معتصم السعدون لايرى في معشوقته سوى خمائل الدفء.

معتصم السعدون لايرى في معشوقته سوى خمائل الدفء
    السعدون شاعر تساق إليه الكلمات سوقاً , فيسمعها المتلقي ويعجب بها حتّى أنَّه ليظنّ أنها قصائد قد أعجبت الإنس والجنّ معا في هذا الفضاء الوسيع , وإننا هنا لا نستكثر على شاعرنا مثل هذا الاطناب لأنه ذلك الذي يبوح بمشاعر صادقة ، ويزن الكلمات بميزان شعري صحيح ، ويضعها في مكانها المناسب ويترجمها بذائقة قلَّ نظيرها , ففي الوقت الذي لا يرى في عيني معشوقته سوى خمائل يجول فيها ، ودفء يعيش بين طياته ، لأنهما زوبعتان تجرف القلاع والحصون , ففيهما النار التي يانس لها شاعرنا وهي تغشي بنورها أرضه التي لا يطرب إلا إليها وفيها وقد صلى فرض قافيتها شروقا , وهو إذ يلقي بابتسامته فان مواويله لا تنتهي ذات يوم , فبعينيها تحلو صبوة الشيخ ويكتفي الجمار , وابتسامته تلك لم تتغير لأنه يمتلك تلك العينين لتلك الظبية الكحلاء التي ما أن يحمر نداها  من خجل .
 وهو بكلّ هذا وذاك يكون قد امتلك الإجادة والقيادة وكان مبدعاً أشدّ الإبداع , فهو الغزل السمين الذي لاكَ معانيه وأوصافه بقدرته وخبرته المعهودة ,        حتّى لم يكن للنظامين سوى أن يغسلوا قلوبهم في وعاء هذه المعاني التي نضج بها شاعرنا , ويرجعون إلى صوره , وإن طال بهم الجهد, وفي نوع من التناسب المحكم يسهب شاعرنا في ثلاثة أبيات من قصيدة مطولة , لكن هذه الأبيات الثلاثة كانت أبلغ شاهد على ما يفعله السعدون في مدارك القارئ الذي حلق معه بخيال كان أكبر من أنْ تشوبه الصنعة أو التكلف , إذْ يرى تغريدةً لنايه في ضحكة معشوقته ويجد تحت كلِّ شامة جِيداً فإن ذلك مما يمكن التعبير عنه أنه شريط  صور متحركة لمناظر يطرب لها السامع , وإن لم يكن محبَّاً للشِعر لأنها تجلب لهم الجمال والسرور إلى قلوبهم , فهذه الصور المتحركة تجعل من السامعين أصنافاً , فمنهم مقتف لآثارها , ومنهم من يعدو باحثاً عن أسرارها ومنهم من يثب للبحث عن أخرى تقرع بابه لأنَّ كلَّ فاتنة في عرف السعدون إنما هي من زهو العراقيات وأن كلّ خاتونة حسناء فأصلها بغداد لا سواها , وما الباقيات إلا تقليدٌ للحقائق والمعاني وإن كانت تتجانس فيها الحروف وتتشابه فيها القرائن الجامعة , فهو قد أحلَّ المنزلة التي أحلَّها لحسنائه في لبِّ الرمان والتوت وهو يتصدى لحرب العشق التي لا هدنة فيها حاملاً ألوية الحروف , عارفاً بالشعر وفنونه ,  خبيراً بتوقيع الألحان على المعاني , مطلعاً على أناشيد العشق في شفتيها اللتين ما أفتى بحرمة صوتها شيخ الصبابة , بصيراً ببئرها المعطلة وخصرها المائس , فهذا التشكيل الشعري لا نراه في غيره إلا عند الكبار ممن يجعلون من الموسيقى ذبذبات تتحرك بها النفوس وتحنّ لها الآذان , كلّ ذلك يمثل القيم الجمالية لا الشكلية في قصائد شاعرنا السعدون لما امتلك من امكانيات تعبيرية وقيم جمالية .
وفي قصيدة أخرى صورة لإبداع ذهني صرف لا يمكن أنْ تنبثق من المقارنة وإنما تنبثق من جمع حقيقتين واقعتين تتفاوتان في البعد قلّة وكثرة هما ديدن الشاعر وسرّ رمله ’ إن هذه الصورة تستكشف شيئا وهو إن ذات الشاعر تقترن اقتراناً روحياً مع الأمل القادم لا محالة في غده الجديد وصبحه الذي يثق به , حتّى أننا نرى في شخصيات شاعرنا ذلك الاقتران الشعوري في وحدة عاطفية اجتمعت فيها كلّ عناصر الإحساس والفكر ما جعلها تركيبة عقلية وعاطفية في آن واحد , ومن هنا يكون التعبير وسيلة لنقل ما يدور في خلجات شاعرنا ايحاءً أو تصريحا لأن ما يدور في أعماق السعدون ترتبط به كلياً حتّى إذا رأت النور فإنها تتجسم وتأخذ مظهر الصور في شِعره بما يتناسب مع تلك الحقيقتين لتحتفظ بأصالتها التي تتولد مع التشبيهات والاستعارات التي تصنع منه شاعراً أصيلاً .
   إن الصورة الشعرية لا تقبل الاختصار إلا في منهج السعدون فإنَّه يبني قصيدته من مجموعة من العناصر اللا معقدة والتي يختارها بنسقٍ تتجاوب أصداؤها في استعاراته المختلفة وهي أرض خصبة تدلّ على ذكائه يمكنه من خلالها استحضار المرئيات في الذهن ليحوكها أشياء جديدة تنقل للقارئ المشهد نقلاً أميناً لا يفوته شيء منه مما تقع عليه الحواس , فصورة الضحك والطواف والمناسك والدرب والوجع القديم والحنين لمعارك توالت في ضمير شاعرنا , والخيال القادم من تشابك السنين .
كلّ ذلك لم يكن إلا لعبة ابتدعها شاعرنا في مداعبة مواجعه في صورة توافرت فيها الخطوط والألوان المرئية التي صنعها قلق شاعرنا في مشهد متحرك توافرت فيه شروط الحركة والتصوير الحسّي اللتان طوعهما شاعرنا بلغة أغنى بها قارئه إلى حدٍّ بعيد , حتّى تغلغلت في صميمه وتعانقت مع أهوائه المتنازعة مع ما تموج به النفس من حواس وهموم :-
   ( القادمون من الخيال تحسسوا وجهي فحازوا في الحياة مداركا
كانت مداعبة المواجع لعبتي وكم (استفزيتُ) الدموع مشاركا
الميتون قريبة أَحلامهم  إنْ كان مرقده البعيد جواركا )
وهكذا تتوالد الصور الأمينة في النقل الحسّي للشاعر إلى مدارك القارئ حتّى  جعل العين مبصرة ومدركة للصور دون أيِّ جهدٍ يذكر يبذله القارئ .
نبيذا السعدون 
   أسلوب الشاعر الكبير معتصم السعدون هو أسلوب واضح ينبئ عن مجال فسيح يستلهم الشاعر من ثقافته الثرية ذلك الإبداع القائم على سبك الكلام وطريقة صياغته وهما عنصران يلحظهما كلّ ذي بصيرة , وذلك يدلّ على دقّة الذهنية الوجدانية لشاعرنا ، وكذلك يدلّ على الأصالة والتفرد في المجال الأدبي ، اذْ تتلقف أشعاره تلك الأذواق والأسماع ولا ينحسر عند زاوية معينة فلا يتغذى قراؤه منه إلا المتعة والراحة والوجدان , فقد كان له الدور في فتح الباب لكلِّ متذوقيه ليجعل من قاعدته التراثية اسلوباً لا يخلو من رسم بالألوان ناهيك عن عدم خلوه من الموسيقى وهي راحة لا توازيها راحة ولا متعة أخرى ،يتسلل إلى الآذان والأرواح ذلك المسلسل العاطفي حيث هناك النبيذ على شفتين وكأنه لا صواب إلا سقي خمر في رشفة لا شبهَ لها على الاطلاق ، تستجلب الهوى وكلّ ما يدور حوله من رقصات وسكر ، متلذذاً بالخمر بين يديه نشوان لا يعرف اللاه صاحباً في تلك الخلوة اللا شرعية التي يشاء أن يعيشها بكلِّ لحظاتها الدقيقة وما وراءها من اسدال ستار على ذلك المشهد النؤاسي الذي لا يوازيه مشهد رومانسي آخر , حقول الليمون يمثلها شاعرنا بخصلات الشعر وهو نوع من الوصف المجازي يتغنى بها العاشق في معشوقه بشكل تكون فيه الصور بديعةً , وتتواتر المشاهد والصور في سطور شاعرنا كالتقاء الشهد شفاهاً من سكر ندىً أو انتشاء المشط الذي أثمل كفَّه بأسلوب الوثبات الساخنة التي تتناسق مع الذات الشاعرة عند السعدون ، حيث الأثر إنما صنيعه هو فحسب بلا تدخل المعشوق نفسه (مشى فوق موج التيه حتى تصدعا) , وثمة استخدامات لشاعرنا يكاد ينفرد بها دون غيره هو ، واجادة شاعرنا فيها شاهد كبير على قدرة شاعرنا الفذّة (غريق بنهر الخصر ، سيكسر ثلج الصمت، بمنفى العيون السود ويرمي بسنار الغرام ، ولو أن عرش الحسن ) وهكذا نجده يحسن الغوص في أعماق الفكر ليخرج لنا لآلئ تكاد تكون غير متواجدة إلا لديه هو ، وهو ما يُحسَب لشاعرنا في مسيرته الثرية بالالتزام و الصور المحكمة ، صانعاً منها قِطَعاً من معزوفاته التي جدّد فيها أوتار قيثارته بعيداً عن السياق المحموم أو الاستخدام الموسيقي غير المستساغ.
وخلاصة الأمر , إنَّ معشوقة شاعرنا السعدون قد نامت قريرة العين حيث لا شواردَ ذهنٍ تخالج اعماقها ولا همومَ عشقٍ تطارد اسرارها ،ولا الليالي تُسرَق من اجفانها ، وذلك لأن شاعرنا قد أجاد بوصفها بطريقة هي الأمثل والمستحسن لديه فلا يعنيها غيره ، ذلك الوصف الذي لم يحشُ في طياته وصفاً زائداً قد يعاب عليه.
شـرابُ السعدون
لقد حاول شاعرنا القدير جاهداً أن يستدرك اللحظة النادرة التي كان يعنيها في قصيدته هذه ، وقد اجزل التعبير بموضوع العلاقة الخالدة التي رسمها مع معشوقته ، ورغم إنه قد وقف في تلك اللحظة موقف الحائر المتردد أمام رضابها المسكرة ، إلا أنه قد أيقن في الوقت ذاته أنَ تلك اللحظة لا يمكن أن تمُرَّ عليه دون أنْ يقف متسائلاً أمام ورد وجنتيها ، ودون أن يستنبط منها ,أنها سحاب يرفعه في حضرة الاخرين..
وهو إذْ يستمد معظم قوّته من توت خديها ، فإنَّه يعلم , إنما هو خاضع لناموس الغرام الذي سنَّهُ هو ، وأقرّهُ على نفسه قبل غيره ، فلا توبةَ لعاشق مطلقاً لان ذلك إنما هو صنيعة الخطايا التي نثَّها غيمُ عشقه في دمه عمداً أو سهواً ، فاستخلص العبرة من ذلك (وهو الأحق بالعبرة) حين خاطبَ معشوقه الخالد بهذا الخطاب التساؤلي :-
               ( أتعصمني ؟ وأنت أحقُّ مني
                 بهذا النور )
وهي محاولة بئيسة لدفع الحجة بالحجة إذا قُضيَ الأمر وكُشِفَ له الحجابُ وقد أدرك شاعرنا شَّدة الآصرة التي تجمعه مع معشوقه فلا يسمع في صولته إلا زئير ليثٍ ، ولا يغيب عنه عنصر الصدق الفنّي في السير بجدٍ واجتهاد للقياهُ بكلّ صبابة رغم الصعاب ، حتّى بدا شاعرنا بميوله الذاتية تلك شجناً معنّىٰ يودّ التوغل في أعماق غرامه الأزلي ، وليس ذلك إلا كشفاً خاصاً لعناصر الحيوية والبناء اللازم لنمو ذلك العشق وترعرعه رغم الغياب الذي قد يشطر العاشقينِ شطرين ، بأسلوب نحس فيه حرارة العواطف وانفعالاتها رغم تسارع حركة المشهد التصويري في أجواء القصيدة والذي قد يكون نتيجة رغبة مبيّتةٍ عنده في التعبير بمستوى حواري واحد هي لغة الشاعر نفسه , إذ نرى ذلك جلياً في خطاباته المتكررة ذات اللغة الاشتراكية بين العاشقين :-
           ( وتسكرنا ، ونرجع ، دمنا ، صبوتنا ، يشطرنا ، نستقي )
وهي وإن جاءت على لسان العاشقينِ فإنها بدت في ملامحها مشابهة لملامح وأفكار شاعرنا القدير ، حتّى أنَّه جعلها من أولى مهام قصيدته بما ينمّ عن خصائص متفردة لديه ، وهي بلا شكّ بادرة فنّية موفقة تمنح شاعرنا طاقة لغة الحوار المناسبة بعيداً عن استعانة بعض المفردات الثقيلة التي تفقدها دلالتها ومحتواها التصويري الذي أراد الافصاح عنه لنا رغم اعترافه أنه فقير لما أنزل إليه أمام معشوقته التي أقل ما يقال عنها أنها الركن المهابُ ، ليحترس من المزالق التي تلوّنتْ بها وجوهٌ لا يمرّ بها سرابُ ، كلّ ذلك دفعه بقوة إلى الخضوع التام لفيئِها الكبير الذي صاغ منه وطناً كريماً في ظاهرة استطراد شعري غير ممل ، ليطول الحديث عن شاخصات اليباب وعن خطى مدن بعيدة ، حتّى كأننا نلمس في أنامله نبعاً لدعاء مجاب ، وقنوتاً ما بين ضلوعه ، اشتركاً فيما بينهما لغةً وصمتاً ، ونطقاً وإنصاتاً ، ليُنتجا عاطفة متأججة هي العامل المشترك بين كلّ المشاهد الحوارية التي تجلّت في قمة الأحداث بمشيب رأسه ووقوفه أمام هذا الجمال وطهره بكل صبر وايمان رغم احتراقه بمواقد العذاب والشقاء ، في مشهد تصويري أوحىٰ بشعور العجز الكلي امام هامة معشوقه التي يجد فيها ذنباً لا تكفيرَ عنه حتى وإن تاب عنه الآخرون .
ولعل شاعرنا شاء أن يتسامىٰ بفنّه ذي المشهد التصويري الساخن تعبيراً منه عن أسىً دفين كومضة شعّت من عيني معتصمنا السعدون لفحت كلّ أوصاله، أشدُها قلبُه .
وخلاصة الأمر , إن شاعرنا أوحى إلى خياله ما ألهمَهُ تلك الصورة بصيغة شعر.
تجربة اليقين عند السعدون
   تجربة اليقين عند شاعرنا معتصم السعدون هي تجربة يتجاذبها شواظ العشق دون أن يحرقها ، وفي الاحتراق راحة ،لكنها تظل شواظا لاهبة مشدودة بحبل من نار ، وفي خلده أنْ يستمر بتجربة عشقه ولا يستريح (تفردت في عشقي لأنك عاشقي) تجربة عشقه هذا تسعده ولا تنغص عليه ساعاته وهي خيط درامي يمتد ما بين حديث النفس وجوارح الشاعر ، قلبه ، أذنه وبصره بحيث أن كلّ جارحة لديه أدَت وظيفتها بكلِّ اتقان وهي وظيفة الذوبان في المعشوق  (أطلق ظلّي إن مشى دون ذكره ) وهي سلوته الأولى والأخيرة يحمل ما يثقله ويبكي من أجل اللقاء وتسري فيه مشاعر الطهر والعفاف وهو غير قانع بالذكرى رغم أنها سلوة لذوي النفوس المحرومة لكنه يتطلع إلى ما يلوذ به ، ذاك الوادي القصي (على رقعة الأضلاع شيدت قلعة ) وهو من التعبيرات الانفجارية حيث يجتمع في القلب هوى لا يضاهيه هوى آخر أبداً ، بل أنه يسبر في أغوار عاطفته التي هي في معجمه كلمة واحدة فقط  (اطعت الهوى العذري فيك اصالة ) ولكنها في معجمات النفوس محيط هائل من المشاعر الجياشة (نجاشية ،وبي صبغة الجرفين، فليت الذي يرنو للقياك يهتدي) كلّها مشاعر حبّ ورضى وايثار (ستنحني الى راسه العاجي عتو المشانق) ، وأسرار أخرى من أسرار الإلهام ،وكلّها في منطق شاعرنا سعادة لا مثيل لها ، وهي مما تقرّ له العيون ، فاستوحاها بخاطره الذي يسيطر على أذواق قرائه بمتعة كبيرة جداً ، ينحدر برقّة واضحة وثقافة شِعرية مبهجة ودفقات مستمرة وقد تزيّا بزي الفاتحين في سوح الغرام ( سيضفي لعمر لاق فيك سنينه )                وهو يهوى اقتحام القلاع ، مدركاً أن الزمان يصيخ إلى ترانيمه التي لا تعرف الترهل بل تدعو إلى المراجعة والتأمل بعيداً عن صراخ لفجيعة ما ،            لتتحفنا بفيض من وجدانه بلوحة صنعها بيديه مستخدماً عناصر التوليد والتحديث وبث الروح في صوره التي تبدأ ولا تنتهي .
نماذج من قصائده
( تفردت في عشقي)
تَـفَرَّدتُ فـي عِـشقي لإنـك عاشِقي
        وأنـت الـذي أرجـوه مـن بَـعدِ خـالقي
نَـجـاشـيةٌ فــيـك الــوَفـاءاتُ شَـدوَهـا
     يُـرتل وَحـيَ الـمِسْكِ نُـسْكُ الـنَمَارقِ
أشــيـحُ بــوَجـهٍ خَـلـف رؤيــاك بَـحـره
  وفـوقـي سَـماءٌ نَـجمُها مـنك طـارِقي
وبـي صِـبغَةُ الـجُرفَين مـن لَونِ مَوْجةٍ
  بَــواخِـرُهـا حَــنَــتْ خُـــدودُ الـــزَّوارقِ
فـلـيـتَّ الــذي يـرنـو لـلـقياكَ يـهـتدي
     إلــى روحِ مــن أســرى بـلُبٍ وخـافِقِ
وحـيث الـفَتى الخَمْريُ لوناً ستنحني
         إلــى رأسـه الـعاجي عـتو الـمشانقِ
كـبـيرٌ عـلى أحـلامهِ الـسُمرِ أن يـرى
     ســـواك لـــه خِـــلاً بـعَـهْـدِ الـمَـواثقِ
( الـشَّرابُ )
يُعــافُ لــوِردِ وجـنـتك الـشَّرابُ                        وتُسـكرنا عـلـى بـعـدٍ رُّضَابُ
ونـرجـع حـامـلين الـحُـبَ ذنـبـاً                         إذا الـعُـشاق عـن ذكـراه تـابوا
يـنثُ الـغَّيمُ فـي دمـنا الخطايا                          فـيـرفـعنا لـحـضرتك الـسَّـحابُ
ولـو أسـدلت مـن خـديك تـوتاً                         على الصَّحراءِ تنتفض الشِعابُ
يـقـيـناً إنـــك الـمَـذكـورُ فـيـهـا                         بــخـيـرٍ كــلـمـا قُـــرأَ الـكِـتـابُ
أتـعـصمني وأنـت أحـقُ مـني                            بـهذا النورِ لو كُشِفَ الحِجابُ
لـصولتك الجموحة في فؤادي                         زئـيـرُ الـلَّـيثِ والخلَجات غـابُ
سـيـرفعني لـنـور عُـلاك قـَلبٌ                       إذا قَــصُـرت لـمـرقـاك الـرِقـابُ
يـجدُ الـسَيرَ فـي لـقياك صـبٌ                        وكــم تـحـتاج صـبوتَنا الـصِعابُ
أنــا يـاذلـك الـشـجن المُعَنَّى                             نـديمك حـين يـشطرنا الـغيابُ
أصـــبُ حـنـين أوردتــي قِـرابـاً                       بـنـبضك حـين تـزدحمُ الـقِرابُ
بـمـا أُنـزلـتُ مــن خـيـرٍ فـقيراً                        لـظـلـك أيـهـا الـركـنُ الـمُـهابُ
لـصـمتك حـيـن تـندلق الـزوايا                          وجـــوهٌ لايــمـر بـهـا السَّرَابُ
أعــيـش بـفـيئها وطـنـاً كـريـماً                         وحـولـيَّ كــل شـاخصةٍ يـبابُ
خُـطى الـمُدنِ الـبعيدة تقتفينا                           لـيـولدَ بـعـد مـوطـنها اغـتـرابُ
هــمـا نـضـاخـتان وأنــت نـبـعٌ                           دعاؤك حين نستسقي مُجابُ
قنوتك في الضلوعِ كَمالُ فرضٍ                       وحـرفك فـوق مـنبرها الخِطابُ
إذا صـبغَ الْمَشِيبُ الرأسَ يوماً                           هـواك عـلى مـفارقه الـشبابُ
عـلوت بـشأنِ أهلِ العشقِ ذكراٌ                         كــأنـك فــوق هـامـتهم قِـبـابُ
( نبيــــذان )
نبـيـذان مـــن ثَـغـرٍ أحــلاكَ مُـوضِـعا
                                                 فــطُـفْ حــولـه سَـبـعاً وقَـبـلهُ أربـعـا
ودع كـفَها الـخَمريَ يـسقيك رَشـفةَ
                                                  نـؤاسـية الأطـمـاعِ إن رِمْـتَ مـطمعا
لـذيـذٌ عِـناقُ الـكفِ يـاظامىء الـهَوى
                                                   إذا جَـنّ لـيلُ الـشَّوقِ واحتاجَ مَخْدَعا
وأبــصـر فـــي أعـرافِـهـا ضَــوء جـنـةٍ
                                                   دَنــا مـبـطئاً مـنـها فـضـمته مُـسرعا
عـلى خـدها الـقمحي من تمرِ أهلهِ
                                                 نـخـيلاتُ مــن ألـقت سـماراً مـرصعا
وحـول التقاءِ الشُّهد من سُكرِ النَّدى
                                                  شـفـاهٌ عـلـى حـبـاتها الـتُـوتُ أيـنـعا
حُـقولٌ مـن الليمون خِصلاتُ شعرِها
                                                  أحـلـته جــاء الـصُـبحُ فـي لـيله مـعا
عـلـيه انـتـشاءُ الـمـشط أثـملَ كـفه
                                                 نـسـى إصـبـعاً فـيـها لـيـحتاج أذرُعــا
بـغـمـازتـيـن أثــنـيـن أبــحــرَ فــلـكـه
                                                   وأبــقـى بـمـيناء الـمَـسَامات أضـلـعا
غـريـقٌ بـنـهر الـخِـصر إن جَــفَّ نـبعه
                                                     مَـشَى فوق مَوْجِ التيه حتى تصدعا
سـيكسر ثَـلْجَ الـصمت فَـخْرُ انـتمائه
                                                     بمنفى العيون السود أهل إذا ادعـى
ويــرمــي بــسـنـار الــغـرام جـلـيـده
                                                فـيـأتـيه جَـــزرُ الــمـاء بـالـحور طَـيّـعا
ولـوإنَ عـرشَ الحسن سماكَ يوسفاً
                                                  أيــادي زلـيـخات الـهـوى بُتنَ قـُطعا