ماكرون: ثَالثُ ثلاثةِ أسوأِ رؤساءٍ لفرنسا.

ماكرون:ثَالثُ ثلاثةِ أسوأِ رؤساءٍ لفرنسا..

لعلّه ليس من المبالغة القول بأن الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون يعتبر من أسوأ الرؤساء الذين مرّوا على فرنسا، هذا الأخيرة التي لم يصل إلى سدّة الحكم فيها رئيس ذو وزن سياسي ثقيل يبقي ذكراه ولمسته في الحكم، منذ الرئيس الأسبق جاك شيراك، آخر الديغوليين الذي أنهى عهدته الثانية  سنة 2007، ليفتح الستار أمام مرحلة جديدة في تاريخ قاطِنة الإيليزيه، مرحلة تميّزت برؤساء ليست لهم خبرة سياسية كافية لتولي رئاسة بلد بحجم فرنسا، وكان آخرهم ماكرون، أصغر رؤساء فرنسا سنّاً وأكثرهم رعونة وتهوّراً.

لم يختلف ايمانويل ماكرون عن سابِقَيه سوى في انتهاجه لمزيد من السياسات الفاشلة، والتي هوت بأسهمه السياسية لدى الرأي العام الفرنسي، رغم مغازلته لتيار اليمين المتطرف باتخاذ اجراءات اعتباطية ضد المهاجرين، لا سيما من الضفة الجنوبية للمتوسط، ففرنسا عرفت في عهده أكبر احتجاجات شعبية واسعة، فيما عرف بحركة السترات الصفراء، والتي جوبهت بالعنف بعد التوسّع غير المتوقع لمداها الزماني والمكاني.

ماكرون في تصريح جديد لإذاعة فرنسا الدولية، عبّر عن أمله في أن تهدأ التوترات الدبلوماسية، مذكّراً بعلاقته الودّية مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون الذي كان وصفه منذ أيام بأنه رهين لنظام قاسٍ، ويأتي هذا التصريح بعد الردّ الفوري للجزائر التي قامت مياشرة باستدعاء سفيرها من باريس للتشاور، وإعلان هيئة أركان الجيش الفرنسي عن حظر مرور الطائرات العسكرية الفرنسية فوق الأجواء الجزائرية، وهو الأمر الذي لم تنفه السلطات الجزائرية في تأكيد ضمني له. 

سياسة خارجية مُتَـلكِّئة وفشل جيوستراتيجي..

خرّيج المدرسة الوطنية للإدارة بباريس، الذي لم تتوقف شعبيته عن التدنّي، منذ مباشرته مهام رئيس الجمهورية الفرنسية، يبدو أنه أدرك مؤخرا حجم المأزق الذي أوقع فيه بلاده التي تعرف في الفترة الأخيرة تراجعا دوليا متسارعاً، خاصة بعد الاعلان عن اِنهاء عملية برخان العسكرية، والبدء في سحب القوات من مالي، إضافة إلى ما سمّاه وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان بطعنة في الظهر من طرف الولايات المتحدة وبريطانيا، بعد سحبهما البساط من “صفقة القرن” لتزويد القوات البحرية الأسترالية بغواصات فرنسية، والتي كانت ستدرّ على فرنسا أكثر من 80 مليار يورو.

كثير من المحللين اعتبروا أن ماكرون الذي يفتقد لأية خبرة سياسية قبل وصوله إلى قصر الإيليزيه، كانت له سياسة خارجية تقوم على اِحداث ردود فعل غاضبة حتى من أقرب حلفاء فرنسا وجيرانها، وبرز ذلك جليّاً في الملف الليبي، عندما استقبل كلّا من خليفة حفتر زعيم ميليشيا الجيش الوطني الليبي، وفايز السراج الرئيس السابق لحكومة طرابلس، وهو الأمر الذي جعل إيطاليا تتوجس من هذه التحركات الماكرونية المنفردة، دون التشاور والتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف الليبي؛ هذا الأمر أكّده العديد من الدبلوماسيين الفرنسيين، الذين كشفوا بأن رئيس دبلوماسيتهم يسخر من نصائح الدبلوماسيين، ويركز على الشكل دون المضمون.

التراجع الاقتصادي؛ لعنة ترافق ماكرون بعد سابقيه.

لعنة الاقتصاد، حلّت على آخر ثلاثة رؤساء حكموا فرنسا وأسوئهم، فكان قدوم نيكولا ساركوزي نذير شؤم على الاقتصاد الفرنسي مع بداية الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2008، التي ألقت بظلالها على أوروبا وخاصة فرنسا، وأدّت إلى انكماش الاقتصاد الفرنسي، مع ما جرّه ذلك من رفع للضرائب واِفلاس الكثير من الشركات وتسريح لأعداد كبيرة من العمال، وهو الأمر الذي حرم خليفة جاك شيراك من عهدة رئاسية ثانية، مع استدعاءات للمثول أمام المحاكم بتهم متعلقة بالفساد والتمويل غير المشروع لحملاته الانتخابية.

فرانسوا هولاند هو الآخر، رغم خلفيته الاشتراكية الاجتماعية، غير أن الفشل الذريع الذي منيت به سياساته الاقتصادية، كان أبرز الأسباب التي جعلته أول رئيس فرنسي يحجم عن الترشح لعهدة رئاسية ثانية، بعد نصائح مقرّبيه بعدم الترشح، تفاديا لهزيمة مذلّة له منذ الانتخابات التمهيدية على مستوى حزبه.

ويبدو أن عبارة: “يسّير فرنسا وكأنه يسيّر شركة اقتصادية” التي وصف بها هولاند خليفته في قصر الايليزيه، تعكس بدقة حقيقة السياسات الاقتصادية لماكرون، والتي جرّت عليه وابلاً من الانتقادات التي تطورات إلى احتجاجات شبه متواصلة، جعلته من أكثر الرؤساء الفرنسيين الذين عرفت عهداتهم احتجاجات لمختلف الشرائح الاجتماعية، ولعلّ حركة السترات الصفراء الذي شكلت هاجساً للسلطات الفرنسية، هي أبرز مثال على ذلك.

التقارب الاقتصادي الجزائري مع كل من الصين وتركيا، والذي زادت وتيرته في عهد ماكرون، أزعج صناع القرار الفرنسيين الذين عبروا عن ذلك بصراحة، عبر تقرير لمجلس الشيوخ، ثم تصريح لوزير الاقتصاد، عكس القلق الفرنسي من النفوذ الاقتصادي لكل من الصين والجزائر، والذي بدأ يزيح بقوة النفوذ الفرنسي، جاعلا هذا الأخير كما عبّر الوزير الفرنسي: “في حالة موت سريري”.

استغلال انتخابي خسيس للذاكرة..

الرئيس الفرنسي على غرار سابقيه، حاول استغلال ملف الذاكرة في العلاقات الجزائرية الفرنسية، والذي تكابر فرنسا في حسمه موضوعيا عبر الاعتراف بجرائمها إبان حقبة الاستعمارية في الجزائر، تحت ذريعة الالتفات إلى المستقبل وعدم الركون إلى الماضي، وهي مغالطة تفضح النظرة الفرنسية نحو مستعمراتها السابقة، فهي لم تتخلص يوما من عقدة الأبوية نحو هذه المستعمرات، بل ترى أن لها الفضل في انبعاثها كأمم ودول، وليست هذه مجرد أفكار بقيت في مخيلة روّاد المدرسة الكولونيالية وبقايا الأقدام السوداء وأبناء الكولون السابقين في الجزائر، بل هي إيمان راسخ لدى كبار صناع القرار في فرنسا على اختلاف مواقعهم، إيمان تجلّى آخر مرّة في التساؤل الساخر للرئيس الفرنسي حول وجود أمة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي، أمام مجموعة من الشباب ذوي الأصول الجزائرية من أحفاد مجاهدين وحركى ويهود وكولون سابقين؛ لتسقط بذلك تمثيلية التقرير حول: “ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر” التي زعم ماكرون أنها ستكون خطوة هامة لإخراج العلاقة بين فرنسا والجزائر من الشلل الذي تسببه قضايا الذاكرة العالقة؛ كما يشكّل تكريم أكثر من 300 حركي مع أبنائهم وأحفادهم بقصر الإيليزيه خلال الأسبوع الماضي، والإعلان عن سنّ قانون يخصّهم مع نهاية العام الجاري، فضحاً آخر لحقيقة نوايا الرئيس الفرنسي نحو علاقات بلاده بالجزائر. 

 

زكرياء قفايفية