نسور الحرية الحمراء حلقوا

نسور الحرية الحمراء حلقوا

 

 

يوم من أيام التاريخ الفلسطيني المجيدة، يوم جادت فيه إرادة الرجال الرجال بدرس وعبرة قديمة جديدة. يوم حلقت فيه نسور وجنرالات الحرية نحو فضاء الوطن والشعب العظيم، حينما كسر ستة رجال قضبان القيد، وتفوقوا على كل الوان وفنون الامن الإسرائيلي التكنولوجي واللوجستي والعسكري، أخترق ابطال سجن جلبوع التحصينات وعلوم الهندسة الكهربائية والبنية التحتية بتعقيداتها المختلفة، وابدعوا بتحديد نقطة البدء في صناعة نور الحرية، وتفوقوا باختيار ومسار نقطة العبور إلى طريق المجد.

فجر يوم الاثنين الموافق السادس من أيلول / سبتمبر 2021 كان مختلفا ومتميزا ومشرقا وعطرا، عطره عرق الرجال الميامين، الذين فلوا الحديد وطبقة الأرض بملعقة صغيرة وصدأة وإرادة لا تلين، وصبر خارق، وقوة تصميم تفوق الوصف. ستة من مناضلي الحرية الابطال صنعوا ملحمة جديرة ان تدون في صفحة التاريخ الوطني بأحرف من نار ونور، داسوا بأقدامهم واحذيتهم رؤوس سلطات السجون وقادة أجهزة الامن الصهيونية كلها دونما استثناء، وتفوقوا عليهم بحنكتهم، وبراعتهم، ودقة خطتهم، واداءهم، واختيارهم للزمان المناسب لإعلان حريتهم، وفن ادارتهم لعملية الحفر، ونقل التراب، والتخلص منه، وتحديد ساعات العمل، واختيار الشخص المناسب للعمل، والتغطية عليه طيلة أوقات العمل، وتمويه مكان العمل، رغم التفتيش اليومي ثلاث مرات داخل اقسام وغرف وزنازين المعتقل، وتجاوز معيقات البنية التحتية من صخور وجسور، وتمديدات السباكة وخطوط الكهرباء والانارة، وكاميرات المراقبة بكل اشكالها وابراج المراقبة، وعمليات المناوبة لقوات الحرس في السجن، وفي اختيارهم نقطة الخروج.

نعم الابطال الستة: زكريا الزبيدي (46) عاما من مخيم جنين، ومحمود عبد الله عارضة (46) عاما من قرية عرابة/ جنين، ومحمد قاسم عارضة (39) عاما من عرابة / جنين، ويعقوب محمود قادري (49) عاما من بير الباشا، وايهم نايف كممجي (35) عاما من كفر دان، ويعقوب انفيعات (26) عاما تمثلوا إرادة الشعب العظيم، شعبهم الابي، شعب العطاء والتضحيات والفداء، شعب الثورات والهبات والانتفاضات المتعاقبة من 1921 حتى يوم الدنيا هذا. لم يستكينوا لمنطق القيد والجلاد، ولم يرضخوا لسياسة الاذلال والمهانة الصهيونية، ولم ييأسوا للحظة من نيل وانتزاع بيدق الحرية بأيديهم وعرقهم وصبرهم وارادتهم الفولاذية، وتلفعوا براية الايمان والحق والانتماء والإصرار على صناعة ملحمة بطولية مجيدة جُبِولوا عليها، ورضعوها مع حليب امهاتهم، واستقوها من تاريخ اجدادهم واباءهم، وانتصروا لها، بانتصارهم على المستعمر الصهيوني البغيض.

لم يهابوا الموت، ولم ينحنوا للحظة امام المخاطر والصعوبات والتعقيدات، ومازالوا وهم ينيرون دروب الوطن بحريتهم لا يخشون النتائج، لأنهم قرروا كسر الاحكام العنصرية والفاشية، ورفضوا البقاء داخل اسوار باستيل الأعداء الصهاينة، فتمردوا واتخذوا قرارا قضائيا شعبيا، قرارا انتزعوه بإرادتهم وشجاعتهم، ومن روح الشموخ الباسلة، ونهضوا كطائر الفنيق من تحت الرماد، وطاروا مع نور الفجر في سهول ووديان وجبال الوطن. وتركوا دولة إسرائيل المارقة والخارجة على القانون بقضها وقضيضها تغرق في متاهة اليأس والإحباط والافلاس والضياع، تبحث عن ملاذ تغطي فيه عارها وفشلها وهزيمتها امام ثلة من رجال فلسطين الابطال، حتى ان رامي عوفوديا، مسؤول كبير سابق في مصلحة السجون الإسرائيلية، شبه عبور الابطال الستة من سجن جلبوع باعتباره فشلا كبيرا، وقاربها مع هزيمة الاحتلال الصهيونى في حرب أكتوبر 1973، حسب “قناة كان” الإسرائيلية.

تحليق النسور من سجن جلبوع لم يكن الأول، بل هناك سوابق فلسطينية دونها التاريخ، ففي يوليو من العام 1958 تمكن 66 معتقل فلسطيني من اختراق الحواجز الأمنية للسجن المذكور بعد اندلاع تمرد عنيف فيه، قتل منهم 11 اسيرا مقابل قتل اثنين من حراس الباستيل. وفي عام 2014 حفر أسرى الحرية نفقا للعبور، لكن سلطات السجن اكتشفته، وتم احباط محاولة الهرب. وفي سجن غزة المركزي هرب ستة أيضا من جنرالات الحرية في مايو 1987، والعديد من عمليات الانعتاق من عتمة السجان والزنزانة.

وانتصار ابطال محافظة جنين، هو انتصار لكل الشعب، واحد علامات ومؤشرات الانتصار لحركة التحرر الوطني الفلسطينية على العدو الاستعماري الصهيوني، وبوابة العبور نحو انتزاع حرية واستقلال وسيادة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم ووطنهم الام شاء من شاء وابى من ابى.

 

بقلم : عمر حلمي الغول

%d مدونون معجبون بهذه: