06 سبتمبر 1808 ميلاد مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الأمير عبد القادر الجزائري

06 سبتمبر 1808 ميلاد مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الأمير عبد القادر الجزائري

في مثل هذا اليوم من سنة 1808 ولد الأمير عبد القادر الجزائري, بن محي الدين الشريف صاحب الحس الإستراتيجي  والقائد العسكري الفحل ورجل الدولة المحنك، والبطل الوطني للمقاومة الجزائرية، والمفكر النبيل و الفارس الشاعر الملهم، والفيلسوف, صاحب الرسالة الفكرية الفلسفية ” ذكرى العاقل وتنبيه الغافل”, ذو النظرة  ذات الأبعاد المحلية الوطنية والقومية، المعروف بالشخصية القوية, مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة و أول من أرسى قواعد القانون الدولي الإنساني الحديث، وأول من بادر بتدوينه، لا سيما في مجال حماية أسرى الحرببعدما بني جيشه طبقا للمرجعية الدينية الإسلامية, ووفق المرسوم الذي أصدره في العام 1843 بخصوص القواعد التنظيمية لتعامل  قواته العسكرية  مع الاحتلال الاستعماري الاستيطاني الفرنسي للجزائر.

يحضرني كفرد من أسرة  الوسيط المغاربي  هذا المنبر الإعلامي الكبير والحر, الذي أصبح نافذة  على كل المحطات الثورية  الوطنية والقضايا العادلة في العالم, أنه في أمسية  3 أبريل 2006، افتتحت المفوضة السامية لحقوق الإنسان والمدير العام لمكتب الأمم المتحدة في جنيف رفقة السفير إدريس الجزائري وقتها,  المعرض المخصص للأمير عبد القادر الجزائري في قصر الأمم في جنيف.

وقد أشاد  خلال هذا المعرض المهم في التعريف برمز من رموز الدولة الجزائرية  وشخصية هامة في تاريخ الجزائر الحديث, مسؤولون أمميون بدور الأمير عبد القادر الريادي في مجال القانون الإنساني الدولي, وهذا في زمن الترويج لـ “صدام الحضارات“، وفي ظل تكاثر الحملات المتطرفة  التي تحاول  ضرب الإسلام وحضارته والنيل منه, كما  يذهب كثيرون إلى القول بأن تنظيم  المعرض من طرف بعثة الجزائر لدى الأمم المتحدة في الذي يدور حول خصال الأمير عبد القادر الجزائري ودوره  “كرائد في مجال القانون الإنساني”، يعتبر “خطوة جيدة تأتي في الوقت المناسب” ورسالة لها أكثر من دلالة, تزيد بعدا إنسانيا و تاريخيا وحضاريا لهذه الشخصية الجزائرية الفذة.

وقد قال السفير ا الجزائري في جنيف آنذاك  السيد إدريس الجزائري خلال افتتاح هذا الملتقى ،أمام  شخصيات هامة من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وممثلي البعثات المختلفة  بأن “الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة قام بوضع أسس القانون الإنساني الدولي منذ العام 1837 وهذا حتى قبل ظهور أفكار هنري دينون مؤسس حركة الصليب الأحمر، بل حتى قبل إبرام معاهدة جنيف التي لم تكتمل إلا في العام 1864″.

للعلم أن الأمير عبد القادر رحمه الله  يشهد له التاريخ,  أنه قد عمل أثناء معاركه ضد العدو  الفرنسي ، على سن وتطبيق العديد من القوانين حول كيفية معاملة الأسرى والمعتقلين من جيش العدو، ومن ذلك:

“اعتبار أن أي فرنسي يتم أسره في المعارك يجب ان يعتبر أسير حرب، وأن يعامل كذلك إلى أن تتاح فرصة تبادله مقابل أسير جزائري” ، كما “حرم تحريما قاطعا قتل أسير مجرد من السلاح”، وأن “أي عربي يقدم أسيرا فرنسيا يحصل على مكافأة قدرها 8 دورو”

وقد استشهد السفير الجزائري في خطابه خلال هذا الملتقى ، بما جرى في عام 1841 من تبادل بين الأمير عبدالقادر وأسقف الجزائر ديبوش عندما طلب هذا الأخير من الأمير إطلاق سراح أحد السجناء.

فقد رد عليه الأمير عبدالقادر بقوله : “لقد كان أجدى بك، بوصفك عبد الإله وصديق الإنسان ليس فقط أن تطلب مني إطلاق سراح أسير واحد بل أن أطلق سراح كل الأسرى المسيحيين“، وأضاف مستشهدا بما جاء في إنجيل العهد الجديد “عامل الآخرين بمثل ما تريد أن تعامل به“، موضحا في الأخير “قد يكون الأسقف قد أدى مهمته على أحسن وجه … لو قام بجميل من هذا القبيل … لصالح عدد مماثل من الأسرى المسلمين القابعين في السجون الفرنسية“. وقد تمخض عن هذه المراسلات التي جرت بين الرجلين عام 1841 عملية تبادل شهيرة للأسرى بين الجيشين في مكان يسمى سيدي خليفة.

لقد كان الأمير عبد القادر محترما من قبل العدو قبل الصديق وهذا بسبب إنسانيته  ، وذلك بشهادة الكونت دو سيفي، احد دعاة الاستعمار الفرنسي للجزائر، الذي ذكر في كتابه “نابليون  والأمير عبد القادر” كيف أن “أعدادا من الأسرى الفرنسيين القدامى الذين تلقوا علاجا من قبل الأمير، كانوا يأتون من مناطق نائية في اتجاه قصر “بو” وقصر “أمبواز” حيث كان الأمير معتقلا، لتحية من كان المنتصر بالأمس“.

وأثناء إقامة الأمير عبد القادر في منفاه في سوريا، عمل الأمير عبد القادر، باعتراف العديد من قادة تلك الفترة على إنقاذ حوالي 12000 مسيحي ويهودي احتموا بالأمير من غضب جماعات ثائرة. وهو ما دفع العديد من ملوك وقادة تلك الفترة ورجالات الدين إلى منح الأمير أوسمة شرف عرفانا لإنقاذ أرواح عدد من رعاياهم بمن فيهم قناصلة روسيا وفرنسا واليونان وأمريكا.

كما تربط الأمير عبد القادر أيضا علاقة بالرئيس الأميركي الأسبق أبراهام لنكولن، الذي أهدى للأمير مسدسين، تكريما له على حمايته مسيحيين في سوريا، ولا يزال المسدسان معروضان إلى اليوم في متحف المجاهد في الجزائر العاصمة.

من هو الأمير عبد القادر

ولد الأمير عبد القادر في 6 سبتمبر عام 1808 بالقرب من مدينة  معسكر, تنتسب عائلته إلى الأدارسة الذين يمتد نسبهم لنبي الإسلام وكانوا حكاما في المغرب العربي والأندلس، وكان والده محي الدين شيخا للطريقة القادرية في الجزائر.

في عام 1823 خرج والده للحج واصحب عبد القادر معه والذي تعلم الكثير خلال تلك الرحلة التي استغرقت عامين.

وبعد عودته تفرغ عبد القادر للقراءة والتأمل وفي عام 1830 تعرضت الجزائر للاحتلال الفرنسي وبدأ الجزائريون رحلة الكفاح ضد المستعمر.

وعقب مبايعة الجزائريين له عام 1832 اتخذ عبد القادر من مدينة  معسكر عاصمة له وبدأ في تكوين الجيش والدولة وحقق انتصارات ضد الفرنسيين.

أدت انتصارات عبد القادر إلى إجبار الفرنسيين على إبرام هدنة معه فكانت اتفاقية تافنة عام 1838 التي اعترفت فيها فرنسا بسيادته على غرب ووسط الجزائر.

شرع الأمير عبد القادر بعد هذه الاتفاقية في تشكيل حكومته وتنظيم الدولة ومكافحة الفساد.

لكن  من جهة أخرى كانت تلك الاتفاقية  فرصة لفرنسا لالتقاط الأنفاس لتواصل بعد ذلك القتال ضد قوات الأمير عبد القادر ومع وصول الإمدادات من فرنسا سقطت معاقله واحدا تلو الآخر.

وبعد مقاومة مريرة  ومتواصلة اضطر الأمير عبد القادر وأنصاره للاستسلام للقوات الفرنسية عام 1847 بشرط السماح بانتقاله إلى الإسكندرية أو عكا، ولكن تم نقله إلى فرنسا وسجنه هناك.

ولكن رئيس الجمهورية الفرنسية لويس نابليون قرر لاحقا إطلاق سراحه فسافر إلى تركيا عام 1852 ومنها إلى دمشق عام 1855.

وفي عام 1860 وقعت فتنة طائفية في الشام بين الدروز والموارنة وقد لعب الأمير عبد القادر دورا بارزا في احتواء الأزمة والتوسط بين الطرفين.

عرف عن الأمير عبد القادر بالموسوعة الثقافية فقد كان فقيها و قارئا نهما وشاعرا وكاتبا ودبلوماسيا وذو نزعة صوفية.

في 24 ماي 1883 توفي الأمير عبد القادر في قصره قرب دمشق عن عمر يناهز 76 عاماً، ودفن بجوار الشيخ ابن عربي، تنفيذاً لوصيته، وفي عام 1965 نقل جثمانه إلى الجزائر ودفن في المقبرة العليا. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

 

بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: