نتائج الانتخابات التشريعية.. القديم الـمتجدد يتربع على التمثيل البرلـماني..

نتائج الانتخابات التشريعية.. القديم الـمتجدد يتربع على التمثيل البرلـماني..

مثلما توقعنا في المقال السابق بعنوان: معالم الخارطة السياسية البرلمانية بعد انتخابات 12 جوان، فقد تمخّضت الانتخابات التشريعية عن عودة القديم في حلة جديدة، مع تعديلات طفيفة لا تعدو أن تكون في صالح القديم الجديد، وتراجع تمثيل المرأة إلى 8 بالمائة من مجموع المقاعد؛ ولعل شعار: “نتجدد ولا نتبدد” الذي رفعه حزب جبهة التحرير الوطني خلال مشاركته في هذه الانتخابات، لم يفهمه الكثير من المحللين والمتابعين الذين تنبأوا بسقوط حر لما كان يسمى بأحزاب الموالاة خلال عهد الرئيس السابق، مستندين على الغضب الجارف للحراك الشعبي على هذه الأحزاب.

الآفالان؛ لن يكون من الآفِلين !

الحزب العتيد الذي توقع كثيرون أفول نجمه السياسي لصالح أحزاب التيار الإسلامي وحتى القوائم الحرة الشبابية، كسر كل هذه التوقعات بحفاظه على صدارة المشهد البرلماني المقبل، عبر حصوله على 105 مقعد في مبنى شارع زيغود يوسف، حتى وإن لم تكن بنفس نسبة الاكتساح في الانتخابات التشريعية لسنة 2017؛ الكثيرون من المترشحين في القوائم الحرة والأحزاب الصغيرة، الذين فشلوا في تجاوز عتبة 5 بالمائة من أصوات الناخبين في الدوائر الانتخابية التي ترشحوا بها، خاصة ممن كانوا بارزين في مسيرات الحراك الشعبي، أرجعوا سبب حفاظ الآفالان على صدارة التمثيل البرلماني إلى العزوف الكبير للناخبين عن المشاركة في الانتخابات، وهو تبرير أقبح من خيبة أملهم في الفوز بالظفر بمقعد في البرلمان المقبل، استنادا على توقعات طوباوية بعيدة عن الواقع السياسي الجزائري؛ عودة الآفالان – الذي لم يغب – أكدت على ثبات الوعاء الانتخابي لهذا الحزب من المجاهدين وأبنائهم وأبناء أرامل الشهداء والمنتفعين والكثيرين ممن يُعتبَر التصويت على قوائم جبهة التحرير تقليدا متوارثا عندهم، إضافة إلى الشخصيات التي رشحها الحزب في مختلف محافظاته الولائية، والتي راعت فيها التقسيم القبلي والجهوي الذي مازال يلعب دورا حاسما في مثل هذه الاستحقاقات، لا سيما في الولايات الداخلية والجنوبية؛ هذا رغم تسجيل غياب تمثيل الجبهة للعديد من الولايات، مع استحواذها على جميع مقاعد الدائرة الانتخابية بالجلفة.

الأرندي وحمس يتبادلان الترتيب..

حركة مجتمع السلم التي تجاوزت التجمع الوطني الديمقراطي ببضع مقاعد، صرح رئيسها يومين قبل الإعلان عن النتائج من طرف السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، بأن حركته جاءت على الترتيب الأول على مستوى الوطن والجاليات في الخارج، داعيا عبد المجيد تبون بصفته رئيسا للجمهورية إلى حماية الإرادة الشعبية، وهو تصريح رد عليه محمد شرفي بأنه يهدف إلى نشر البلبلة والتشكيك في نزاهة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات؛ ليتدارك مقري تصريحاته خلال الندوة الصحفية التي نظمها غداة الإعلان عن النتائج النهائية، مشيرا إلى تبرئته لرئيس الجمهورية ورئيس سلطة الانتخابات من التجاوزات الخطيرة التي حدثت لأنهما لا يملكان الأدوات اللازمة لمعرفة الوقائع الحقيقية للفرز!

التجمع الوطني الديمقراطي الذي قيل أنه أصبح حزبا مغضوبا عليه منذ سجن أحمد أويحيى أمينه العام بتهم فساد خلال الحراك، ثم فشل مرشحه عز الدين ميهوبي لرئاسيات 2019، تراجع لصالح حركة مجتمع السلم بسبع مقاعد، لكنه لا يزال في موقع مريح قد يتمكن بعد من استعادة المرتبة الثانية في البرلمان، والتي لطالما حافظ عليها لعهدات متوالية.

الوعاء الشعبي شبه الثابت أيضا لكل من حمس والأرندي لعب هو الآخر دورا أساسيا في الحفاظ على مكانتهما في البرلمان الجديد.

المستقبل؛ صعود هادئ..

جبهة المستقبل التي أسسها عبد العزيز بلعيد، القيادي السابق في جبهة التحرير الوطني والأمين العام للاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية لأكثر من عشرين سنة، عرفت صعودا هادئا في حصد مقاعد المجلس الشعبي الوطني، حيث حلت في المرتبة الرابعة، وهو صعود قد يفسر بعدد المنخرطين في الحزب والذين تتشكل نسبة كبيرة منهم من الإطارات السابقة في التنظيمات الطلابية وعلى رأسها الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، إضافة إلى عدم اشتراط الحزب ترشيح منخرطيه، وترشيحه للكثير من الشخصيات التي لم تنخرط فيه، لكنها تحوز على حضور قوي في مناطقها. 

البناء؛ هل ستكون أرندي حمس !؟

حركة البناء الوطني التي يترأسها عبد القادر بن قرينة، الذي حل ثانيا في انتخابات 12 ديسمبر 2019 بعد عبد المجيد تبون، رغم توقع الكثيرين أنها ستحل في المرتبة الأولى أو الثانية، متجاوزة حركة مجتمع السلم التي ولدت من رحمها، استنادا إلى ترتيب بن قرينة في الرئاسيات السابقة، افتكت 40 مقعدا في المجلس الشعبي الوطني، مع استحواذها على جميع مقاعد الدائرة الانتخابية بمستغانم، وأكثر من ثلث المقاعد بعدة ولايات أخرى.

حزب جاب الله؛ سقوط مدوٍّ..

الجناح الثاني للتيار الإسلامي في الجزائر، ممثلا في عبد الله جاب الله وحزبه: جبهة العدالة والتنمية، شهد سقوطا مدويا لم يعرفه في تاريخ حضوره في الانتخابات المختلفة، والذي تراوح بين المشاركة والمقاطعة التامة، حيث لم تحصل الجبهة إلا على مقعدين بكل من ولايتي: تبسة والطارف، مع التنويه بأن الفائزَين لم يكونا من مناضلي جبهة العدالة والتنمية، وهو تراجع كبير يعود إلى معارضة العديد من أعضاء مجلس الشورى الوطني للمشاركة في الانتخابات التشريعية، بسبب نزوع الكثير من المتعاطفين مع الجبهة إلى المقاطعة، والخوف من ضرب مصداقية الجبهة في المعارضة السياسية؛ هذه الانتكاسة التي عرفتها الجبهة بدت واضحة في الخطاب الذي ألقاه عبد الله جاب الله من صفحته الشخصية على موقع فيسبوك، والذي بدا محبطا لدرجة لم يتطرق فيها مباشرة إلى الأسباب الحقيقية لهذا السقوط الحر الذي مني به حزبه، في حين بقي يركز في خطابه على فضل الرضا بالقضاء والقدر.

الحكومة المقبلة قد تقودها الأحزاب التقليدية في تحالف جديد..

تبون الذي صرح في عدة مقابلات صحفية، أن حكومة ما بعد الانتخابات سيقودها الحزب الذي سيحصل على الأغلبية البرلمانية ولو كان من المعارضة، يبدو أنه لن يكون في إحراج أمام تشكيل الحكومة الجديدة، التي بالعودة إلى تصريحاته ستقودها شخصية آفالانية، مع مراعاة تمثيل وزاري للأحزاب الأخرى التي تلي جبهة التحرير الوطني، وعلى رأسها حركة مجتمع السلم؛ وعلى اعتبار أن تبون منخرط في جبهة التحرير الوطني، رغم أن هذه الأخيرة سحبت دعمها له خلال الانتخابات الرئاسية الماضية، فهل ستعلن الجبهة أن عبد المجيد تبون هو الرئيس الشرفي المقبل للآفالان، بديلا عن بوتفليقة ؟ بعد أن كانت تكرر ذلك مع الرئيس السابق الذي لم يترشح مرة باسم الآفالان خلال عهداته الأربع، والخامسة التي أجهضت؛ سؤال ستجيب عنه الأيام المقبلة.

العزوف الانتخابي مستمر..

رغم تصريح الرئيس تبون بعد تصويته رفقة عائلته، بأن نسبة المشاركة لا تهمه بقدر ما تهمه شرعية الأشخاص، مستندا في ذلك إلى قانون الانتخابات الجديد الذي أكد على استبعاد المترشحين الذين تحوم حولهم شبهات فساد؛ غير أن العزوف الانتخابي المتواصل وشبه الثابت تجاه كل الاستحقاقات الانتخابية بعد الحراك – وحتى قبله – لا يمكن تجاهله تحت ذريعة التركيز على شرعية الأشخاص؛ فما يسمى بالكتلة الصامتة من الناخبين، لا يمكن تصنيفها ضمن تيار واحد، ففيها المقاطعون عن قناعة، وفيها غير المهتمين بالانتخابات أصلا؛ والكثير من المقاطعين لم يشاركوا في الانتخابات تضامنا مع معتقلي الرأي، واقتناعا منهم بأن الانتخابات هي إعادة إنتاج القديم في حلة جديدة، كما أن نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 14 بالمائة على الساعة الرابعة من مساء يوم الاقتراع وارتفعت لأكثر من 30 بالمائة، أربع ساعات بعد ذلك، أثارت عدة تساؤلات لدى المعارضة وجمهور المقاطعين حول أسباب هذا الارتفاع القياسي؛ خاصة مع التجاوزات الخطيرة التي تم تسجيلها وحتى تصويرها، كشراء الأصوات ومحاولة ملء صناديق الاقتراع بأوراق مرشحين خلال عملية الفرز.

زكرياء قفايفية

%d مدونون معجبون بهذه: