ولادة الفكر الفلسفي اليهودي

ولادة الفكر الفلسفي اليهودي
بالعودة الى التشريح الفكري نجد أن اليهودية كديانة لم تعتمد على العقل في تفسير الكون ومحدثاته القانونية، ولا تمتلك التوراه مذهبا فلسفيا عقليا ماديا أو ميتافيزيقيا (مثالي) حيث اعتمدت اليهودية وكتابها التوراه (العهد القديم) على البعد الديني الخالي تماما من شرارات العقل والذي استطاع نشر الديانة اليهودية عالميا من خلال الاعتماد على معرفة الله  وأن الوحي لبني اسرائيل فقط ومعرفته قاصرة عليهم من دون الأمم الأخرى (الغويم) اللذين خلقهم الله عبيدا لهم انطلاقا من هذه المقولات الدينية نجد أن اليهود ليسوا بحاجة للفكر الفلسفي أو التأمل العقلي لأن غريزتهم الباطنية أنارت بصائرهم وأمدت أرواحهم بوسائل روحية (متعالية على العقل وقدراته) فالعقل عندهم عاجز حتى عن معرفة نفسه وقوانين وجوده الداخلية والخارجية (قاصر لم يصل الى سن الرشد المعرفي) لذا أعلوا من قدرات الاحساسات الداخلية التي لا يستطيع معرفتها الا صاحبها فقط، لذلك نجد حكمائهم الاوائل يبتعدون عن المباحث الفلسفية في سر الوجود وأصله، أو البحث في أصل الخير والشر أو طبيعة النفس لأنها تتعالى في جوهرها عن البرهنة الانسانية وعن امكانيات العقل المحدودة أما الجانب الأخلاقي عندهم فقد أخضع كليا الى فكرة الإيمان المطلق بهذا الإله العبري الذي يحارب عنهم ويزعل لزعلهم ويبكي لبكائهم ويضحك لضحكهم، إنه إله شعب الله المختار الذي اختير طليعة وسيدا على العالم (الغويم)، بكلام آخر أؤكد أن التراث العبري-والتراث الاسرائيلي-والتراث الموسوي، خالٍ تماما من التأمل العقلب الخالص بعد أن نجح بتكبيل العقل بسلاسل غيبية ورميه في زنازين روحية، وحارب التراث العقلي اليوناني (السقراطية) والتراث الهندي (البوذية) والتراث الصيني (الكنفوشوسية) ولم يقدم مذهبا فلسفيا، بل قدم مذهبا دينيا أبديا، علما أننا لو عدنا للتراث العبري القديم لوجدناه يحتوي على شذرات فلسفية عالجت بعض المسائل الوجودية المطلقة كعلاقة الانسان بالوجود وأصل الخير والشر ووحدة الوجود المطلق حيث ناقش البعض من علماء اللاهوت اليهود كأفلوطين الذي لا يمكن أن يفيض عنه أي شر لأن الشر لم يوجد أصلا في الخلق وأنه دخل الى العالم في لحظة استثنائية، لحظة دخول العقل في صراعه الأزلي مع المادة وقوانينها وأنماط وجودها-صراع العنصر المثالي في العقل مع العنصر المادي له- ومن رحم هذا الصدام وهذا الصراع ولد الشر ، نادى الحكماء العبرانيون الأوئل بضرورة استخدام الإنسان حريته وأفعاله خدمة للخير الأسمى (الله) بعد انتصار العقل على المادة لأن هذا الانتصار يشكل رافعة له نحو السماء ونحو عالم الملائكة أما في لحظة هزيمة العقل وانتصار المادة فإن الإنسان يتدنى الى مرتبة الحيوان ويصبح هذا عملا من أعمال الشر وهذا الفكر والمنطلق يذكرنا حقيقة بصراع الأنا عند فرويد وهي تصارع غرائزها وتسمو بعقلها لأن الإنسان بنظر فرويد يمر بثلاث مراحل -طفولة، شباب، شيخوخة- وكلنا يدرك صراع الغريزة مع العقل في مرحلة ما قبل الرشد وكيف أن الإنسان يبني شخصيته ويحاول من خلال انتصار عقله أن يسمو الى عالم الملائكة مطلقا عالم المادة والغرائز واسحواذاتها الفانية .

‏صالح الشقباوي‎

%d مدونون معجبون بهذه: