كيف تصبح صحافياً ناجحاً ؟

كيف تصبح صحافياً ناجحاً ؟

إن الصحافة علم، و حرفة ،و فن ومهنة يلزمها عقلية منفتحة على العالم حولها، تثيرها الأحداث ،وتحرك أدواتها الصحفية وتعمل كأنها رقيب على المجتمع، وأحداثه وتطوراته وتتبع خطواته بين فترة وأخرى ؛ فالفرد الذي يمتلك أدوات العمل الصحفي يدرك الأشياء قبل أن يدركها الآخرون و يتحرك بداخله حب الاستطلاع والكشف والتحقيق في القضايا التي تحدث أمامه، بداخله شيئاً من الإثارة والتشويق لمعرفة جوانب الموجودات ودراسة كل المستجدات، ربما يلحق بخيط رفيع جدا لكي يثبت صحة فرضا حول وقوع حدث كبير يخص المجتمع ويؤثر فيه، شخصية الصحفي ليست بناء عشوائيا وإنما بناء هيكلي وتكوين معرفي  من الجذور حتى الأطراف ،فالموهبة الصحفية وحدها لا تكفي للحصول على لقب صحفي ما لم تصقل بالدراسة ،والمعرفة وتوافر المهارات اللازمة وإثباتها لدى الشخص والعمل على تطويرها واستيعابها داخل شخصية الفرد، وبدء خروجها من داخل الذات البشرية إلى أرض الواقع و مزاولتها حتى التمكن منها والاحتراف فيها بشكل مهني وعلمي.


 ولقد وضع برنامج Dialogue التدريبي لهيئة الإذاعة البريطانية ال BBC ثلاثة أنماط من المهارات لمزاولة مهنة الصحافة وهي المهارات الشخصية، والمهارات الذهنية، و المهارات الوظيفية أو المهنية٠

 أولاً :المهارات الشخصية والتي لا يوجد اتفاق فيها بين الأشخاص ،وإنما تختلف من فرد لآخر وفي حال وجودها داخل الفرد يمكن تعلّمها والعمل على النهوض بها وتنميتها داخل الفرد وهي:

– احترام الفرد لذاته :أي العمل بقدراته الذاتية الصحفية والتعامل بأسلوبه الخاص، والبعد عن تقمّص أساليب وقدرات الآخرين وتقليدها ،فالصحفي لا ينجح في إقناع الجمهور برسالته، إن لم يكن صادقاً في التعبير عن ذاته وهنا تأتي مقولة” كن أنت ولا تكن غيرك”-

‏ المصداقية في العمل: أي قيام الصحفي بوظيفته الصحفية بكل صدق وشفافية مدركاً لكل كلمة يكتبها ،ولكل رسالة يعمل على نشرها دارسا جيداً للنتائج المتوقع حدوثها ورضا الذات عن هذه الرسالة الاقتناع بمنفعتها العامة لكي يستطيع الجمهور تصديقه وأن يكرس جهوده في رسالته الصحفية والتعايش معها بوجدانه وهنا تأتي مقولة” كن صادقاً مع نفسك ليصدقك الآخرون”- ‏

الصدقية في الهيئة :وهي ليس لها علاقة بجمال الرجل أو المرأة كمان يظن البعض ولا تكمن أيضا في حسن المظهر والملبس و ارتفاع ثمنه ،وإنما الصدقية تتمثل في الاعتدال في الملبس والشكل ،فالمبالغة الزائدة في أي شيء تفسده وكذلك الاستخفاف بها أيضا يفقدك احترامك واحترام الآخرين لذاتك وأخيراً يأتي الصدق من خلال اقتناعك بذاتك وبالعمل الذي تؤديه وتكريس جهودك للاهتمام به 

-اللياقة البدنية: لقد أصبحت اللياقة البدنية على الرغم من التطورات التكنولوجية السريعة للممارسات الصحفية في عصرنا هذا من شروط نجاح الصحفي؛  لأن المهام الصحفية تحتاج التحرك السريع وخفة التنقل سواء داخل المؤسسة الصحفية أو في الميدان، فيجب على الصحفي الحفاظ على لياقته وصحته لأداء الوظيفة بشكلها الأمثل وهذا له علاقة وثيقة بنظامه الغذائي ووزنه وممارسته للرياضة لأن الإهمال الجسدي ،والصحي يؤدي إلى تقصير الصحفي في عمله وفقدانه القدرة على الإبداع في الإنتاج 

-التحكم في الذات وضبط العواطف :فإن الصحفي الذي يؤدي عمله في توازن نفسي وعاطفي وفي جو من الهدوء والتركيز واثقاً في ذاته بغض النظر عن المشاعر التي بداخله سيكون قادراً على النجاح في مهمته والإبداع فيها ،فالصحفي الناجح هو الذي يتقن السيطرة على مشاعر الحزن ،والغضب والضيق والتوتر ،والقلق والخوف والفرح والتعجب وعدم ترك الفرصة للحدث الذي يتناوله بالتأثير فيه والسيطرة على مشاعره  ، وعلى الصحافي أن يكون رقيبا على الحدث ،وناقلا صادقاً له دون أن يصبح طرفا فيه ويدخل ضمن جوانبه .

-‏تحييد الشخصية: فعلى الصحفي عدم إظهار آرائه الشخصية وميوله في المادة الصحفية واحترام آراء الآخرين؛  لأن لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة فلذلك إخفاء الصحفي لآرائه الشخصية يدخل ضمن مهاراته وقدرته على التشكك والفضول في كل الآراء والمعطيات التي تظهر أمامه وفي ميدان العمل الصحفي ربما يزداد الخطر على الصحافي من خلال تشدد الرأي المخالف في حال الكشف عن آرائه عن قصد أو معرفة الآخرين لها من خلال متابعتهم لعمله الغير موضوعي.
-‏ ثانياً المهارات الذهنية: وهي مهارات فطرية لا يمكن تعلمها واكتسابها وإنما يمكن اكتشافها إن كانت  موجودة وهي:-‏

حب الاستطلاع وكثرة التساؤلات : أي التشكك في مصداقية و دقة الأمور حتى يتم إثباتها ،فالصحافي يجب أن يكون من أصحاب الفضول الذين يريدون معرفة التفاصيل الدقيقة وإعادة النظر في مصداقية قرارات وأعمال السلطات والجهات -‏ الشغف وحب العمل: فالصحافة مهنه شاقة وخطيرة ولكن يستطيع الصحفي النجاح في القيام بها يجب أن يتحلى بروح الحماس والتحدي وأن يمتلك القدرة على تفسير وتحليل الأحداث ومهارة نقلها للجمهور

 -‏الجرأة والبسالة والتهيؤ لتحمل نتائج العمل: فإن الصحفي النزيه الذي يكون على يقين من صحة معلوماته ومصداقية أسلوبه يجب أن يمتلك الشجاعة لمواجهة عواقب ما يكتبه وينشره، والدفاع عن رسالته الصحفية الصادقة

-‏ الإحساس بالانتماء لهيئة رقابية ناقدة ومؤثرة: تتابع أعمال السلطات وتعمل علي تقديم النقد البناء لهم وتوجيههم للحقيقة ومواضع التقصير والمشكلات القائمة وعرض حلول لها واقتراحات نافعة ومعرفة الأهداف الحقيقية لما يحدث ومَن الأطراف المستفيدة، فحب الاستطلاع لن يؤدي دوره إلا في حال توظيفه للصالح العام وخدمة المجتمع.


بداية القدرة على التكيف مع فريق العمل؛ فالصحافة أصبحت أكثر اعتماداً على عمل الفريق، ومن يفتقر مهارات التواصل وحسن معاملة الآخرين والانخراط معهم بمودة واحترام وفاعلية فلن ينجح في مزاولة مهنة الصحافة.

– التوفيق بين التعامل الإنساني والمهني مع الأفراد والمواقف في آنٍ واحد. – القدرة على العمل الجاد والتّحلي بالصبر ؛للحصول على المعلومات اللازمة، فمهارة الصحفي تكمن في الحصول على أكبر قدر من المعلومات اللازمة لخدمة المادة الصحفية بدقة وبسرعة، وليست في المعلومات التي يعرفها والتي لا يعرفهاوفي هذا الإطار يقول أحد الصحفيين المشهورين:  الصحافي الجيد هو من يرد على السؤال بأنه قد لا يعلم الإجابة لكنه يعلم كيف يحصل على تلك الإجابة.

ثالثاً:المهارات المهنية أو الوظيفية التي ترتبط بمزاولة العمل الصحفي، والقيام بمتطلباته وينبغي على الصحافي تطويرها لكي يصبح صحفيا مهنياً متمرسا وهي ناصية البيان؛ فالصحافة أساسها الكلمة، ومن يفتقر إلى هذا الأساس لا يستطيع الاشتغال بمهنة الصحافة  ،فمهارات الكتابة والتحدث هو نقطة الفصل بين الصحفي واللا صحفي، فربما يتقن الصحفي كل المهارات السابقة، ولكنه يفتقر إلى مهارة الكتابة والقدرة على التعبير اللغوي وبذلك يهدم الجسر الذي هو حلقة الوصل بين المعنى والعقل،، فكلما كان الصحفي على درجة عالية من الاحتراف اللغوي، ويتقن توصيل رسالته بالأسلوب الصحيح متعاملا مع الكلمة كالكُرة في الملعب يحركها كيفما يشاء حتى يصل إلى مبتغاه ويفوز في المباراة مع مراعاة عدم طغيان الجمال اللغوي وأناقة الأسلوب على المعنى المراد توصيله، فيتشتت العقل ويضيع  المعنى، فالمادة الإعلامية الجيدة سواء كانت مكتوبة أو مرئية أو مسموعة لابد أن تشتمل على جملة أو أكثر على الأقل تجذب المتلقِي ولا تغيب عن عقله ولكي يستطيع الصحفي النجاح في ذلك يجب أن يتجنب كل الكلمات الغامضة لكي لا يربك جمهوره وكذلك ألّا يبالغ في الإطالة مع القيام بعملية تلقيح للمادة الإعلامية والاستغناء عن الكلمات المستهلكة التي أرهقت الجمهور وفقدت مغزاها الأصلي ، فقط عليه استخدام الكلمة المعبِرة التي تخدم الهدف وتنقل المعنى المرغوب .-التعامل مع التقنيات الحديثة في العمل الصحفي بكفاءة عالية، فالوسائل الصحفية أصبحت أكثر تطوراً وتعقيدا ممّا كانت عليه؛  فالصحفي الناجح لا يستطيع الاعتماد على قدراته التحريرية، وتجنب التعامل مع التقنيات الحديثة حتى وإن كان لها خبراء ومتخصصون يهتمون بأمرها ولكنه يجب عليه إتقان الجانبين؛  لتيسير عمله ومواكبة تطورات المهنة فالمعرفة الفنية أصبحت جزءا أساسياً من محتوى العمل الصحفي في العمل الميداني خاصة في مناطق النزاعات أو المناطق البعيدة أصبح يعتمد على قدرة الصحفي على القيام بمهام الفريق كلها ويدخل ضمن ذلك الأمور الفنية كإرسال المواد عبر الأقمار الاصطناعية، فالتغطية الصحفية هي عملية تكنولوجية من الدرجة الأولى.-‏ مقاومة الرغبة في الشهرة والنجومية  ،فمن الأخطاء التي يقع فيها الصحفي هو سيطرة حب الشهرة عليه وإعجابه بسمة شخصية في عمله سواء صوته، أو صورته أو المادة التي يكتبها  لأن ذلك يأخذه إلى التدخل بأرائه الشخصية في النص ولاننسى أن من عناصر  قوة القصة الخبرية ،هو تحييد الآراء والمعتقدات وعدم التدخل بأي آراءٍ شخصية لكي تصل المعاني الصحيحة، والأفكار والمعلومات إلى الجمهور -‏القدرة على الموازنة بين المعلومة و توصيل المعنى وعناصر الابراز والجذب ،فالصحفي في كل مجالات عمله يمكنه استخدام عناصر الإبراز والجذب المرئية والمسموعة المتعددة ، كالصور والرسوم والألوان، والجرافيك وغيرها في الصحافة المكتوبة، فهذه العناصر تساعد المتلقي علي انجذابه للمادة وتركيزه عليها ،وهنا يقع الصحفي في خطأ الذهاب عن المعنى والرسالة الأصلية وتقديم عمل فنيّ جذّاب  بلا معنى فالمعلومات أيضاً هي من عناصر الجذب الأساسية والضرورية لنجاح عملية التواصل مع الجمهور .-احترام الجمهور دائماً فبعض الصحفيين البارزين يبالغون في ظنونهم بأنهم على درجة كبيرة من الكفاءة والإتقان المهني ويميلون نحو الجمهور الذي يدرك جزئيات الموضوعات التي يتناولونها  ويتابعونها باستمرار، أمّا الجمهور الذي يفتقر إلى الوعي ويحتاج إلى بعض التيسيرات، غعليه التعامل معه بدقة ومهارة فهو في خانة المستبعدين لديهم ولا يعنيهم وهنا تظهر بوادر فشل الصحفي في أداء وظيفته؛  لأن الصحفي الناجح هو الذي يدرك جيداً أنه عين وأذن الجمهور ولذلك يجب عليه أن ينقل الحقائق والرسالة الصحفية في أبسط شكل ممكن يتلاءم مع كافة فئات المجتمع قليل العلم قبل المتعلم الفقير قبل الغنيفربما بذلك ينقله إلى حالة الوعي ويبدل حاله ويؤثّر في حياته، فمن الذكاء ان يضع الصحفي الجمهور مكانه ويتصرف على هذا الأساس وعليه أن يتوقع أن هناك بعض الفئات ستتخلف عن متابعة التفصيلات الدقيقة، ومن منطلق ذلك يحقق التوازن بين الجمهور الواعي المتابع والجمهور العابر-الموضوعية هو نجاح الصحفي في عدم إظهار مواقفه وآرائه الشخصية في الأعمال التي ينقلها للجمهور وخصوصاً في المواد الخبرية، فيجب على الصحفي مراعاة  عدم الابتعاد عن المعلومات المحددة المراد توصيلها للجمهور ،و عدم الخلط بين المعلومات الموضوعية الخالية من أي تحيّز أو موقف شخصي و القصص والمعتقدات التي يقدمها من منطلق ذاتي وتفكيره وعواطفه، كذلك التحقق من المعلومات والتدقيق في كافة المعطيات تحقق المهارة ذاتها فإن عدم دقة الصحفي في التأكد من المعلومات والوقوع في خطر تقديم بعض المعلومات المغلوطة بشكل غير مقصود  لا يقل خطورة في حال كان متعمداً ومهما اختلفت الآراء والمعتقدات معه واتخذت المواقف اتجاهات مختلفة عليه أن يعرض المادة الصحفية بشكل موضوعي يتسم بالحياد والتوازن  يحقق العدالة  في الطرح  والمعالجة  وذكر كافة الآراء المهمة للأطراف الفاعلة في  الحدث وتقديم الإيحاءات المشيرة إليها  في حال غيابها…
وأخيراً نختم بمقولة غسان كنفاني:٠ “ليــس المهـم أن يمـوت الإنســان، قبــل أن يحقــق فكــرته النبيلــة… بــل المهــم أن يجــد لنفســه فكـــرة نبيلــة قبــل أن يموت”٠

بقلم:هبة المنزلاويكلية الإعلام جامعة القاهرة

%d مدونون معجبون بهذه: