وقفات في “محطات لاذعة” .

وقفات في "محطات لاذعة"

يقع ديوان ” محطات لاذعة ” في 103 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن إهداءً وتقديماً، ثم 28 نصاً شعرياً نثرياً. يدور 27 نصاً منها حول حوارات مع الروح والنفس والبوح، فهي قصائد غنائية رومانسية إلى أبعد الحدود، وهناك نص واحد بعنوان ” ما بين هيكلهم وزيتوننا” يتحدث عن صراع الفلسطيني من أجل الحفاظ على أرضه والتشبث بها.

وعند التلقي، وذرع الديوان، والسفر خلاله، فإنك بالضرورة ستقف في هذه المحطات، وما وظيفة المحطات إلا للوقوف بها عند البدء بالسفر أو عند الانتهاء منه، إلا أن محطات الديوان تدعوك إلى توقف المتأمل، وتحث فضولك للرصد والتعمق، ومن ثَمَّ التوثيق من أجل التحليل، وبناء النص الموازي لهذه المحطات.

نعم، إن المحطات هي اللافتة الأولى التي تستنهض دافعيتك للقراءة، إنها العنوان، “محطات لاذعة” عنوان من لفظتين اثنتين، شكلتا جملة إسمية حذف اسمها أو خبرها، وبقي النعت ملازماً للمنعوت، فالمحطات لاذعة، صادمة، موجعة، أو مفاجئة لوعي المتلقي على الأقل، إنها عتبة الديوان، عنوان طريف وهو بتآلف اللفظين بعضهما إلى بعض غير مستهلك، ويثير فضول القارئ، ويفتح أمامه بوابة شهية للقراءة، ليحمل حقيبته ويجمع ما تمكن من ظواهر أسلوبية برزت بوعي من الشاعرة أو دون وعيها لتشكيل المحطات وإكمال السفر.

وعندما تتخطى عتبة المحطات، فإنك ستلتقي بنصوص تنسلخ من جلدها التقليدي وتتجدد، وهنا تكون الأسئلة: ما الجديد؟ وما المستجد في هذه النصوص؟ وهل استطاعت الشاعرة في محطاتها لأن تصل مرحلة التجاوز والتخطي عن النصوص التقليدية؟ أسئلة مبررة يمليها علينا طبيعة الدرس والتأمل والتحليل.

أول ما يثير المتلقي في الديوان، ويشده، ويجذبه هو اللغة التي شكلت هذا الديوان، ولا أقصد باللغة ألفاظها، بل أعني تآلف هذه الألفاظ وشد بعضها إلى رقاب بعض، بطريقة أسلوبية غير تقليدية، جعلت من العبارات تنزاح بقوة عن معانيها، لتجري في مصبات أخرى، كما زادت فيها الطاقة اللغوية الفاعلة، الحمالة للرؤية والفكر والرسالة، وهذه القوة والطاقة دفعا اللغة لتصبح لغة متمردة على المواضعات اللغوية التقليدية، والفسحات البلاغية التكرارية، نعم، لقد ثارت اللغة على التقليد، وخلقت تقاليد جديدة، كما أنها انزاحت عن مفهوم الانزياح التقليدي، وأتت بما يدهشنا ويطربنا ويخلق لنا عالماً جديداً من التأمل… في الوقت الذي عبرت فيه الشاعرة عن أناها بدقة… وعن تجليات هذه الأنا في السياقات المنوعة…

” من يشفق على ذبيح روح… تعلق بمشنقة شعرك المنسدل… على وجهه مذ أمد العشق… وقع في فخ عينيك…” تمردت دلالة الذبيح على الفدا… التضحية… النذر، وتعلقت بالروح بانزياحية انثالت من آفاق لغوية جديدة تشي بالطرافة والولادة الجديدة… يليه انزياح ثائر آخر يشي بالتمرد، ذبيح الروح يتعلق بمشنقة شعرك… ويليه آخر… على وجهه مذ أمد العشق… لاحظ تركب الصورة التي بدأت من بسيطة وكيف تآلفت مع غيرها بوساطة اللغة، وأضحت لوحة فنية لافتة… تشد البصر والبصيرة والوعي والوجدان… ومن السهل أيضاً تتبع توالي هذه الشينات الجميلة في( يشفق، مشنقة، شعرك، العشق)… ص18

وتتبع توالي الحروف الصفيرية في السين والصاد ص22 :

“ما بين سهوتي وقسوتي… يا سري الصغير الهارب… من قفصي الصدري”… وهذا التوالي سواء أكان بوعي أم دونه (وهو الأرجح) يشكل الفواصل الموسيقية الداخلية، إضافة إلى دوره في آلية التمرد اللغوي، والتفلت من الانزياح اللغوي التقليدي… وأكاد أجزم أن مكونات النصوص اللغوية كلها في الديوان انبنت على هذه الآلية، وشكلت آلية في تجديد معمارية النص، والخروج به من تقريريته إلى مجالات تصويرية مبتكرة…

إن الاتكاء على آلية التمرد اللغوية، مكنت من بناء صورة مبتكرة تولدت في رحم التوتر والتشظي، فاستحالت المعاني الواضحة المكشوفة، إلى دلالات ما أن تمسكها بقبضتك حتى تتفلت من بين أصابعك، مغلفة بغلالات رمزية رقيقة، تجعل المتلقي يتحرك وجدانياً وجسدياً تبعاً لها. وإليك هذا المثال، ولاحظ توالي السينات في أسطره” ترتجف أرضك السرية… وتنكس السماء غيومها… وتسقط حمم عارك الثلجي… فلا مطر في حضرة الألم” ص 57 فاللوحة متشحة بالعار، والألم… فالأرض ترتجف… والسماء ترقب الارتجاف وتنكس غيومها وهي المعادل الفني لأعلامها… ولا شك أن المتلقي يتأثر بهذه الصور الاستعارية، وهذه الدلالات التي تشير إلى أحداث عظيمة… ترتجف لها القلوب كما الأرض… ولم تكن هذه الصور تتشكل إلا بتوتر الألفاظ وتشظيها، فتصبح بمثابة مرآة مهشمة تري الصورة بوضوح الشعر، وفوضوية الواقع ” كم مرة غمرتك صورتي… المتشنجة في ظلك… ويحل الغروب الأخير… لأودع ضياعي منك بتراشق الجفون ” ص 40 صورة انبثقت من مرآة الظل… صورة متشنجة غير واضحة… ويزيد تشنجها وغرابتها في لحظات الوداع في الغروب الأخير… فيرتجف بطل الحكاية… وترتجف جفونه… بكاءً… ألماً… دموعاً… وتبعاً لذلك يرتجف المتلقي…

وقد ظهرت هذه الصور بشكل لافت في النص الذي وسم به الديوان ” محطات لاذعة” الذي احتوى محطات ثلاث ص93… في المحطة الأولى يظهر التشوه… والحزن… وتمتمة الرموش… ” تشوهت أجسادنا… بين فراغات روح تسحقنا… ومقبرة كبيرة… ممتدة على طول مسامات الحزن… وتجيد القراءة بتمتمة الرموش”

ومن لحم التشوه، وعظام الروح المسحوقة، والحزن في دروب المقابر… يظهر التشرد في صورة ضياعٍ لامتناهٍ في المحطة الثانية ص94 :

“تلهو بنا أرصفة الضياع كمشردين… نحن أبناء الوسط المكتظ بالوجع… أيتام الشهقة الأولى… ملمس أيدينا تلطخ بالمآسي… التي ولدت قبلنا…”

إنها محطة “الاغتراب” محطة تنكر ال حياة لموجوداتها، محطة الوجع الذي يتولد في رحمه وجع يتجدد… مآسينا خلقت لتتناسل وتتكاثر كما الجراد… تأكل لحمنا وتسحق عظمنا… والاغتراب يحول الأنا/ نحن إلى أدوات يائسة، ومخلوقات لا تحمل في ثناياها غير الحزن، والحنين لماض يائس… وأسى لا ينسى، وهذا ما نراه في المرآة الثالثة/ المحطة الثالثة ” ثمة ذاكرة مفخخة بالحنين، فرغت حمولتها على هضاب الشوق… ثمة غصّات أخطرت قلوبنا بالذرف الأخير… ثمة جروح تنتشي بها أجسادنا… ثمة جنون أخرق مزق أمنياتنا… وثمة أحزان… لا تزيلها كل مساحيق الفرح المستعار” ص96 ياه! مجرم هذا الاغتراب الملون بدم الجروح النازفة… وغصات سحقت القلوب والأرواح… وجنون مزق الأمنيات وحطم الطموحات… واستحالت الحياة حزناً باقياً راسخاً… حتى مواسم الفرح فيها تحولت إلى مساحيق كاذبة… سهلة الإزالة…

في ص 82 ” سألوني عن وطني… عن جرحي الغائر… في تخوم الجبال والساحل… قبل أن تشيخ روحي… وينعاني ترحالي… ” في ص 74 ” ربما تهشمت ذاكرتي… مذ آخر مرة ضحكت فيها… قبل أن ينعتني البؤس… ” في ص 29 ” فقط أخبرني … كيف يثيرك غيابي… وأنا التي أبعث فيك مرتين… أخبرني بالهمس… “

إنها الذات الشاعرة، الذات المنكسرة، الذات البائسة… هي التي تغني برومانسية غنائية واضحة… السؤال الذي تبرر طرحه هذه الأسطر: هل تعبر (الأنا) هنا عن فردانية مطلقة… أم هي تعكس أنات أخرى وتظهر بصورة جمعية… وعند التأمل في قصائد الديوان نلحظ أن هذه (الأنا) تمثل (النحن)… وتظهر نصوص الديوان كأنها بوتقة تتفاعل فيها بطولة (الأنا)، لتكون المخرجات هي (النحن)… بتجلياتها وتمظهراتها البائسة المهشمة… ويبرز هذا الضمير الجمعي في نص محطات لاذعة ” تشوقت أجسادنا… روح تسحقنا… تطمر أعمارنا… ” ص93 كما يظهر ضميرا نحن/ هم في قصيدة ” ما بين هيكلهم وزيتوننا” ص54 ” اصطفت إلى جانبنا الثورات… مهما وشاهم الغرور… طغى الكفر في دمائهم…” وعند التأمل نجد أن الشاعرة واءمت في توظيف الضمائر بما يناسب سياقات النصوص… ففي رومانسيتها ووصف تجربتها ظهرت (الأنا) وربما نادت وقالت (يا أنت) وعند مخرجات التفاعل في بوتقة المحيط، ظهرت نحن… وفي الثنائيات التي تبرز الصراع والنضال من أجل التحرر، كان لا بد من توظيف ضميري الرفع المنفصل (نحن وهم).

وفي تلاقح العمل مع نصوص أخرى، تنكشف أمام المتلقي أنواعاً من التناص، التي تدلل على التوسع الثقافي، والثراء في امتداد الرسالة الشعرية، ومن التناص:

التناص الأسطوري: حيث وظفت الشاعرة “عشتار”، إلهة الجمال والحب والحرب في بلاد الرافدين… وظفت لتحمل هذه المعاني والثنائيات: الحب والحرب… الجمال والتضحية… ص16

التناص الديني: ” وأنا التي ضربت بعصا صبري صبرك… لتفيض ينابيع عشقك الخلاب” ص14… اشتقت من الآية الكريمة ” فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً” البقرة: 60. – ” حوراء مشتهاة من نهر الجنون… خلقت تلك العامرة بالعشق من ضلعك” ص20 إشارة لخلق أمنا حواء من أبينا آدم عليهما السلام…

” جاء الخريف متثاقلاً كعادته… يلتقطني… من جب الحيرة الكافرة ” ص34 تناصت مع إلقاء سيدنا يوسف عليه السلام في غيابة الجب…

” تهجدت أحلامنا في ليل” ص54 تناص مع التهجد، الصلاة في الليل. وفي الصفحة نفسها ” أيتها الأرض… تحملي قليلاً… تجلّدي بالتين والزيتون ” إشارة إلى ” والتين والزيتون وطور سينين” .

ويمكننا في هذا السياق التأملي، بيان تكرار بعض الألفاظ، ومن ثم دراسة الدلالات التي تفيدها هذه التكرارات، مثل: لفظة الدهشة:

ص 46: ولم يذرف من الحب إلا الدهشة.

ص 89: وفي صحراء العشق الدامس… تعثرت أصابع دهشتي…

ص93: وفي قبر مبهرج بالدهشة…

ص99: هنا التصقت عيون الدهشة بالمكان…

ص101: تساقطت من قوامها تفاصيل الدهشة…

وفي المقاربة الدلالية نستطيع القول إن الدهشة هي حالة تستوطن الجمال والكمال… وتتسم بالإيجابية، وعند تعاطيها مع معاني البؤس والحرمان، سرعان ما تستحيل إلى العكس، وتتجسد لتكون حاملة للسلب.

بقي القول أنه تم رصد حالتين ارتبط الفعل فيهما ب( أل التعريف) حيث عادة ما يتم الارتباط بين (أل) والاسم… وليس الفعل…

ففي ص 75 ” وأضعت خواتم جدتي وخلخالها… الصدأت خرزاته “

وفي ص 84 “وأومضت لروحي… بساتين الوهج البزغت من ثغرك “

وفي كلتا الحالتين أتت (أل التعريف) بديلاً عن الاسم الموصول (التي)، وكأنها اختصار لها… مع احتمال أن ورودها بهذه الصيغة يثير الدهشة، ويدعو إلى التنبه أيضاً…

خلاصة:

هذه ترحالية سريعة في ديوان ” محطات لاذعة ” للشاعرة منال دراغمة، ولا أزعم أن هذه الوقفات في المحطات، قد قدمت كل ما يمكن الإضاءة عليه في هذه المحطات، فقد شكل الديوان نظاماً من عوالم كثيرة، ولكل عالم عناصره… وهذه العناصر تستحق الوقوف عليها بالمنهج الوصفي التحليلي، والأسلوب النقدي التأملي، أرى ذلك لأنني استطعت أن أميز علامات فارقة لهذا الديوان، في مجال التجديد، سواء أكان ذلك في المبنى، أم المعنى، أم في التشكل النهائي لمعمارية النص… أهنىء الشاعرة منال دراغمة على هذه الجهود الشاعرية… وأتمنى لها مزيداً من التألق… والتحليق عالياً في فضاء الشعر والأدب…

يقع ديوان ” محطات لاذعة ” في 103 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن إهداءً وتقديماً، ثم 28 نصاً شعرياً نثرياً. يدور 27 نصاً منها حول حوارات مع الروح والنفس والبوح، فهي قصائد غنائية رومانسية إلى أبعد الحدود، وهناك نص واحد بعنوان ” ما بين هيكلهم وزيتوننا” يتحدث عن صراع الفلسطيني من أجل الحفاظ على أرضه والتشبث بها.

وعند التلقي، وذرع الديوان، والسفر خلاله، فإنك بالضرورة ستقف في هذه المحطات، وما وظيفة المحطات إلا للوقوف بها عند البدء بالسفر أو عند الانتهاء منه، إلا أن محطات الديوان تدعوك إلى توقف المتأمل، وتحث فضولك للرصد والتعمق، ومن ثَمَّ التوثيق من أجل التحليل، وبناء النص الموازي لهذه المحطات.

نعم، إن المحطات هي اللافتة الأولى التي تستنهض دافعيتك للقراءة، إنها العنوان، “محطات لاذعة” عنوان من لفظتين اثنتين، شكلتا جملة إسمية حذف اسمها أو خبرها، وبقي النعت ملازماً للمنعوت، فالمحطات لاذعة، صادمة، موجعة، أو مفاجئة لوعي المتلقي على الأقل، إنها عتبة الديوان، عنوان طريف وهو بتآلف اللفظين بعضهما إلى بعض غير مستهلك، ويثير فضول القارئ، ويفتح أمامه بوابة شهية للقراءة، ليحمل حقيبته ويجمع ما تمكن من ظواهر أسلوبية برزت بوعي من الشاعرة أو دون وعيها لتشكيل المحطات وإكمال السفر.

وعندما تتخطى عتبة المحطات، فإنك ستلتقي بنصوص تنسلخ من جلدها التقليدي وتتجدد، وهنا تكون الأسئلة: ما الجديد؟ وما المستجد في هذه النصوص؟ وهل استطاعت الشاعرة في محطاتها لأن تصل مرحلة التجاوز والتخطي عن النصوص التقليدية؟ أسئلة مبررة يمليها علينا طبيعة الدرس والتأمل والتحليل.

أول ما يثير المتلقي في الديوان، ويشده، ويجذبه هو اللغة التي شكلت هذا الديوان، ولا أقصد باللغة ألفاظها، بل أعني تآلف هذه الألفاظ وشد بعضها إلى رقاب بعض، بطريقة أسلوبية غير تقليدية، جعلت من العبارات تنزاح بقوة عن معانيها، لتجري في مصبات أخرى، كما زادت فيها الطاقة اللغوية الفاعلة، الحمالة للرؤية والفكر والرسالة، وهذه القوة والطاقة دفعا اللغة لتصبح لغة متمردة على المواضعات اللغوية التقليدية، والفسحات البلاغية التكرارية، نعم، لقد ثارت اللغة على التقليد، وخلقت تقاليد جديدة، كما أنها انزاحت عن مفهوم الانزياح التقليدي، وأتت بما يدهشنا ويطربنا ويخلق لنا عالماً جديداً من التأمل… في الوقت الذي عبرت فيه الشاعرة عن أناها بدقة… وعن تجليات هذه الأنا في السياقات المنوعة…

” من يشفق على ذبيح روح… تعلق بمشنقة شعرك المنسدل… على وجهه مذ أمد العشق… وقع في فخ عينيك…” تمردت دلالة الذبيح على الفدا… التضحية… النذر، وتعلقت بالروح بانزياحية انثالت من آفاق لغوية جديدة تشي بالطرافة والولادة الجديدة… يليه انزياح ثائر آخر يشي بالتمرد، ذبيح الروح يتعلق بمشنقة شعرك… ويليه آخر… على وجهه مذ أمد العشق… لاحظ تركب الصورة التي بدأت من بسيطة وكيف تآلفت مع غيرها بوساطة اللغة، وأضحت لوحة فنية لافتة… تشد البصر والبصيرة والوعي والوجدان… ومن السهل أيضاً تتبع توالي هذه الشينات الجميلة في( يشفق، مشنقة، شعرك، العشق)… ص18

وتتبع توالي الحروف الصفيرية في السين والصاد ص22 :

“ما بين سهوتي وقسوتي… يا سري الصغير الهارب… من قفصي الصدري”… وهذا التوالي سواء أكان بوعي أم دونه (وهو الأرجح) يشكل الفواصل الموسيقية الداخلية، إضافة إلى دوره في آلية التمرد اللغوي، والتفلت من الانزياح اللغوي التقليدي… وأكاد أجزم أن مكونات النصوص اللغوية كلها في الديوان انبنت على هذه الآلية، وشكلت آلية في تجديد معمارية النص، والخروج به من تقريريته إلى مجالات تصويرية مبتكرة…

إن الاتكاء على آلية التمرد اللغوية، مكنت من بناء صورة مبتكرة تولدت في رحم التوتر والتشظي، فاستحالت المعاني الواضحة المكشوفة، إلى دلالات ما أن تمسكها بقبضتك حتى تتفلت من بين أصابعك، مغلفة بغلالات رمزية رقيقة، تجعل المتلقي يتحرك وجدانياً وجسدياً تبعاً لها. وإليك هذا المثال، ولاحظ توالي السينات في أسطره” ترتجف أرضك السرية… وتنكس السماء غيومها… وتسقط حمم عارك الثلجي… فلا مطر في حضرة الألم” ص 57 فاللوحة متشحة بالعار، والألم… فالأرض ترتجف… والسماء ترقب الارتجاف وتنكس غيومها وهي المعادل الفني لأعلامها… ولا شك أن المتلقي يتأثر بهذه الصور الاستعارية، وهذه الدلالات التي تشير إلى أحداث عظيمة… ترتجف لها القلوب كما الأرض… ولم تكن هذه الصور تتشكل إلا بتوتر الألفاظ وتشظيها، فتصبح بمثابة مرآة مهشمة تري الصورة بوضوح الشعر، وفوضوية الواقع ” كم مرة غمرتك صورتي… المتشنجة في ظلك… ويحل الغروب الأخير… لأودع ضياعي منك بتراشق الجفون ” ص 40 صورة انبثقت من مرآة الظل… صورة متشنجة غير واضحة… ويزيد تشنجها وغرابتها في لحظات الوداع في الغروب الأخير… فيرتجف بطل الحكاية… وترتجف جفونه… بكاءً… ألماً… دموعاً… وتبعاً لذلك يرتجف المتلقي…

وقد ظهرت هذه الصور بشكل لافت في النص الذي وسم به الديوان ” محطات لاذعة” الذي احتوى محطات ثلاث ص93… في المحطة الأولى يظهر التشوه… والحزن… وتمتمة الرموش… ” تشوهت أجسادنا… بين فراغات روح تسحقنا… ومقبرة كبيرة… ممتدة على طول مسامات الحزن… وتجيد القراءة بتمتمة الرموش”

ومن لحم التشوه، وعظام الروح المسحوقة، والحزن في دروب المقابر… يظهر التشرد في صورة ضياعٍ لامتناهٍ في المحطة الثانية ص94 :

“تلهو بنا أرصفة الضياع كمشردين… نحن أبناء الوسط المكتظ بالوجع… أيتام الشهقة الأولى… ملمس أيدينا تلطخ بالمآسي… التي ولدت قبلنا…”

إنها محطة “الاغتراب” محطة تنكر ال حياة لموجوداتها، محطة الوجع الذي يتولد في رحمه وجع يتجدد… مآسينا خلقت لتتناسل وتتكاثر كما الجراد… تأكل لحمنا وتسحق عظمنا… والاغتراب يحول الأنا/ نحن إلى أدوات يائسة، ومخلوقات لا تحمل في ثناياها غير الحزن، والحنين لماض يائس… وأسى لا ينسى، وهذا ما نراه في المرآة الثالثة/ المحطة الثالثة ” ثمة ذاكرة مفخخة بالحنين، فرغت حمولتها على هضاب الشوق… ثمة غصّات أخطرت قلوبنا بالذرف الأخير… ثمة جروح تنتشي بها أجسادنا… ثمة جنون أخرق مزق أمنياتنا… وثمة أحزان… لا تزيلها كل مساحيق الفرح المستعار” ص96 ياه! مجرم هذا الاغتراب الملون بدم الجروح النازفة… وغصات سحقت القلوب والأرواح… وجنون مزق الأمنيات وحطم الطموحات… واستحالت الحياة حزناً باقياً راسخاً… حتى مواسم الفرح فيها تحولت إلى مساحيق كاذبة… سهلة الإزالة…

في ص 82 ” سألوني عن وطني… عن جرحي الغائر… في تخوم الجبال والساحل… قبل أن تشيخ روحي… وينعاني ترحالي… ” في ص 74 ” ربما تهشمت ذاكرتي… مذ آخر مرة ضحكت فيها… قبل أن ينعتني البؤس… ” في ص 29 ” فقط أخبرني … كيف يثيرك غيابي… وأنا التي أبعث فيك مرتين… أخبرني بالهمس… “

إنها الذات الشاعرة، الذات المنكسرة، الذات البائسة… هي التي تغني برومانسية غنائية واضحة… السؤال الذي تبرر طرحه هذه الأسطر: هل تعبر (الأنا) هنا عن فردانية مطلقة… أم هي تعكس أنات أخرى وتظهر بصورة جمعية… وعند التأمل في قصائد الديوان نلحظ أن هذه (الأنا) تمثل (النحن)… وتظهر نصوص الديوان كأنها بوتقة تتفاعل فيها بطولة (الأنا)، لتكون المخرجات هي (النحن)… بتجلياتها وتمظهراتها البائسة المهشمة… ويبرز هذا الضمير الجمعي في نص محطات لاذعة ” تشوقت أجسادنا… روح تسحقنا… تطمر أعمارنا… ” ص93 كما يظهر ضميرا نحن/ هم في قصيدة ” ما بين هيكلهم وزيتوننا” ص54 ” اصطفت إلى جانبنا الثورات… مهما وشاهم الغرور… طغى الكفر في دمائهم…” وعند التأمل نجد أن الشاعرة واءمت في توظيف الضمائر بما يناسب سياقات النصوص… ففي رومانسيتها ووصف تجربتها ظهرت (الأنا) وربما نادت وقالت (يا أنت) وعند مخرجات التفاعل في بوتقة المحيط، ظهرت نحن… وفي الثنائيات التي تبرز الصراع والنضال من أجل التحرر، كان لا بد من توظيف ضميري الرفع المنفصل (نحن وهم).

وفي تلاقح العمل مع نصوص أخرى، تنكشف أمام المتلقي أنواعاً من التناص، التي تدلل على التوسع الثقافي، والثراء في امتداد الرسالة الشعرية، ومن التناص:

التناص الأسطوري: حيث وظفت الشاعرة “عشتار”، إلهة الجمال والحب والحرب في بلاد الرافدين… وظفت لتحمل هذه المعاني والثنائيات: الحب والحرب… الجمال والتضحية… ص16

التناص الديني: ” وأنا التي ضربت بعصا صبري صبرك… لتفيض ينابيع عشقك الخلاب” ص14… اشتقت من الآية الكريمة ” فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً” البقرة: 60. – ” حوراء مشتهاة من نهر الجنون… خلقت تلك العامرة بالعشق من ضلعك” ص20 إشارة لخلق أمنا حواء من أبينا آدم عليهما السلام…

” جاء الخريف متثاقلاً كعادته… يلتقطني… من جب الحيرة الكافرة ” ص34 تناصت مع إلقاء سيدنا يوسف عليه السلام في غيابة الجب…

” تهجدت أحلامنا في ليل” ص54 تناص مع التهجد، الصلاة في الليل. وفي الصفحة نفسها ” أيتها الأرض… تحملي قليلاً… تجلّدي بالتين والزيتون ” إشارة إلى ” والتين والزيتون وطور سينين” .

ويمكننا في هذا السياق التأملي، بيان تكرار بعض الألفاظ، ومن ثم دراسة الدلالات التي تفيدها هذه التكرارات، مثل: لفظة الدهشة:

ص 46: ولم يذرف من الحب إلا الدهشة.

ص 89: وفي صحراء العشق الدامس… تعثرت أصابع دهشتي…

ص93: وفي قبر مبهرج بالدهشة…

ص99: هنا التصقت عيون الدهشة بالمكان…

ص101: تساقطت من قوامها تفاصيل الدهشة…

وفي المقاربة الدلالية نستطيع القول إن الدهشة هي حالة تستوطن الجمال والكمال… وتتسم بالإيجابية، وعند تعاطيها مع معاني البؤس والحرمان، سرعان ما تستحيل إلى العكس، وتتجسد لتكون حاملة للسلب.

بقي القول أنه تم رصد حالتين ارتبط الفعل فيهما ب( أل التعريف) حيث عادة ما يتم الارتباط بين (أل) والاسم… وليس الفعل…

ففي ص 75 ” وأضعت خواتم جدتي وخلخالها… الصدأت خرزاته “

وفي ص 84 “وأومضت لروحي… بساتين الوهج البزغت من ثغرك “

وفي كلتا الحالتين أتت (أل التعريف) بديلاً عن الاسم الموصول (التي)، وكأنها اختصار لها… مع احتمال أن ورودها بهذه الصيغة يثير الدهشة، ويدعو إلى التنبه أيضاً…

خلاصة:

هذه ترحالية سريعة في ديوان ” محطات لاذعة ” للشاعرة منال دراغمة، ولا أزعم أن هذه الوقفات في المحطات، قد قدمت كل ما يمكن الإضاءة عليه في هذه المحطات، فقد شكل الديوان نظاماً من عوالم كثيرة، ولكل عالم عناصره… وهذه العناصر تستحق الوقوف عليها بالمنهج الوصفي التحليلي، والأسلوب النقدي التأملي، أرى ذلك لأنني استطعت أن أميز علامات فارقة لهذا الديوان، في مجال التجديد، سواء أكان ذلك في المبنى، أم المعنى، أم في التشكل النهائي لمعمارية النص… أهنىء الشاعرة منال دراغمة على هذه الجهود الشاعرية… وأتمنى لها مزيداً من التألق… والتحليق عالياً في فضاء الشعر والأدب…

الشاعرة: منال دراغمة

%d مدونون معجبون بهذه: