

الأولى: نشرة “الثأر” فعلى الرغم من كونها منشوراً سرياً، إلاّ أننا أدرجناه في هذه القائمة، على اعتبار أنها أولى النشرات التي تدعو الشعب الفلسطيني للمقاومة.

الثانية: صحيفة “الرأي” الأسبوعية التي صدرت في الأردن أولاً، ثم انتقلت إلى سوريا بعد تعطيلها في الأردن. 

الثالثة: صحيفة “فلسطين – ملحق المحرر”، التي أشرف عليها غسان كنفاني وصدرت في بيروت.

  1. الصحف الناطقة باسم منظمة التحرير الفلسطينية، بعد الإعلان عن تشكيل المنظمة عام 1964م،  والمعارضة لها وهي:

الأولى: صحيفة “أخبار فلسطين” الصادرة في غزة.

الثانية: صحيفة “فلسطين – الناطقة بلسان الهيئة العربية العليا لفلسطين” في لبنان.

الثالثة: صحيفة “جبل الزيتون” تصدرها الهيئة التنفيذية للاتحاد العام لطلبة فلسطين في القاهرة”.

ولأن هذه الصحافة هي امتداد للصحافة الفلسطينية التي عرفت جذورها العميقة، والمتنوعة، في فلسطين قبل النكبة عام 1948م، رأينا – يقول المؤلف جهاد صالح – أن نضع الجزء الأول من هذه الدراسة، للتعرّف على الجذور التاريخية الحقيقية لتطور الصحافة الفلسطينية قبل النكبة عام 1948 م ومؤثراتها في جميع المجالات، والجزء الثاني حول توزّع الأقلام الفلسطينية على الصحافة العربية، ومدى تأثيراتهم في جعل القضية الفلسطينية ماثلة فيها، في جميع أحوالها وتداعياتها بعد النكبة.

جهاد أحمد صالح

التصنيفات
المزيد

هل أصبح المجون السياسي الفرنسي يستهوي المتطرفين.

مكانة الجزائر في المغرب العربي وأهميتها باعتبارها مركزه المهم اقتصاديا وبشريا, ذات البعد الإفريقي والعربي الإسلامي وهمزة الوصل بين أقطاره, ودورها السياسي والدبلوماسي إقليميا ومواقفها في احتضان القضايا العادلة ودعمها للقضية الفلسطينية والصحراوية , زيادة على مكانتها على الساحة الدولية المتمثلة في إسهامها في ترقية السلم والاستقرار في العالم, واكتساحها للمحافل الدولية نتيجة ترابط اللحمة الوطنية في إطار المصالحة وبناء الديمقراطية, وقوة وخبرة دبلوماسيتها التي عمقت علاقاتها مع الشركاء في كل بقاع العالم,  لذلك  ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة لسنة 2022, أزداد المجون السياسي الفرنسي حدة وأصبح يستهوي المتطرفين, لتلميع صورهم بتصريحات متطرفة موجهة في الأساس للاستهلاك المحلي,  ولكنها تحمل في طياتها حقدا دفينا ضد الجزائر, فقد وافق الكاتب الصحفي السياسي  اليهودي اليميني المتطرف اريك زمور ماكرون في تصريحاته المعادية للجزائر بأن الجزائر لم تكن أمة قبل الاستعمار الفرنسي وأن فرنسا هي من أنشأت الجزائر.

اريك زمور أصبح “أشهر من نار على علم” داحل فرنسا بتصريحاته المتطرفة ضد الإسلام وعدائه الغير مبرر للمهاجرين المسلمين المتواجدين بفرنسا,  مدعيا أنهم “يلوثون العرق الكاثوليكي” وأن الدولة الفرنسية تتساهل  مع ملف المهاجرين حد التغاضي, بحيث ذهب بعيدا في تطرفه و حقده الأعمى إلى قوله في 11 سبتمبر 2021 إنه سيمنع المسلمين في فرنسا تسمية أبنائهم ( محمد) في حالة فوزه بمنصب رئيس الجمهورية, كما ينوي التعامل مع المسلمين ” كما تعاملت الثورة الفرنسية ونابليون (بونابرت) مع اليهود“.

ومن أبرز تصريحاته العنصرية بخصوص  نظرية  الاستبدال الكبير قوله أن  هناك  “أسلمة المجتمع الفرنسي على حساب الفرنسيين الكاثوليكيين البيض الأصليين“. مضيفا إن ” النساء المحجبات والرجال الذين يرتدون اللباس العربي هم بروباغندا لأسلمة الشارع الفرنسي”، معتبرا زيهم  “مثل البدلة العسكرية لجيش الاحتلال يحاول تذكير المهزوم بخضوعه له”

كذلك قال اريك زمور إنه “سيغلق المساجد التي يديرها الإخوان والسلفيون“, علما أنه  حذر، في عام 2014، من أن الجمهورية الفرنسية  تقترب من حرب أهلية مشبها إياها بـ “لبنان آخر“.

الشيء الملفت أن كتب أريك زمور تعتبر الأكثر مبيعا وكان آخرها  “فرنسا لم تقلْ كلمتها النهائية بعد“، و”انتحار فرنسي“، كما حذر من أن فرنسا  “ستختفي” أو تصبح “جمهورية إسلامية” في غضون 100سنة  إن لم تسيطر على الهجرة. معتبرا أن معركة واترلو، التي تمخضت عنها هزيمة بونابرت، سنة  1815، كانت بداية انحطاط فرنسا، كما أن هزيمتها أمام بروسيا، سنة 1871، حسمت مصيرها.

الجمهورية الجزائرية لا تقلقها التصريحات العنصرية الموجهة ضدها, لأنها  تعتبرها أساسا موجهة  للاستهلاك الداخلي الفرنسي, وأن اليمين المتطرف وسياسته معروفة منذ سنين, فقد أغرقت هذه السياسة  فرنسا في مستنقع أزمة ديمقراطية باتت تشكل خطرا كبيرا على استقرارها سياسيا, كما أن الأزمة بين فرنسا والجزائر ستطول و ستشكل فجوة كبيرة و تصدعا حادا بسبب عدم اعتراف فرنسا  رسميا بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي اقترفتها خلال احتلالها للجزائر, هذه القضية التي ستبقى عقبة في وجه فتح صفحات جديدة للعلاقات بين البلدين.

بلخيري محمد الناصر

 

التصنيفات
محلي

بشار : شركة طاسيلي تستثني مطار بشار من الرحلات المنتظمة و السكان يطالبون بتدخل الوالي .

ناشد سكان ولاية بشار السلطات المحلية و على رأسها والي ولاية بشار السيد بن قامو محمد السعيد من أجل التدخل و المطالبة بعودة الرحلات المنتظمة لشركة الطيران طاسيلي و التي غابت عن الخدمة منذ غلق المطارات بسبب جائحة كورونا  و بالرغم من عودة الحياة داخل المطارات وفق بروتوكول صحي اقرته وزارة الصحة  إلا أن شركة طاسيلي اقصت مطار بشار بودغن بن علي لطفي من خدماتها و التي كانت في السابق تنافس الخطوط الجوية الجزائرية و توفر خدمة إضافية لسكان ولاية بشار خاصة فيما تعلق بخط بشار وهران و خط بشار الجزائر العاصمة

كما طالب سكان ولاية بشار أيضا بترميم المطار خاصة و أن ولاية بشار تعد قطبا سياحيا بامتياز يجذب سنويا الآلاف من السياح من داخل الوطن و خارجه لزيارة المناطق السياحية المتواجدة بتراب الولاية ناهيك عن توفير عناء التنقل على الساكنة  بالحافلات  و هو ما يستوجب تدخل والي ولاية بشار  من أجل تهيئة المطار و مطالبة شركة طاسيلي بإعادة بعث رحلتها بمطار بشار.

 

 

م.ع/ بشار 

 

التصنيفات
المزيد

تقديم الألــم في “رواية بيضة العقرب، رواية السيرة السرطانية”لـِلروائي محمود عيسى موسى.

 

 

عندما يأتي العنوان صادماً أو غرائبياً مثل ” بيضة العقرب ” فإن القارئ بالتأكيد سينفر من الرواية ، وإذا علمنا أنها متعلقة بـ “السيرة السرطانية” فهذا يجعله يفرّ من أمامها ، لكن لو تقدم المتلقي من الرواية وقرأ ما جاء على الغلاف الخارجي بالتأكيد سيغير موقفه ، ويجعله يتقدم وبسرعة منها.

إذن العنوان (المنفر) على الغلاف الأمامي يقابله مدخل محفّز على الغلاف الخارجي ، فما الذي استخدمه السارد ليلغي ذلك السواد والقسوة الكامنة على الغلاف؟ : “… ثم فكرت بأنني سأتحمل ألمي الجسدي ، ولن أستعجل مغادرة الحياة ، إلى أن تقرر هي مغادرتي ، لأني أحب فيها أوان الغروب ، وساعة الشروق ، إذا كانت صاحية بعد ليلة حب … ومسرحيات الرحابنة على الراديو أيام الانقلابات ، ومزمزة (حِزّ) الليمون مع الملح ،… والفلّ والزنبق الدمشقي … والكبة المشوية (المسقسقة) بقشطة وحلاة الجبن ، واللبنة بالطرخون والشاكرية ورز ، ولقمة منسف من ( يد ما نعدمهاش)، والملوخوية ، ثم الملوخية ، وكمان مرة الملوخية ، بالكزبرة والثوم … ووضع الرأس في زاوية كتف من تحب ، تماماً فوق الضلع الناقص ، الذي كان في أصل الصنع” ، فكرة حب الحياة واضحة ، لكن اللافت هي اللغة المستخدمة ، والتي تتميز ببساطتها وسهولتها وشعبيتها ، وهذا ما يجعلها قريبة من المتلقي ، الذي يجد رواية ” السيرة السرطانية ” تستخدم لغته ، بهذا الشكل استطاع “محمود عيسى موسى” قَلْب مرضه وما يلازمه من خوف وألم إلى حدث بسيط وسهل ، وهذا ما يُغيّر موقف المتلقي من الرواية

 

بساطة التقديم

 

وإذا علمنا أن ما جاء على الغلاف الخارجي كان فاتحة الرواية ، نصل إلى وجود عنصر جذب آخر ، والذي سيكون مدخل إلى الرواية ، فالبساطة كانت أحد العناصر الأساسية في الرواية ، ولم تقتصر هذه البساطة على لغة السارد ” محمود عيسى موسى ” فقط ، بل تعدتها إلى لغة الأدباء والكتاب أيضاً ، فهو يقدمهم بالطريقة (العادية) التي يتصرفون ويتحدثون بها ، بعيداً عن الشكل الذي يظهرون به أمام الإعلام  والمواقف الأدبية الرسمية ، يحدثنا عن “هاشم غريبة” الذي كان أحد الذين دفعوا الروائي لكتابة هذه الرواية بقوله : ” هاشم غرابية ابن القرية المساة القمحة المشهورة ، حواره ، قال : أكتب .. كرّرها أكثر من مرة أثناء زيارته للإطمئنان على صحتي . … يضحك علناً ، يقترح علناً ، علي أن أكتبها وأسجلها المهم أن لا تضيع…قال (ماله) سجل بصوتك، احمل آلة تسجيل حتى لا يضيع منك ولا (نتفة)” ص20و21،

البساطة لم تكن مقتصرة على السارد ، بل قدم لنا الطريقة التي يتحدث بها كاتب ” ماله ، نتفة ” له بصمته في الساحة الأدبية ، وهنا تكون الرواية قد أكدت على اللغة البسيطة/العادية التي  تميزها عن غيرها .

ويحدثنا عن ابن عمته “حسنية” “الدكتور حسن نمر حجاب” الذي أيضا كان من المشجّعين على كتابة هذه الرواية : ” كلامه كان حلاوة وهو يقول يا خال ، ما أطيبها من فمه وهي تنتشر في صدري ، وقعها يحيي السكينة والآمال في النفس…أعرف كم كنت تحب الآخرين ، وقد عملت من أجلهم دائماً ، الكثيرون من الناس يقعون في هذا العصر يصابون هنا وهناك ، لكنهم بالإضافة للمرض يقعون في براثن الخوف والهلع ويستسلمون لهول النهاية المحتومة ، أنت تختلف ، لم تخف ولم يدب فيك الرعب ، إنك تواجه الأمر ببساطة وشجاعة ، في الحقيقة أنت تعمل على صمود من حولك وتقوية عزيمتهم ، لاحظت ذلك على مستوى العائلة والأصدقاء ، أنت صاحب جرأة معهودة وصاحب تجربة غنية في الحياة ، فلا  أظنك ستبخل ، كما لم تبخل من قبل ، أنت مسؤول وأعرف أنك لا تدير ظهرك ، الواجب يملي عليك الكتابة أو التسجيل ” ص24، نلاحظ هنا وجود لغة ( شبه رسمية)  وهذا يعود إلى طبيعة الشخص المتكلم ، فهو طبيب ، ويقوم بدوره كطبيب عمل على مساعدة المرضى ، فعندما وجد في ابن خاله “محمود عيسى موسى” العزيمة والبساطة في تلقيه للمرض ، أراد أن ينشر هذه التجربة للآخرين ، ليتعلموا أن هذا المرض لا يعني الموت ويمكن أن يعالج ، وهذا ما كان .

يتحدث أيضاً عن ” محمد طملية ، وفايز محمود ، ومؤنس الرزاز” الذي تحدث معه بهذا الشكل : ” أحبك وأحب جرأتك  في الكتابة وأحبّ حريتك في الحياة وتخبيصاتك ، لا تكترث ، لا تهتم لشيء ” ص27، أيضا نجد لغة الناس البسطاء ، بعيداً عن تلك اللغة التي نقرؤها في الروايات ، فهنا كان اللغة (عادية)  تؤكد على أن المتحدثين هم ناس مثلنا ، وليسوا بعيدين عنا .

أما ” إبراهيم نصر الله ” الذي قام بمساعدته مادياً ، بطريقة غير مباشرة : ” حمل لوحة “علي طالب” وأرسل لي ثلاثمائة دينار مع عمر أبي الهيجاء وكذب أنه باعها ” ص28.

أما موقف ” محمد عيد ” فلم يكن كحال من سبقوه ، فكان متأثراً وكأن المرض يعني الموت حتماً : ” بكى ، محمد عيد ، كالأطفال عبر الهاتف ، كان ينشج كالكبار وهو يردد : إذا صار لك (شي) يا محمود ما بعرف ( شو بسوّي بحالي )  ص28.

أما يوسف ضمرة فحاله أيضا لم يكن متزن : ” يوسف ضمرة كان مهلوعاً من ( الكذا مذا ) وكأنه أمام أول يوم في امتحان الثانوية العامة ” ص28، لكن بعد محادثة السارد ، نجده يتغير تماماً ، وينقلب الحزن والدهشة إلى ضحك وبساطة : “… لا بد من الضحك فجأة ، قال ، خلص ، خلص .. صارت بيضتي توجعني ” ص28 . نلاحظ أن السارد هو من يرفع معنويات أصدقاءه وليس هم ، وكأنهم مرضى وهو المعافى ، لهذا سرعان ما يقلب حزنهم إلى فرح  يتخلله الضحك ، وهذا الأمر انطبق على ” عمر شبانة وجمال ناجي ” اللذان : ” طقّت خواصرهما من الضحك فوق الشرشف الأبيض وهما يجلسان على سريرين في المشفى ” ص28.

وهناك ” خالد أبو خالد ” الذي أتى من سوريا ليطمئن عليه ، وقدم له رسالة غريبة : ” دس خالد أبو خالد ” رسالة غرام ، عندما جاء لزيارتي من دمشق ، ضخامته لم توفّق في إخفاء تأثره لحظة العناق ، حنانه ، أقرب ما يكون إلى حنان الأم ، جارف … فتحتها… فوجدت فيها ورقة من فئة مئة دولار” ص29 ، عدم ( إخفاء ) المبلغ الذي تحمله الرسالة يشير إلى أن السارد بسيط ، ولا يخفي شيئاً ، ورغم أن بعضهم سيعتقد أنه مبلغ زهيد ، إلا أنه حسب قدرة ” أبو خالد ” المالية يعتبر مبلغ (محترم) ، وهذا يؤكد على أن البساطة هي الحالة العامة في الرواية ، بساطة الأحداث ، بساطة اللغة ، بساطة الناس ، وبساطة تقديم المشاهد .

ويتحدث عن ” انصاف قلعجي ، إبراهيم الخسي ، أحمد كامل ، حسن ناجي ، جودت السعد ، عمر أبو الهيجاء ، والمرأة المعذبة ” التي مازحته : ” مطوّل تاتموت ” ص30 ، كل هؤلاء وغيرهم كان لهم دور/أثر في كتابة الرواية ، لهذا تناولهم السارد ووثّق ما قاموا به من مساعدة معنوية وغيرها .

البساطة لم تقتصر على هؤلاء الكتاب والأدباء ، بل تعدّت إلى الأهل والأقرباء ، فعندما يأتي شقيق السارد ” جمال ” إلى المشفى ، يخفي عنه مرضه بهذا الشكل: ” مرّت بثينة ، ابنة عمتي حمدة ، رئيسة قسم التمريض في المشفى في جولتها الصباحية ، دُهشت . سلامات ابن الخال .. خير، غمزُتها ، فهمتْ قصدي ، مجرد فتق بسيط ، كي لا يعرف أخي جمال بالأمر ويخبر الأهل ، . قرأتْ الملف (غرشت) ولم تعد تسأل ” ص63و64 ، نلاحط البساطة حتى عندما يكون الموقف (جدي) ، فمن خلال استخدامه ” غمزتها ، غرشت ” يموّه جدية الحدث وخطورته ، ويمحو ما فيه من قسوة تجاه الأهل ، ” بثينة ” ابنة عمته وشقيقه جمال ” .

هذا ما كان قبل إجراء عملية استئصال البيضة ، وبعد العملية استمر أسلوبه الساخر على حاله : ” العيون تحدق باتجاه واحد ، تنظر باتجاه واحد ، تنظر نحو عورتي ، حتى عيون الغزلان الشاردة راحت هي الأخرى تسترق النظر .” ص68، المشهد يبدو وكأن السارد في متنزه ، وليس في عمليه استئصال خطيرة ، ” الناس بيش وهو بيش ” . ويحدثنا عن الخصوة وكيفية التعامل معها من قبل الطبيب : ” شدها ، رفعها في الهواء ، ابتسمت عيناه بانتصار، سحب حبلها الملطخ بالدم ، شده ثم قطعه ، كومها هي وحبلها وأسقطها في المرطبان الزجاجي الذي أعدّه الجراح المساعد لاسقبالها . نظرت إليها بأسى داخل السائل نظرة وداع .

له يا خصيتي.. واخصيتاه ” ص71 .

أيضا نجد البساطة في حديثه عن الجزء المستأصل منه ، فبدا حديثه وكأنه يتحدث عن بيضة دجاجة ، وليس عن جزء اقتطع منه ، وجزء حيوي وأساسي من جسده .

ويستخدم قصة الرهان بين الزوج وزوجته على أيهما سيتكلم أولا ، حيث يقوم الزوج بطلي عورته بالزبدة ، ويكشفها للقطة التي : راحت تلحس الزبدة ” عندما تخاف الزوجة على بيضة زوجها ” يا فليح القطة توكل عورتك يا زلمه .

رد ببرود/ رد الواثق من الفوز والانتصار

خليها تاكلها.

نهرت القط قائلة : توكل قلبك ولا توكلها ” ص73 ، أيضا نجد السارد يستخدم داعاباته في حديثه مع زائريه ، مستمراً في نهجه البسيط في الحديث عن مرضه وعن العملية التي أجراها .

وعندما يجري له الطبيب فحص السكر ويجده مرتفع يرد عليه بهذا الشكل : ” غريب وعجيب ، كل هذه المرارات وما زال مرتفعا ” ص119، إذن السارد في كل موقف صعب يستخدم هذه البساطة ، فهي ملازمة له ، فتظهر وكأنها البلسم الشافي الذي به يتخلص من كل الأمراض والأوجاع .

وعندما تساله الطبيبة “بسمات”:

“ـ (يقولوا إنك شيوعي، هل هذا صحيح)

ـ (يئولوا مهما يئولوا)” ص138، هذه المواقف تجعل المتلقي يسأل ، من أين للسارد كل هذه القدرة على الدعابة ، رغم ما يمر به ؟، وهذا ما يحسب ” لمحمود عيسى موسى” الذي قدم نصاً روائياً ممتعاً ، وأيضاً مفيداً لمن يريد أن يتصرف بحكمة تجاه هذا المرض الخبيث .

وبعد أخذه جرعة الكيماوي ، وما يلازمها من تساقط الشعر، يتحدث عنه بهذا الشكل : ” كانت جدتك أم عيسى ، كلما وقع نظرها على لحيتك تقول : ( قُشّ هالزبلات عن وجهك يا ستي ) … اطمأني يا جدتي في ترابك ، الآن جاء الكيماوي القشّاش ، قشها وقش معها كل شعرة من شعر الرأس والبدن ” ص180، حتى التغييرات التي تصيب الجسم يتأمل بها بروح البساطة وكأنه أمر عادي/طبيعي ، لا يستدعي الإرتباك أو الخوف .

وعن الحرقة التي تشتعل في الجسم بعد الكيماوي ، يتحدث عنها بطريقة غريبة عجيبة : ” .. سأتلفن للطوارئ ..

تلفن محمود ، الدفاع المدني ، الوووو ، وأبلغ عن نشوب حريق هائل ، الحريق الذي تأججت ناره في داخلي . سأغلق السماعة من هون وأسمع زامور الويو ويو من هون ، بدقائق معدودة ستصل سيارة الإطفائية … سأغلق فمي جيداً بانتظار لحظة الوصول ، ولما يصل تماماً وينزل منها رجال الإطفاء ويتراكضون نحوي … عندما يهتدون إلى فمي كمدخل مهم ، سأفتحه على آخره في وجودهم ، … فيصلون باللهب المندفع في جوفي ” ص184، نلاحظ حتى تعاطيه مع الألم يستمر في استخدام  البساطة والسخرية ، فالمشهد فانتازي بامتياز ، وهذا ما جعل حتى المشاهد القاسية  تبدو جميلة وممتعة ، وهذا يحسب للسارد ، الذي استطاع إمتاع القارئ حتى وقت الشدة والألم .

يحدثنا عن صديقه ” عبدالله برغل ” وعن الهاتف الذي وصله منه :

” كيفك ، طمّني على شعرك الطويل المسترسل وشعر لحيتك ، شوف يا محمود ، سمعت بأنك مريض جداً ، أصلع وبلا لحية .

ـ أنا كويس يا عبدالله ، فقط معي سرطان ، لا أحد في البيت معي غيره ، وضعي جيد ، وأنا في أحسن حال ” ص247، مواجهة الواقع بهذه السخرية يعدّ أمر خارق ويتجاوز قدرات الإنسان العادي ، فما بالنا برجل مريض ، وبمرض خطير ومخيف؟.

أما عن الجفاف الذي يشعر به المصاب بعد جرعة الكيماوي ، يقول عنه : ” إمعاناً في إنحيازي وشغفي وتعاطفي وميلي في هذه المعركة للماء ، وخوفاً عليه وعلى ميزان القوى ، فقد استعنت بفرق الإمداد من السوائل والعصائر واستدعيت فرق المشاة والمليشيا والاحتياط .

خيل لي من شدة العطش وقسوة الجفاف والحلق الملتهب بأني سأشرب بركة البيبسي واعتقدت أن الشركة قد أعدّتها لمثل هذا اليوم المشهود ” ص253و254، نلاحظ أن السارد يقدم ما يجري له بطريقة ساخرة ، لكنها في الوقت ذاته تحمل المعرفة للقارئ بما يجري من تغيّرات في الجسد ، والألم المصاحب للجرعات التي يأخذها مريض السرطان ، وإذا علمنا أن هذا الألم والقسوة قدم بطريقة بسيطة ومتعة ، نصل إلى أن السارد يمتلك قدرات خارقة بحيث يحول فكرة/حدث الألم إلى لغة متعة وشكل أدبي مفرح .

وعدما يتذكر الماضي وما فيه من مأساة ، يقدمه بهذه الطريقة : ” الجمعة13 نيسان 2001

رغم أنه عطلة اسبوعية ، فقد انطلقت الشرارة الأولى للحرب الأهلية في لبنان 1975 ” ص288، وهذا ما يجعل البساطة هي الشكل الذي يمرر به ” محمود عيسى موسى ”  كل المآسي والألام والوجع الذي تعرض ويتعرض له .

الرواية من منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت- لبنان ، الطبعة الأولى 2006.

 

رائد محمد الحواري

التصنيفات
محلي

بيان موقع من طرف تنظيمات طلابية لجامعة الجلفة يحتوى على عدة مشاكل بيداغوجية.

بــــــيان
 لابد، و واجب أن نلعب الدور الحقيقي للشريك الاجتماعي في تبني مشاكل الطلبة العالقة ومعالجتها والوقوف ضد كل أشكال الظلم والتعسف ،مهما كان نوعه و مصدره مع احترام القوانين التي شرعها المشرع الجزائري. إن الحوار والتشاور مع مختلف الشركاء الاجتماعيين قد كان من أهم التعليمات و التوجيهات التي أكد عليها السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خلال ترأسه مجلس الحكومة الأخير الذي جمعه بمختلف وزراء الحكومة وحيث أعتبره وجعله السبيل الأمثل لحل المشاكل وإعطاء حلول حثيثة التي تدفع الإدارة إلى التقدم . إن ضمن التحديات التي نرفعها نحن التنظيمات الطلابية هو التطرق لمختلف النقاط والمشاكل التي تعيق السير الحسن لتطوير البحث العلمي والنهوض بالجامعة الجزائرية ، حيث يقابلها اجتهاد و استباق منا لمعالجتها بطرق مشروعة دستوريا ، اليوم نحن أمام وبصفة خاصة في عظمة اللامبالاة للمسؤولين وجمودهم وعدم اكتسابهم لروح المسؤولية و الاهتمام من طرف القائمين حيث نلخص أهمها في عدة نقاط :
 على مستوى نيابة مدير الجامعة للتكوين في الطورين الأول والتاني والتكوين المتواصل والشهادات وكذا التكوين العالي في التدرج .
– ضرب جميع المراسيم التنفيذية الوزارية المتعلقة بالتوجيه والتقويم والتسجيل والتحويل من طرف نائب مدير المكلف بالدراسات بحجج واهية عرض الحائط.
– عدم وجود سياسة بيداغوجية واضحة من طرف نائب المدير المكلف بالدراسات والبيداغوجيا.
– عدم تأهيل نائب مدير الجامعة للدراسات لكونه عين مباشرة في هذا المنصب دون خبرة ولو بسيطة وهنا نطرح جملة من التساؤلات كيف تم هذا التعيين؟ وعلى أي أساس؟
– القرارات الارتجالية الصادرة من طرف نائب رئيس الجامعة للدراسات لبعض المسائل البيداغوجية.
– رغم فشل بعض العمداء في تسيير كلياتهم أضيف لهم في خرجة غير متوقعة الإشراف عن الماستر مما يدل على تعفن الوضع وعدم وجود رؤية قصد تغيير هؤلاء الفاشلين.
– تواطؤ رئيس الجامعة المفضوح مع نائبه الغير قادر على التسيير وبعض العمداء الذين لديهم مشاكل كبيرة.
 على مستوى كلية الاقتصاد والعلوم التجارية والتسيير.
– عدم العمل بالتعليمات الوزارة الوصية في تسيير السنة البيداغوجية وضرب كل التعليمات والتوجيهات وزارة التعليم العالي عرض الحائط مما سبب في كثير الحالات الخاصة بالطلبة وحرمانهم من الحصول على السنة الجامعية رغم ظروفهم الصحية المبررة والتي أدت إلى التضحية بالكثير من الطلبة جراء هذا التعسف .
– هروب المسؤول الأول على إدارة الكلية من المشاكل العالقة .
– عدم تواجد معظم الإداريين داخل مكاتبهم .
– المحاباة في منح النقاط والتمييز والعنصرية بين الطلبة .
– عدم العمل على تطبيق البرتوكول الصحي .
: على مستوى كلية الآداب واللغات والفن
– رغم الاجتماعات العديدة إلا أن المشاكل لم تحل من طرف العميد لغيابه الدائم.
– نقص العمال المخصصين لاستخراج وثائق الطلبة البيداغوجية في الأقسام.
– انعدام النظافة والبروتوكول الصحي.
– كلية مكاتبها مغلقة نظرا لعدم التحاق العمال بمكاتبهم ( كلية مهجورة ).
– عدم توزيع كل شهادات التخرج لحد الآن.
– طلب تحقيق في كيفية صرف الميزانية.
 على مستوى كلية الحقوق والعلوم السياسية .
– تأخر في المداولات وصب النقاط.
– حرمان طلبة قانون الخاص من تخصص القانون الجنائي في طور الماستر .
– فتح التسجيلات قبل المداولات للسنة الثالثة ليسانس بطريقة غير منطقية وعشوائية .
– عدم إدراج بعض الطلبة في القوائم الرسمية .
– عدم نقل المحكمة الافتراضية إلى الكلية الجديدة وحرمان الطلبة من الممارسة التطبيقية للقانون والمرافعات .
 على مستوى كلية العلوم والتكنولوجيا .
– عدم تحكم العميد في عملية التسيير وذلك من خلال وجود صراعات داخلية في إدارة الأقسام وكان ضحيتها الطالب .
– الوعود الكاذبة من طرف العميد في إصلاح وحل المشاكل إلا أن محاولاته دائما نتيجتها الفشل .
– الفرض التعسفي الذي أدى إلى معاناة الكثير من الطلبة في عملية التوجيه للتخصصات ثانية ليسانس وأولى ماستر.
– عدم إعلان نتائج في بعض التخصصات
إن من الواجب والضمير الطلابي كوننا شركاء اجتماعيين داخل جامعة الشهيد زيان عاشور بالجلفة التواصل مع الإدارة وذلك من خلال رفع انشغالات الطلبة وإيجاد الحلول لها إلا أن الإدارة الوصية المتمثلة في( العمداء و رئيس الجامعة ونائبه المكلف بالدراسات) تبقى مصرة و متجاهلة التواصل معنا في إيجاد الحلول و تمارس سياسة الانسداد.
                                                                                                وبعد استنفاذ كل الطرق والمحاولات للتواصل في إيجاد الحلول فإننا نعلمكم أن هذا البيان بمثابة إشعار لدخول في حركة احتجاجية مفتوحة وذلك يوم :05/10/2021 إلى غاية تلبية المطالب.
    نسخة إلى :
– المكاتب الوطنية .
– نواب المجلس الشعبي الوطني .
– وزارة التعليم العالي والبحث العلمي .
– رئاسة الجامعة.
– الصحافة والإعلام الواسع .
– الأمن .
التصنيفات
المزيد

الخبير الاقتصادي مختار علالي يؤكد من منبر الوسيط المغاربي: ” منحة البطالة جسر لاسترجاع الثقة بين الشباب والسلطة “

  • “نحو البدائل الإستراتيجية خارج المحروقات لخلق الثروة وتوفير مناصب العمل”
  • “على الحكومة إحداث التغيير الإيجابي نحو تقليص نسبة البطالة وإنعاش الدورة الاقتصادية وإحداث التغيير في الادخار والاستثمار”
  • “على الحكومة الإقتداء بالتجربة الهولندية والبريطانية والألمانية لتقليص نسبة البطالة”

 

يرى الخبير الإقتصادي مختار علالي أنّ منحة البطالة التي أدرجت في اجتماع مجلس الوزراء أريد بها استرجاع الثقة بين الشباب والسلطة، إلى جانب وفاء رئيس الجمهورية بالوعود التي أطلقها في حملته الإنتخابية، فهذه المنحة كانت مخصصة فقط للذين أحيلوا على البطالة بعد غلق المؤسسات العمومية وحلها وتصفيتها، لكن المنحة الحالية هي موسعة لكل بطال لا يملك دخلا ولا سجلا تجاريا، كما أكد الخبير في معرض حديثه للوسيط المغاربي على ضرورة إستفادة الحكومة الجزائرية من مختلق التجارب الناجحة للقضاء على البطالة، باعتبارها بلغت نسبا قياسية في بلادنا.

منحة البطالة تكلف الدولة نفقات ضخمة لكنها ستساهم في إنعاش الدورة الإقتصادية

نوّه الخبير الاقتصادي بالإجراءات المتخذة بخصوص منحة البطالة، فعلى الرغم من أنّها ستكلف الدولة نفقات ضخمة، فهي من الناحية الاقتصادية عامل مهم في إنعاش الدورة الإقتصادية، حيث أن هذه المنحة هي عبارة عن شبه أجرة قد تحوّل مباشرة إلى الاستهلاك، وهذا ما ينتج نشاط جديد للمؤسسات المنتجة، كما يعطي إمكانية اقتراض البطالين من رجال المال والأعمال بضمان هذه المنحة لأجل إقامة مؤسسات، وهذا ما يزيد من فعالية الدورة الاقتصادية، من جهة أخرى تعطي أملا للشباب في الحصول على مناصب عمل، وهذا باعتبار أن الحكومة تصبح مضطرة للتحول نحو البدائل الإستراتيجية خارج المحروقات عن طريق استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية بالصيغ القانونية، وهذا لخلق الثروة وتوفير مناصب العمل، مما يدفع حتما للتفكير في تقليص نفقات الدولة إنطلاقا من هذه المنح المؤقتة إلى حين توفير مناصب عمل للبطالين، وهذا ما يرفع من مستوى نشاط الحكومة لخلق ديناميكية سريعة في الاستثمارات.

أكثر من مليوني عاطل عن العمل في الجزائر بسبب تداعيات كورونا 

إنطلاقا من ارتفاع نسبة البطالة بسبب تدهور الاقتصاد بعد إنهيار أسعار النفط وتجميد المشاريع، زادت تداعيات كورونا في رفع نسب البطالة التي فاقت في الجزائر مليونين عاطل عن العمل أو أكثر ونسبته فاقت 11٫5 بالمائة، في الوقت الذي قطعت فيه دول أخرى أشواطا كبيرة لتقليص نسب البطالة فيها مثل بريطانيا وهولندا وألمانيا بأوروبا، وإثيوبيا ورواندا في إفريقيا.

بريطانيا حققت المعجزة الاقتصادية في سوق العمل لأنّها أقل بيروقراطية وأكثر ليبرالية.

وبناءا عليه يتساءل الخبير عن مدى إمكانية الحكومة الجزائرية الجديدة الإستفادة من تجربة هاته الدول في مجال تقليص نسب البطالة؟

وانطلاقا من هذه الإشكالية يحاول الأستاذ مختار علالي إبراز خصائص التجارب الناجحة لوضع لوحة القيادة في إمكانية الاستفادة من هذه التجارب والنماذج، فمثلا بريطانيا التي عانت من مشكلة البطالة المتفاقمة إلا أن فكرهم المبني على نظام الجدارة بمنح مراكز القرار والتسيير والاستشارة العالية لأهل الاختصاص، حيث أن البريطانيين استطاعوا تحقيق معجزة اقتصادية في سوق العمل خلال خمس عشرة سنة تدرجا، فقد استطاعوا خلالها تخفيض نسبة البطالة إلى أقل من 5 بالمائة خلال عام بعدما كانت أكثر من 10 بالمائة عام 1993. 

وعلى خلاف ذلك تزيد النسبة المذكورة في الجزائر إلى 11,5 بالمائة، مثلما كانت ألمانيا قبل تخفيض النسبة 9.5 بالمائة في وقت مضى وكل إجراءاتها كانت تتماشى وخطوات بريطانيا الناجحة حيث كانت بريطانيا أقل بيروقراطية وأكثر ليبرالية.

وأهم ذلك تم عبر تحفيز المؤسسات المساعدة على تقليص البطالة على غرار شركة “ايزي جيت” عنوان النجاح البريطاني في مجال الخدمات حيث واجه البريطانيون مشكلة البطالة في التسعينيات وللقضاء على المعضلة اتجهوا للاستفادة من التجربة الأمريكية الناجحة، لذلك يوصي الخبير بإتباع خطوات الناجحين للابتعاد عن هذه الأزمات، حيث اتخذت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر إجراءات راديكالية قلّصت بموجبها المساعدات الاجتماعية وتعويضات العاطلين عن العمل. كما قامت بالحد من سلطة البيروقراطية من خلال تسهيل قوانين أنظمة الاستثمار، وجعلها أكثر ليبرالية اتجاه المستثمرين ورجال الأعمال.

الحرب على البيروقراطية أهم طريق للقضاء على البطالة

وكذلك تستطيع الجزائر حذو هذه الإجراءات، لكن قبلها لابد من تفعيل الرقمنة الحقيقية حتى يتوجه الدعم لمستحقيه فقط، كما لابد.من إتباع نظرة العالم “هولغر شيفر” خبير اقتصاد سوق العمل في معهد الاقتصاد الألماني بمدينة كولونيا أن تحجيم سلطة البيروقراطية من أهم الأسباب التي ساعدت بريطانيا على النجاح في تخفيض نسبة العاطلين عن العمل إلى النصف. وذلك فإنّ الحرب على البيروقراطية أهم طريق وجب علينا أن نسلكه لذلك وضعناه في برنامج الحصن المتين إتباعا لنظرة خبراء العالم الذين اتفقوا على أنها المرض القتال للإدارة وسبب أزمات الدول.

الإصلاحات في ألمانيا ركزت على قطاع الخدمات والبناء لخلق فرص العمل الجديدة

كما أن الإصلاحات التي قامت بها ألمانيا في إطار ما يُسمى “هارتس 4” كانت شبيهة في كثير من جوانبها بالتجربة البريطانية التي كانت أهم أسباب نجاحها تركيزهم على قطاع الخدمات الذي ينمو بوتيرة سريعة، واستطاعوا من خلالها خلق مئات الآلاف من فرص العمل الجديدة. أما الألمان ركزوا على قطاع البناء والتضخم بشكل يزيد عن حاجة السوق، مما تسبب في خسائر كبيرة ساهمت في تراجع أداء القطاعات الأخرى.

ولذلك على الحكومة الجزائرية الجديدة الاستفادة من التجربتين عبر تشجيع قطاع الخدمات لاسيما السياحة المتنوعة الدينية والترفيهية والعلاجية وربطهم بالأسواق، كما يجب استغلال مجال القطع الأرضية التي تم توزيعها على المستفيدين، ووضع مراقبة الدولة لهم لتشييد السكنات ووضع الدعم في مجال مستحقات المقاولين مع وضع اتفاقية صارمة بين المستفيدين والمقاولين برقابة الدولة، إما استكمال مبلغ تشييد السكنات أو ربطهم بالبنوك التي تعتمد على الصيرفة الإسلامية في مجال القروض مع توسيع ذلك، وبعث طرق جديدة في توزيع الأراضي على أساتذة الجامعات والموظفين الذين لهم أجور تفوق 80 ألف دينار حتى يتم توسيع مجال القضاء على أزمة السكن. وهذا لتنشيط مجال البناء إتباعا للتجربة الألمانية التي زادها تفعيل دور وسطاء العمل مثل ما كان في منطقة أمستردام أكبر مرافئ أوروبا وأكثرها حركة وديناميكية.

الأمر الذي أكده الأستاذ “انغو كولف” خبير سوق العمل في اتحاد نقابات العمال الألمانية حيث اعتبر ما يسميه في نظريته “إستراتيجية تفعيل الأداء في مكاتب العمل” إنه هو السبب الرئيسي وراء النجاح البريطاني، حيث كان في بريطانيا مثل هذه المكاتب أعداداً أكبر من الموظفين العاملين على التوسط لإيجاد أماكن عمل مقارنة بألمانيا. وهكذا يمكن مكافحة مشكلة البطالة هناك بشكل أفضل. وهنا رأى العديد من الخبراء ومن بينهم “كولف” أنه يمكن الاستفادة من التجربة البريطانية، ولذلك كانت رؤية كولف بالنسبة لتجربة ألمانيا نظرة أخرى، حيث قال “فيما عدا ذلك ليست تجربة بريطانيا مثالاً يُحتذى لألمانيا.” وهذا نسبة لاختلاف مناهجهم.

على الحكومة الجزائرية أن تضيف التجربة الهولندية إلى تجربتي بريطانيا وألمانيا لتقليص نسبة البطالة

أما في الجزائر لا يمكن مقارنة عدد العاطلين عن العمل فيها بألمانيا أو بريطانيا، حيث بلغ عدد الذين خرجوا من سوق العمل وما يزالون دون سن التقاعد ضعف عدد العاطلين، ذلك لأسباب من بينها التقاعد المبكر أو العطل المرضية. وإذا أُضيف عددهم لعدد العاطلين يصبح مجمل العدد 2.5 مليون. ومما يعنيه ذلك أن الفروق بين ألمانيا وبريطانيا تصبح صغيرة فيما يتعلق بنسبة البطالة وتتفاوت مع الجزائر بنسب معينة، ولهذا على الحكومة الجزائرية أن تضيف التجربة الهولندية إلى تجربتي بريطانيا وألمانيا، حيث أن هولندا نجحت عن طريق العمل الجزئي حسب مؤشر داكس في فرانكفورت، حيث حققت هولندا نتائج مشابهة لما حققته بريطانيا، إذ تراجعت نسبة البطالة فيها إلى أقل من 5 بالمائة

وعلى الرغم من أن الأرقام تجمّل الواقع بعض الشيء، فإنّ التجربة الهولندية جعلت الألمان أكثر اهتماما بها لنجاح تجاربهم حسب الخبير كولف الذي ركز كثيرا على ضرورة توفير جو من المرونة في مجال إيجاد فرص تشغيل جزئية وموسمية، على غرار تجربة هولندا التي كان يستفيد 40 بالمائة من العاملين من هذه الفرص. 

لابد من تفعيل دور شركات الوساطة في سوق العمل ودعمها للنجاح بالجزائر 

ومن أجل تحقيق مثل هذا النجاح بالجزائر لابد من تفعيل دور شركات الوساطة في سوق العمل ودعمها، لكن بشروط قانونية ردعية لقطع الطريق على الانتهازيين، كنا نوصي بخلق مناصب العمل الرخيص ليكون حلا للبطالة في الجزائر، حيث أوضح الخبير “شيفر” أن سر النجاح الهولندي كان يكمن أيضاً في الأجور المنخفضة. بدليل أنه في عام 2003 اتفق ممثلو العمال وأرباب العمل والحكومة في هولندا على القبول بأجور تراعي ضعف معدلات النمو، وبموجب ذلك التزمت النقابات بالتنازل عن مطالبها بزيادة الأجور لمدة سنتين، مقابل ذلك تراجعت الحكومة عن خططها الرامية إلى تخفيض الدعم الاجتماعي. وقد انعكس هذا الحل بشكل إيجابي على سوق العمل الهولندي بشكل ملموس خلال أقل من سنتين.

تجارب يمكن تفعيلها بمحاربة مصدر المضاربة والغش والتحايل

تجربة يمكن تفعيلها في الجزائر لاسيما إذا حزمت الحكومة أمرها في محاربة مصدر المضاربة والغش والتحايل، وقطع دابري الوسطاء المتحايلين المتسببين في رفع الأسعار، كما يجب تركيز الحكومة من الانطلاقة على الرقمنة بداية من قطاع المالية لاسيما الضرائب والأملاك الوطنية لوضع لوحة القيادة في مجال تطوير الاستثمار.

وكذا معرفة المستحقين الحقيقيين للدعم الاجتماعي، وهذا لتقليص فاتورة الاستيراد، مع تشجيع الصناعة الصغيرة التي ويمكننا تصنيعها محليا، على شاكلة الكثير من الأدوية وأدوات التجميل التي فاقت فاتورة وارداتها 1٫5 مليار دولار، كما أن تخفيض الدعم الإجتماعي بعد تحديد مستحقيه وتوجيهها إليهم فقط، حتما تنخفض إعتماداته المالية التي نوجهها لدعم إنشاء مؤسسات ناجحة، ولذلك يمكن أن يشكل خطوة إيجابية نحو تفعيل الاستثمار الحقيقي المنتج للثروة والموفر لمناصب عمل، على أن يساير ذلك خطوات أخرى مثل تخفيض ضرائب أرباح الشركات، والتحفيزات الأخرى تشجيعا للاستثمار.

إقامة التوأمة بين بلديات جزائرية وأخرى بريطانية وألمانية وهولندية للتقليص من حجم البطالة

وانطلاقا من التجارب والنماذج العالمية الناجحة لاسيما التي ذكرناها وجب التفكير حاليا بإقامة التوأمة بين بلديات جزائرية وأخرى بريطانية وألمانية وهولندية، وشراكة بين شركاتهم وشركاتنا والإستفادة من تجاربهم الناجحة، لتجد الحكومة الجديدة منفذا لإحداث التغيير الإيجابي نحو تقليص نسبة البطالة ومنها إنعاش الدورة الاقتصادية وإحداث التغيير في الادخار والاستثمار، مما يؤثر ايجابيا على انخفاض نسبة التضخم ورفع الإنتاج من أجل المشاركة في الأسواق الدولية، ورفع مداخيل الدولة، ومنها رفع سعر العملة المحلية ليقفز الدينار الجزائري إلى مراتب متقدمة كما يرفع من القدرة الشرائية للمواطن الذي ينتظر في مثل هاته الخطوات الإيجابية.

 

السيدة نسيمة شرلاح

التصنيفات
المزيد

اللغة السردية في رواية صهيل مدينة للكاتب مصطفى النبيه

 

 

مقدمة..

تعتبر اللغة أساس الجمال في العمل الإبداعي, فهي التي يتحدث بها السارد في متن النص الروائي, حيث يقدم السارد الشخصيات والأماكن والأحداث والزمان من خلال اللغة, تعكس اللغة ثقافة الكاتب وقدرته على انتقاء الكلمات وتوظيفها في التعبير عن مكونات الرواية وتعكس رصانة الأسلوب لدى الكاتب, كما يقول د. عادل الأسطة: (وهي لغة واحدة يفترض أن تكون صحيحة, وأن تليق بصاحبها)( ), لغة السرد أكثر العناصر التي تُظهِر شخصية الكاتب الحقيقية (إن لغة الرواية هي التي تجعل منها فناً متميزاً وتجعل قراءتها عملاً عميقاً على صعيد الفكر والروح فالرواية لا تجذب القارئ بعناصر فلسفية أو تاريخية أو اجتماعية أو فنية إنما هناك شيء آخر إضافي يجعل من العمل الروائي عن طريق عبقرية اللغة أو عن طريق التفجر اللغوي والوهج اللغوي شيئا قائما بحد ذاته كعمل تنظر إليه وتتأمل وتتعلق به وتتغنى روحا وفكرا)( ), (اللغة هي الدليل المحسوس على أن هناك ثمة رواية موجودة يمكن قراءتها وبدون اللغة لا توجد رواية أصلا كما لا يوجد فن أدبي بدونها على الإطلاق)( ).

تبقى العلاقة بين اللغة وعناصر العمل الروائي علاقة جدلية، فمن خلال اللغة يقف القارئ على أعماق الشخصيات الروائية التي تحمل الأفكار والرؤى التي هدف الكاتب إلى طرحها، حيث يتعرف القارئ على الملامح الخارجية للشخصيات وسماتها ومواقفها من الأحداث، فاللغة هي التي تكشف عن المكانة الاجتماعية للشخصية الروائية.

لذا يتناول الباحث في هذا الدراسة اللغة السردية في رواية صهيل مدينة للكاتب مصطفى النبيه، سيتناول المبحث الأول مستوى السرد المباشر، وفي المبحث الثاني اللغة الشعرية، والمبحث الثالث خصائص لغة السرد.

أولا: مستوى السرد المباشر:

يُعنى بها السارد وصف شخصياته، والأماكن التي يذكرها في روايته، وسرد الأحداث وعرضه لها باستخدام الوثائق التسجيلية وشهادة الشخصيات، والتعبير عن تجربته ورؤيته، بلغة مباشرة بعيدة عن الألفاظ والتراكيب المجازية حيث يصف الواقع المأساوي أو يصف مكاناً معيناً وما يعتريه من معالم بلغةٍ بسيطة مباشرة، فيكون دور اللغة إخبارية تبليغية يقول السارد ص21:

(غزة الحاضرة المنسية كانت في عهد الاحتلال شقة مفروشة أنثى سريرها عفن رائحتها قذرة ملامحها كئيبة شوارعها رملية).

يصف السارد غزة أثناء الاحتلال الاسرائيلي لها باستخدام لغة بسيطة مباشرة وكلمات توحي بالواقع المأساوي والحياة المريرة الصعبة التي كانت تعيشها غزة، كما يشير السارد إلى عهد الاحتلال وفيها دلالة على أن هناك عهود عبرت على غزة كلها مضت كما مضى عهد الاحتلال وغزة صامدة.

في نموذج آخر يصف لنا السارد المخيم الذي قد وجد الناس أنفسهم يحيون فيه فجأة، بعد أن كانوا يعيشون في بيوتهم آمنين قبل أن تغشاهم قذائف الاحتلال ويطمرونهم بالقنابل المتفجرة، يقول السارد ص29:

(“خيام بألوان مختلفة تكبر فتصبح بيوتاً من القرميد ونوافذ صغيرة من الخشب والزينكو تصطف متلاصقة تفضح أسرار ساكنيه).

استخدم السارد لغة بسيطة تتناسب مع بساطة المخيم وبساطة الحياة فيه، وجاء وصفه للمخيم واقعياً لا خيال فيه ليعبر عن حالة المخيم ويبرز واقعيته للقارئ.

يسعى السارد في السرد إلى وصف وتقديم الشخصيات معبرا عن مواقفها وشعورها إزاء أوسلو يخبرنا عن موقف د. حيدر عبد الشافي وما صدر بعد مفاوضاته من اتفاقية أوسلوا التي بدا على أثرها ينزف قهرا يرفض أن يشهد زورا على نضال شعبه، يقول السارد ص32:

(“تنسمنا خيراً حينما علمنا أن قائد الوفد الدكتور حيدر عبد الشافي فلم نعهد إلا مقاتلاً شرساً حازماً صادقاً لم نرَ منه يوماً اعواجاً).

ثم يصفه في الصفحة التالية ص33 من الرواية:

(“بطلنا الهادئ ينزف قهراً يرفض أن يكون شاهد زور).

يقدم السارد وصفا حقيقيا وواقعيا لشخصية وطنية، برزت من خلاله مواقف الشخصية الوطنية الثابتة تجاه قضية شعبه ووطنه دوما مدافعا صادقا، لكنه نزف قهرا ورفض أن تكون له بصمة زور في سيرته الوطنية الطويلة.

يترك السارد السرد لشخصياته الروائية أن تسرد الأحداث بلسانها وتقدم وصفا لنفسها حتى يوهم القارئ بواقعها، نجد فايزة وهي أحد الشخصيات الروائية تصف نفسها يقول السارد ص39:

(سحرت أهل المخيم فلم يروني إلا باسمة الثغر فارعة الطول فراسة دقيقة مجدلية الحسن رشيقة وجهي حديقة ياسمين يزينه الجوري).

تصف فايزة نفسها وتبرز شدة جمالها لكن حياتها لم تكن بشدة جمالها، بل كانت مؤلمة مليئة بالحزن والأسى، استشهد أخوها وتعرضت للسجن بعد أن عملت مناضلة مع المناضلين من أبناء شعبها، وتركها حبيبها بعد وعود جميلة بحياة هنية رائعة وذلك بسبب تعرضها للسجن، وفي شخصية فايزة التي لم تنل من اسمها حظا رمزا للمرأة الفلسطينية المناضلة التي قدمت اخيها وناضلت وتعرضت للسجن.

يقدم السارد الشخوص في الرواية على لسان شخصياته الروائية أيضا، حيث يقدم على لسان فايزة أخيها عبدالله يقول السارد ص39:

(أخي عبد الله جندي مخلص يزرع في أرواحنا المعرفة من أن فلسطين تحتاج لعاشقين يبصرونها بعين واعية نظيفة يدركون معنى الحب).

يقدم لنا السارد أنموذج الشباب المثقف الواعي الذي يدرك معنى الوطن وحب الوطن، وهنا تظهر رسالة الكاتب في أن فلسطين تحتاج إلى المثقف الواعي الذي يدافع بإخلاص عن بلاده ويزرع في الآخرين عشق الوطن.

وفق الكاتب في استخدام لغة بسيطة ومباشرة تعتمد على التصوير الواقعي المباشر للأشخاص والأحداث مما أضفى صفة الموضوعية على الرواية

ثانيا: الأسلوب التسجيلي الوثائقي:

يعتمد السارد على الأسلوب التسجيلي الوثائقي الذي يتخذ من تقنية التلفاز والرسائل والمقالات لتسجيل الأحداث والواقع، يقول السارد ص32:

(فأبصرنا ثورة الغضب في ملامح د. حيدر عبر شاشة التلفزيون من واشنطن وهو يقول: إن القدس الفلسطينية عاصمة وطننا ودولتنا المنشودة هي بوصلة الوجود الفلسطيني).

أبدع السارد في تسجيل خطاب د. حيدر عبد الشافي بأسلوب وثائقي وكأنه وضعنا أمام التلفزيون نشاهد خطاب د. حيدر.

في أنموذج آخر يقول السارد ص34:

(قبل قليل وقعت في يدي مقالة للمفكر الفلسطيني (إدوارد سعيد) صدمتني اسمع ما يقول: منظمة التحرير حولت نفسها من حركة تحرر وطني إلى ما يشبه حكومة بلدية صغيرة إنه قيادة منظمة التحرير مقابل دهاء إسرائيلي).

لجأ السارد إلى استخدام الأسلوب السرد الوثائقي لإضفاء صفة الواقعية على الرواية خاصة أن الرواية تتحدث عن أحداث ووقائع تاريخية تدعم فكر الكاتب وتؤيده.

وفي استخدام السارد للأسلوب التسجيلي الوثائقي استخدم الرسائل ومن ذلك ما جاء في رسالة غسان لأمه, غسان الذي قتل أخاه لوقوعه في وحل العمالة يقول السارد صص110:

(يا غاليتي فقدنا الحواس وشاخت أنفسنا نسينا شكل الأطفال والنساء يقولون الدجاجة نبتت لها قدم ثالثة هل هذا صحيح أرسلي لنا صورتها لتطمئن قلوبنا).

يعرض الكاتب حجم المعاناة والألم الذي يتعرض له الأسرى في سجون الاحتلال فقد تعرضوا لأقصى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي.

وفي مقطع آخر, جاء في رسالة والد شكري الرجل المناضل الذي التحق للمنظمة وتغرب عن وطنه وأرضه وأهله وعمل فدائيا مدافعا عن حقه, يقول السارد ص130:

(فوجدت في صندوق أمي رسائل قديمة أرسلها أبي ما جاء فيها “سلام عليك يا فاطمة يا سيدة الأحرار يا أجمل وأطيب نساء الكون حبيبتي زوجتي الغالية أم غسان ألف الحمد لله على سلامتك وصلني خبر إنجابك شمس التي ستنير حياتنا).

يبرز الكاتب المعاناة والتشتت والبعد عن الأهل والعائلة فمن من تغرب عن وطنه وبيته وأهله والتحق بالعمل العسكري ضمن المنظمة، مروا بحياة قاسية وظروف صعبة بعيدا عن الوطن والأهل وخذلان عربي أصابهم في الأردن ومن النظام السوري.

وفق الكاتب في توظيف الأسلوب التسجيلي الوثائقي من تلفزيون ورسائل ومقالات في سرده الروائي ليقنع القارئ أن ما يقدمه من أحداث وسرد ليس صوته كما يبعد عن نفسه النزعة الذاتية التي لم تظهر في الرواية، وبهذا يتسم السرد بالموضوعية.

ثالثا: أسلوب شهادة الشخصيات:

استخدم السارد أسلوب شهادة الشخصيات التي تقدمها الشخصيات عن الأحداث والمواقف التي حدثت أمام أعينهم حيث يترك السارد السرد للشخصيات الروائية التي مرت بالأحداث تعبر عن موقفها أو رأيها أو تسرد وتروي لنا الأحداث بلسانها وبشهادتها.

ترك السارد السرد للشخصيات الروائية ليسجلوا شهاداتهم على أحداث عاشوها فقد ترك السارد السرد للكفيف يوسف يسرد حدثا من أحداث النكبة حصل مع عائلة مسيحية في يافا كانت قد آوته وتكفلت برعايته يقول السارد ص57:

(كان بيتهم مرتع لجيرانهم اليهود قبل المسلمين لم تتخيل أنها ستعيش ليلة حالكة قاتلة وحشية تخرج ثعالبها لتفتك أرواح الأبرياء وهربت العائلة المسالمة من غرفة إلى غرفة يحتمون بالأثاث والجدران… علينا أن لا نخش خفافيش الليل حتما ستأتي الجيوش العربية وتنصرنا ضاع الكلام سحقه صوت الانفجارات اضطراب وقلوب تخفق سبحوا فوق الأرض يبحثون عن مكان آمن).

جسّد السارد شدة القلق والخوف وقسوة تلك الليلة التي لم تفرق بين مسلم ومسيحي, وصر لنا العلاقة الطيبة والمعاملة الحسنة من العائلة المسيحية لليهود وكيف قابلها اليهود بالقصف والقنابل, عبر السارد عن حدث من خلال شهادة شخصية يوسف على الحدث فجعل القارئ يستشعر الحدث وكأنه يحدث أمامه من خلال سرده على لسان شخصية عاشت ذلك الحدث.

وفي أنموذج آخر يصف السارد يافا على لسان يوسف يقول السارد ص58:

(تحرق يافا بقذائف الهاون تنسف المنازل والمباني على رؤوس ساكنيها, ترقص على جثث الأبرياء لتزرع الخوف في العامة).

قدم السارد وصف لمدينة يافا وهي تقصف وتدمر منازلها ويقتل سكانها، وهذا على لسان الشخصيات الروائية التي شهدت الأحداث ليضفي على الراوية صفة الواقعية والموضوعية.

سجل السارد المعاناة التي مر لها الفلسطينيون من الإدارة المصرية يقول السارد ص61:

(سحبتنا الإدارة المصرية للقنطرة الشمالية وضعنا في حجر صحي يسمى كرنتينا مقبرة عفنة رطبة غرفها كهوف جافة صيفا شديدة البرودة شتاء ممنوع الخروج من سجننا القسري إلا بتصريح, فرضت علينا إقامة جبرية أيام وشهور طويلة ونحن ننزف, عرقنا تجمدنا, تمددنا انكمشنا, شممنا روائح كريهة رجمنا بشتائم قبيحة).

جعل السارد السرد على يوسف مما جعل السرد أكثر واقعية وكأننا نعيش الحدث مع الشاهد على هذه الأحداث والمعاناة التي تعرض لها الفلسطينيون الذين هجّروا من بلادهم لينالوا كل أشكال الذل والإهانة على أيدي الإدارة المصرية وما كانت هذا المعاناة لتصل إلينا إلا بسرد من كان شاهدا عليها فيسرد لنا وكأنه كاميرا تسجيلية تعرض لنا ما حدث لهم في الكرنتينا.

لم ينته مسلسل المعاناة والقهر الذي تعرض له اللاجئون بدء من النكبة واغتصاب أرضهم وبيوتهم وفقد عائلاتهم ونزوحهم لدول أخرى نالوا فيها قسطا كبيرا من الإهانة والمعاناة ومنهم من عاش في المخيم يقول السارد ص72:

(حدثتني عن عائلات مهجرة فتحت لهم البيوت وزودتهم بكل ما لذ وطاب وعن ذئاب حاولت استغلال النساء اللاجئات وهي واحدة منهن وسردت لي قصص الرجال اللاجئين الذين ذاقوا ألوان العذاب ونزفوا عرقا وهم يعملون بالبيارات حتى امتصت دماؤهم وأهينت كرامتهم).

يعرض السارد على لسان يوسف ما حدّثته به أم صابر المرأة التي تحن عليه وتطعمه وتسقيه، معاناة اللاجئين والواقع المرير الذي مروا بهم بعد أن كانوا في بيوتهم وبياراتهم يعملون بعز وكرامة.

يعرض السارد لقضية الأسرى في سجون الاحتلال يقول ص109:

(تحاك ضدنا في صحراء النقب جرائم بشعة تفترسنا الطبيعة تلدغنا العقارب تستعبدنا الأمراض الجلدية).

صور السارد معاناة الأسرى الأبطال الذين يقضون زهرات شبابهم في السجون من أجل الدفاع والنضال ضد من احتل بلادهم وبين حجم الأذى الذي لحق بهم من إدارة سجون الاحتلال وذلك على لسان غسان الذي سجن في سجون الاحتلال بعد أن وقع في الأسر.

أبدع الكاتب بشكل كبير في استخدام أسلوب شهادة الشخصيات في تقديم الأحداث ما أضفى جانب الموضوعة والواقعية على الرواية.

ثانيا: المستوى الغير مباشر (اللغة الشعرية):

اللغة الشعرية الخروج عن المعنى المعلوم الواضح إلى معاني أخرى يقول د. عبد الرحيم حمدان (تعتمد اللغة الشعرية على التصوير الاستعاري واستخدام الألفاظ والرموز الموحية المتعددة الدلالات واللغة النابضة بالإيقاع والتلوين البياني والبديعي بقصد خلق الوظيفة الشعرية والجمالية واستغلال المفارقة الفنية بين زمن الأحداث وزمن السرد) ( ).

المتأمل في رواية صهيل مدينة يجدها تميل إلى الطابع الوصفي الذي يستعين بالمجازي الاستعاري إلى حدٍ ما، حيث نجد المجاز الاستعاري ماثلا في الرواية يقول السارد ص41:

(هبت عاصفت الموت أكلت الأخضر واليابس زخات النار تحصد الهواء المتحرك).

استخدم السارد المجاز الاستعاري والصور الاستعارية فقد شبه وحشية الاحتلال وبشاعته في القتل بالنار التي تأكل الأخضر واليابس، فقتلوا كل من استطاعوا قتله، وشبه الرصاص والقذائف بزخات المطر من كثرتها وكثرة مرات سقوطها على الفلسطينيين، هذه الصور الاستعارية كونت في مجلها صورة كلية توشحت بوشاح واحد وهو دموية ووحشية الاحتلال الاسرائيلي.

في أنموذج آخر يقول السارد ص144:

(أفك قيد أحلامي أهز قلبي بعنف لينبض سلاماً أنتظر أن يتساقط رطباً شهياً، كبدرٍ يكتمل تشرقين من بين الغيوم عصفورة تغرد حباً تحيي داخلي عشقاً معتقاً, أرقص هائماً بين الأفئدة المشرقة).

في هذا المقطع صورا استعارية كثيرة, فقد شبه السارد الأحلام بالسجين الذي يكون مقيدا, وشبه القلب بالنخيل الذي يهتز فيتساقط رطباً, كما شبه سوزان بالبدر الذي يشرق من بين الغيوم كعصفورة تغرد حبا وعشقا, هذه الصور في مجملها شكلت صورة كلية توشحت بوشاح الحب والشوق لحبيبته مطلقا العنان لأحلامه ينتظر الأمل القادم, كما اعتمد السارد على استخدام الفعل المضارع عشر مرات (أفك أهز ينبض أنتظر يتساقط يكتمل تشرقين تغرد تحيي أرقص) ليوحي بالنشاط والاستمرارية وإعطاء نفسه محاولات عديدة لينتفض من غبار الماضي ويتطلع للمستقبل.

 

بنى الكاتب الجمل التعبيرية في الرواية بناءً قائماً على الجمل القصيرة التي تتوافق مع الرؤية التي يريد أن ينقلها الكاتب إلى القارئ، يقول السارد ص34:

(استقبلني الدكتور وانكسار الكون في صوته، خرج حسون حزين ليتلو الوصية الأخيرة… خفت صوته.. المقدمات العظيمة، تجر وراءها خيبات، انتشرت رائحة جيفة أوسلو, خريف اغتصب ما تبقى لنا, أصاب صوته غصة وهو يشرح المهزلة).

عمد السارد إلى استخدام جمل قصيرة ذات دلالات موحية تتناسب مع الحال النفسي لدى دكتور حيد عبد الشافي من شعور بالانكسار والهزيمة وشعور بالإرهاق حيث بدا ذلك من صوته الخافت وقد أصابه غصة أن خفت الصوت والغصة التي أصابته دليل على عدم قدرة الدكتور حيد على الحديث لهذا استخدم السارد الجمل القصيرة التي تناغمت مع الحال النفسي لدى دكتور حيدر، حيث إن خفت الصوت والغصة التي أصابته لا يناسبها جمل طويلة.

في أنموذج آخر يقول السارد ص 36:

(تركت شكري وطفت بين الكتب لم أدر سر دموعي المنبعثة من ناظري سألت نفسي هل ستتكرر مأساتي).

لجأ السارد إلى استخدام جمل قصيرة لإحداث تناغم مع الشعور بالألم والحزن على شكري الذي ستتكرر مأساتها معه.

استخدم السارد الجمل القصيرة التي تثير الهمم وتشحذ المعنويات وهذا يتطلب جمل قصية لا طويلة يقول السارد ص69:

(كبر الوجع خرج الشعب من نومه الثقيل اشتعلت المخيمات والقرى والمدن انتفض المغيبون).

انتفاض الشعب واشتعال الثورة في المخيمات يناسبه الجمل القصيرة التي تزيد من الاصرار وإقناع الشعب ومخاطبة وجدانهم ومشاعرهم وهذا ما يحدثه استخدام الجمل القصيرة.

عبر السارد عن حال الحزن والأسى والألم الذي مر به الفلسطينيون يقول السارد 83:

(سيول الدم تواصلت جمعوا الشيوخ والأطفال في الساحة العامة عصبوا أعينهم امتصت البنادق رحيقهم حصدتهم الدبابات ساوتهم بالأرض مذابح مرعبة لن تموت).

عبر السارد عن كمية الوجع والألم الذي أصاب الفلسطينيون من قتل ومذابح جماعية للأطفال والشيوخ، تناغم قصر الجمل مع شعور الألم فلو استخدم جمل طويلة لتناسى هذا الشعور ولفقد بسبب إطالة الجمل، فقد ركز السارد على قصر الجمل ليتناسب مع أهمية الحدث وغرضه من إيصاله بسرعة للقارئ.

استفاد الكاتب من التشكيل الصوتي فقد اعتمد على أدوات التشكيل الصوتي لا سيما ما تكتنز به الحروف من قيم صوتية غنية خاصة أصوات الصاد والراء والخاء والقاف محدثة تناغماً إيقاعياً يعكس الحالة النفسية التي يريد التعبير عنها ونقلها إلى القارئ.

كثف السارد من حضور حرف الصاد يقول السارد ص36:

(جفاف امتص صباي رحل صوتي فمي مجرد آلة صامتة تتحرك بشكل عشوائي انفجرت بالصراخ صرخت وصرخت فاختنق صوتي ناديت شكري… واصلت الصراخ لم أسمع نفسي أصابني الصم).

عمد السارد إلى تكثيف حضور حرف الصاد ليبرز حال القلق والتوتر والاضطراب وهذا ما يتناغم مع الحال النفسي لفايزة, كما تناسب صوت الصاد مع الانفجار الذي بداخل الكاتب وغضبه على من احتل أرضه ووطنه ومن شرّد أهله وأصحاب الحق, كما عمد السارد إلى استخدام التكرار في تكرار حرف الصاد الذي يؤدي دوراً مهماً في الوصف والتصوير ويهدف هذا إلى كسر رتابة السرد كما ويضفي التكرار على النص جمالية عالية حيث وظف الكاتب تكرار صوت الصاد أحد عشر مرة حيث يهدف السارد للوصول إلى نفس القارئ والتأثير عليه وجذب انتباهه, اتكاء الكاتب على الإيقاع السريع من خلال استخدام الجمل القصيرة والتناغم الصوتي والتكرار ليعبر عن الحال النفسي الذي عاشته شخصيات الرواية وتتناغم مع شعورهم بالقلق والاضطراب.

ثالثا: خصائص لغة السرد:

1- غلبة الجمل الفعلية:

المتأمل لرواية صهيل مدينة يلمس كثرة الجمل الفعلية وغلبتها على الجمل الاسمية بشكل واضح, وفي هذا دلالة على أن السارد معني بسرد الأحداث بجزيئاتها الدقيقة ويعرضها من وجهة نظره, حيث توحي الجمل الفعلية بالتجدد والحيوية والنشاط والحركة وهذا ما يتناسب مع الأحداث ويجعل القارئ في حال جذب لانتباهه وتعطيه الشعور بالمتعة وهو يقرأ يقول السارد ص33:

(هذا هو الجندي الذي قتل واغتصب وشرد وخيرك بين أن تموت أو تبصق في بوجه رجل عجوز وقور).

عمد السارد إلى استخدام الأفعال الوحشية التي تتنافي مع قيم الإنسانية والتي يمارسها جنود الاحتلال، ويبرز صورة الاحتلال وجنوده الذين أقاموا أشنع الجرائم وأبشعها من قتل وتهجير للفلسطينيين، استخدام الأفعال بالحركة وتشكيل هيئة الحدث في ذهن القارئ وجعل الحدث متخيلا أمام ناظريه، من خلال استخدام الأفعال ذات دلالات موحية تزيد من الانفعال لدى القارئ.

ثمة أنموذج آخر يقول السارد ص41:

(ابتسمت ذبت توهج الجودي خجلت رغم أني خلقت لهذه اللحظة).

لجأ السارد إلى استخدام الأفعال لرسم حالة من الفرح والسرور على وجه فايزة, وبعث شعور يوحي بالتجدد والنشاط والحيوية, حيث تجعل الأفعال حال الفرح والسرور ماثلا في ذهن القارئ.

2- التكثيف الدلالي:

استفاد الكاتب من استخدام تقنية التكثيف الدلالي، حيث نجد هذه التقنية ماثلة في الرواية بشكل واضح حيث يركز السارد على اللغة الصادرة عن الشخصيات مع تكثيف دلالات اللغة والأحداث, المفترس لرواية صهيل مدينة يجد مقاطع كثيرة تعتمد على التكثيف والإيجاز دون الاهتمام بالتفصيلات والجزئيات الدقيقة, وهذا يؤكد قدرة الكاتب على استخدام اللغة والتكثيف الدلالي لها لتعطي مدلولا يتناسب مع الحدث الروائي يقول السارد ص51:

(غزة لمن لا يعرفها.. هي امرأة مشاغبة جدا جدا.. أنثى كونية شيدها الكنعانيون، خرجت حافية القدمين, لم تتزين يوما للغزاة, سيدة الجنون, تعشق المطر, أسقطت الألوان الفرعونية, الإغريقية, الرومانية, البيزنطية, العثمانية, تمردت على البريطانيين, وتحدت القوات الإسرائيلية, لم تحمل في بطنها مسخاً).

وظف الكاتب التكثيف الدلالي والوصفي في وصف غزة، فهي مشاغبة، شيدت منذ الحضارة الكنعانية، لم تخضع للغزاة وتمردت على أوجه الاحتلال والاستعمار، كما وظف السارد بالإضافة لتكثيف الصور الوصفية تكثيف استخدام الأفعال التي شكلت مشهد القوة والصمود والتمرد وعدم الخضوع للمحتل، كما عملت الأفعال على اظهار أهمية الحدث فقد استخدم الأفعال التالية (يعرفها شيدها خرجت تتزين تعشق أسقطت تمردت تحدت تحمل)

ثمة أنموذج آخر يقول السارد ص 99:

(انهرت سقطت أرضاً فقدت التركيز تهت ما بين مفردات أحلاها مر).

لجأ السارد اظهار أهمية الحدث من خلال تكثيف استخدام الأفعال التي تشكل مشهد السقوط وإلا لكان السقوط عاديا ولم يمثل في ذهن القارئ، لكن استخدم السارد اللغة المكثفة من الأفعال التي توحي بمعاني السقوط التي تجعل القارئ مشدوداً يشعر بأهمية الحدث.

أذكر نموذج آخر استفاد من خلاله السارد من التكثيف الدلالي في استخدامه للغة في تجسيد حال الحياة الصعبة والمعاناة التي مرت بها أم شكري، يقول السارد ص135:

(أمي امرأة الشموخ لا طاقة لي بصبرها، ذبلت هرمت شاخت وتبخر شذى عطرها).

جسد السارد حال أم شكري المرأة الصابرة التي لا أحد له بصبرها بصور توحي بالضعف والهزل وفقدان القوة وانقضاء ريعان الشباب من خلال قوله ذبلت ولم يكتف السارد بالذبول فأكد ذبول أم شكري بأنها هرمت بعد أن تمكن منها الإرهاق كبرت بالعمر ثم رسخ في ذهن القارئ ذلك بقوله شاخت، هنا تجسد للقارئ الحال الذ1ي تمر به أم شكري، ثم أكد تبخر شذى عطرها أي ضاع نسيمها وجمالها وعنفوانها، ورغم ذلك لا أحد له بصبر تلك المرأة الفولاذية.

أذكر أنموذج آخر يعبر الكاتب عن حال الفرح والسرور بخبر نجاة الرئيس ياسر عرفات بعد سقوط طائرته يقول السارد ص143:

(الرئيس حي يرزق, أنهار الناس تطوي الشوارع, بعثوا من العدم يكبرون يهللون يغنون يرقصون ويوزعون صواني الحلويات).

عبر السارد عن حال الفرح والسرور بنجاة الرئيس بعد سقوط طائرته في ليبيا, حيث وظف السارد الافعال الموحية بالفرح والسعادة التي تعبر عن الحال الانفعالي الذي عاشه الشعب الفلسطيني فرحا بنجاة رئيسهم.

3- الألوان:

وظف السارد عنصر اللون ودلالاته الغير مباشرة في التعبير عن رؤيته للواقع, اللون له خصائص انفعالية يستجيب لها البصر ويغذّيها الخيال فتثير المتلقين, حيث يتم التفاعل مع اللون ليس من خلال النظر وإنما من خلال التخيل, وهو وسيلة للتعبير عن المشاعر والأحاسيس والانفعالات الداخلية واللون “أحد أبرز العناصر الجمالية في الفنون إذ يشكل حضوراً واسعاً يمكن أن يغير مسار الشكل الإبداعي سلبا أو إيجاباً”( ).

1- اللون الأحمر:

يقول السارد ص59:

(اللون الأحمر هو سائل لزج مقرف يعني الدم الحريق العطش حرمانك من الأحباب نار تأكل أهلي مشاعر متناقضة انفعالات صادقة حب اشتياق حنين).

ربط السارد اللون الأحمر بالدم وتحريك الانفعالات المؤلمة التي أصابت أبناء الشعب الفلسطيني من قتل وحرق وشعور بالعطش وحرمان من الأحبة من الأهل والأقارب، كما ارتبط اللون الأحمر بانفعالات الحب والإثارة من حب واشتياق وحنين للوطن وللأهل، نستطيع القول هنا أن اللون الأحمر ارتبط بمدلولين هما:

– انفعالات أليمة قتل وحزن ومعاناة

– انفعالات صادقة حب وشوق وحنين

2- اللون الأبيض:

يوحي اللون الأبيض بالاتساع والامتداد، كما يرتبط في أغلب الأحيان بالجوانب الإيجابية كالوضوح والطهارة والنقاء يقول السارد ص66:

(الأبيض شيء لم أبصره يوما يسبح خارق واقعي غمامة تغلق ناظري التقيت به حين سردت أمي قصة جبينة ناصعة البياض حيث جسدت القصة في مخيلتي الجمال والمحبة.. أصبح الوهج الأبيض سر سعادتي).

يوحي اللون الأبيض بطهارة قلب يوسف ونقاء قلبه ووضوحه وفي هذا دلالة رمزية في يوسف للشعب الفلسطيني النقي الطاهر.

3-اللون الأسود:

يقول السارد ص 56:

(ماذا يعني اللون الأسود لإنسان كفيف لم يبصر يوما الألوان؟ الأسود… هو ألا تبصر شيئا وتشعر بالوحدة وتخشى المجهول، أن تشم رائحة شواء عائلتك محترقة وأنت تلقى في الجحيم فتسقط فوق عربة مهجرين فروا من أشباح ترقص وتهلل على جثث الأبرياء).

يشير اللون الأسود إلى الظلام والظلم وإلى الموت، وهذا ما حصل مع يوسف حياته ظلام دامس ففقد بصره وسار غلى المجهول وحده، لم يبصر شيئا لا عائلته ولا من تبناه وآواه ولكن أبصر الظلم الذي وقع عليه فقد صور لنا احتراق عائلته وسقوطه فوق عربة مهجرين فروا من الموت ليفر معهم، يوحي اللون الأسود بواقع القهر والظلم الذي وقع على أبناء الشعب الفلسطيني.

وفق الكاتب في تنويع خصائص السرد من استخدام الجمل الفعلية والتكثيف الدلالي والألوان ودلالاتها المباشرة والايحائية الجمالية، وقد أضفى هذا جمالية على الرواية وجعل منها رواية مليئة الحركة والحيوية والنشاط، كما تخلصت خصائص السرد من الكلمات الزائدة، فكان التكثيف الدلالي حاضرا وبقوة ولا يمكن الاستغناء عن أي كلمة من وصف المشهد أو الحدث، وهذا يعبر عن مدى إبداع الكاتب في انتقاء الكلمات التي إذا حذفت منها كلمة لا يصل المعنى مكتملا.

المصادر:

  • مصطفى النبيه، رواية صهيل مدينة، دار خطى للنشر والتوزيع، غزة، فلسطين, 2018, ط1.

المراجع:

1- عادل الأسطة، قضايا وظواهر نقدية في الرواية الفلسطينية، عكا، مؤسسة الأسوار,2002, ط1.

2- ماجدة حمود، النقد الأدبي الفلسطيني في الشتات، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، نيقوسيا, 1992, ط1.

3- آمنة يوسف، تقنيات السرد بين النظرية والتطبيق، دراسات/أدب، ط2, المؤسسة العربية للدراسات والنشر، اليمن, 2015.

4- عبد الرحيم حمدان، اللغة في تجليات الروح للكاتب محمد نصار، مجلة الجامعة الاسلامية سلسلة الدراسات الإنسانية، م16, ع2, 2008, غزة- فلسطين.

5- علي إسماعيل السامرائي، اللون ودلالاته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي, الأردن, دار غيداء, 2008, ط1, ص14.

 

قراءة /أحمد سليمان البسيوني

التصنيفات
محلي

الطارف والي الطارف بن عرعار حرفوش يشدد اللهجة على تطبيق الصارم للقوانين.

شدد والي ولاية الطارف بن عرعار حرفوش على ضرورة تكييف التدابير الصحية المتعلقة بنظام الوقاية من انتشار فيروس كورونا المستجد و التطبيق الصارم للقرارات التي تمنعت عن اجتماع بالهيئة التنفيذية للولاية لاسيما فيما يتعلق باجراءات الحجر الجزئي المنزلي .

كما دعا المسؤول الاول على جهاز التنفيذي بولاية الطارف في اجتماعه باعضاء اللجنة الولائية المكلفة بمتابعة تطور الوضعية الوبائية بفيروس كورونا إلى وجوب تشديد الإجراءات الردعية ضد المخالفين اجراءات الحجر الصحي و التدابير الوقائية و تفعيل عمليات تعقيم الشوارع و الاحياء السكنية ومختلف الفضاءات المستقطبة للجمهور مع تكثيف حملات التوعية و التحسيس عبر مختلف الوسائط الاعلامية المتاحة باشراك فعاليات المجتمع المدني مع اعادة بعض الهيئات التضامنية التي عرفتها الولاية في وقت سابق.

وفي حديث قصير لجريدة الوسيط المغاربي ذكر والي الولاية من حيث التطورات التي شهدتها الولاية في الاسابيع القليلة الماضية من مستجدات الوضعية الوبائية على مستوى الولاية التي عرفت منحى تصاعديا بالاضافة الى سير عمليات التلقيح التي عرفت اقبالا كبيرا واسعا مؤكدا لجريدة الوسيط المغاربي ان الوضع الراهن لا يبعث على الارتياح و يستدعي مزيد من الحيطة والحذر في ظل التراخي الكبير المسجل في تطبيق التدابير الوقائية و يتطلب الحزم و الصرامة و التجند لمحاربة كافة الظواهر التي تساعد على انتشار العدوى وسط سكان  بن عرعار حرفوش .

والي ولاية على تطبيق الصارم و اللا مشروط للقرارات المتخذة فيما يتعلق بالحجر المنزلي الجزئي وغلق جميع المرافق الرياضية و الفضاءات الترفيهية و الثقافية و الشبانية وجميع المحلات التجارية التي لا تحتلام البرتوكول الصحية المنصوص عليها هذا الاجتمالع فرصة لوضع القائمين على قطاع الصحة بالولاية امام خيار واحد بالوقوف و المتابعة عن قرب على جميع ما يجري داخل مستشفيات الولاية و الرفع القدرات الاستشفائية وطاقات الاستيعاب بالمؤسسات الصحية مع تفعيل نظام المتابعة المستمر لكافة المستلزمات الطبية و تجهيز الهياكل غير الصحية التي تم احصاؤها سابقا .

 تقيدة صالح و كريم جيهان