قصبة دلس العتيقة نزهة المشتاق تقاوم ظروف الزمن في صمت.

قصبة دلس العتيقة نزهة المشتاق تقاوم ضروف الزمن في صمت.

ولاية بومرداس،قصبة دلس بلأخص او كما تلقب بالأندلس الصغيرة، كانت محطة لعدة من الرحالة والأدباء والمؤرخين، فقد زارها وذكرها كل من ابن بطولة، والإدريسي في القرن 12 ميلادي (نزهة المشتاق)، والحِمْيري في القرن 15ميلادي (الروض المعطار)، والحسين الورثلاني في القرن 18م (نزهة الأنظار)، والضابط الفرنسي كاريت، والرحالة الألماني هاينريش فون مالتسان في القرن 19م (ثلاث سنوات في شمال غربي افريقيا، ترجمة أبو العيد دودو)، وذكر الحفناوي في كتابه (تعريف الخلف برجال السلف) أحد اعلامها وهو أحمد بن عمر الدلسي، كما مر بها ابن خلدون وأسماها تادلس، اما عن اصل التسمية فيقال ان إسمها اشتق من كلمة أمازيغية (ثاذلسث) وهي شجرة تنبت بكثرة في المنطقة، استغلها الانسان قديما في العمران كسقف للبيوت وفي تغذية الأنعام، وصناعة الحبال، وتستغل حاليا خاصة في صنع المظلات التي تنصب في شواطئ البحر.

عاشت قبائل كثيرة في مدينة دلس، وإن كنا لا نجد في المصادر التاريخية تاريخا دقيقا لتأسيس المدينة، فإن معظمها يرجّح أن ذلك كان قبل 250 سنة من الميلاد، ويذهب بعضهم بناء على الشواهد الأثرية، إلى أنها تعود إلى ما قبل التاريخ، وقد دخلت دلس التاريخ على يد الفينيقيين، الذين أسسوا بها مرفأ لممارسة التجارة مع الأهالي، سمي روسو كوروس Rusuccurus ومعناه رأس السمك او رأس الحوت، ثم ازدهرت المدينة خلال الفترة الرومانية باسم أديمه Addyma،  ويدل تنوع آثارها على ازدهارها خاصة في عهد الإمبراطور كلوديوس سنة 50 ميلادي كالأعمدة والأواني المنزلية والميداليات، وخزانات الماء بسيدي سوسان، والفسيفساء والأطلال المختلفة، وشيد الرومان طريقا بريا يربطها بمدينة بجاية عبر قرية الجمعة نصهريج العريقة، (وتجدر الإشارة إلى أن الفرنسيين قد نهبوا هذه الآثار ونقلوا الكثير منها إلى متحفي الجزائر، ولوفر Louvre بباريس).

تغير اسمها في العهد الإسلامي فصارت تسمى تدلس وارتبطت بالدولة الحمادية، ثم انعكست على المدينة الصراعات التي عصفت بالأندلس جراء انقسامها إلى ملوك الطوائف، وما انجر عن ذلك من عبور المرابطين إليها، في محاولة منهم لإنقاذ الموقف، وتم في هذا السياق طرد أمير مدينة ألميريا الإسبانية معز الدولة بن صمادح، فاستقر بمدينة دلس، وفي عهد الموحدين استولى عليها بنو غانية (علي بن غانية ويحي بن غانية) بدعم من بقايا الحماديين، للانتقام من الموحدين الذين قضوا على إمارتهم في جزر البليار، ثم أصبحت هذه المدينة محل صراع بين الحفصيين والزيانيين.

وبعدها وقعت دلس في قبضة العثمانيين سنة 1515 ميلادي، وجعلوها قاعدة لهم للانطلاق في جهادهم ضد الاحتلال الاسباني للسواحل الجزائرية، ولاشك أن مسلمي الأندلس النازحين إليها قد تجندوا في صفوف قوات الأخوين عروج وخير الدين بربروس، هذا الأخير الذي استقر بها ولازال بيته شاهدا على تلك الحقبة ليومنا هذا.

احتل الاستدمار الفرنسي مدينة دلس سنة 1843م وجعلوها قاعدة عسكرية لبسط نفوذهم على منطقة القبائل، وعرفت توسعا عمرانيا في ظل سياسة الاستيطان، فتم بناء مدينة جديدة في سهلها على النمط الأوروبي.

وتعتبر قصبة دلس من أقدم و أهم المواقع التاريخية والأثرية العريقة في ولاية بومرداس، حتى انها اقدم من قصبة العاصمة، وتتكون من قصبتين وهما القصبة العليا تحتوي على أربعة أحياء عين سالم ، سيدي منصور حمام الروم وسيدي يحيى والسفلى تحتوي كذالك علي أربعة أحياء سيدي الحرفي، سيدي البخاري وحومة الدرب وحومة الميزاب،  لتشبه بذلك قصبة الجزائر العاصمة، لكنها تختلف عنها في أن ”قصبة دلس” بنيت لسكان المنطقة، ولذلك لا تجد فيها قصورا فخمة على غرار القصور التي تجدها في قصبة الجزائر التي بنيت لتكون عاصمة لأيّالة الجزائر منذ انضمامها الرسمي إلى الدولة العثمانية في 1518، وبنيت القصبة بمواد بناء محلية تم جلبها من مدينة دلس التي تحمل اسمها، حيث يتربع هذا المعلم على مساحة قدرها 16.25 هكتارا، ويتراوح عدد المنازل بها بين 200 و 250، شيدت كلها من الحجارة والقرميد والخشب ، لها سبعة أبواب كانت تغلق باكرا في وقت الإستعمار، بنيت علي إرتفاع 25 م علي سطح البحر، مقابلة لمناء دلس ، لاكن بعد زنزال الذي ضرب ولاية بومرداس سنة 2003 م تضررت أسوارها ، وأصبحت بيوتها علي مشارف الإنهيار ورغم إحتجاج السكان وقاطني المنطقة علي الوضعية التي حالت إليها القصبة العتيقة إلي أن بلدية دلس لم تقم بأي تحرك حيال الأمر وحتي محاولت السكان القيام بترميمها بإمكانياتهم الخاصة إلا أن السلطات عارضت ذالك وتحججت بأنها تراث عالمي لايسمح المساس به إلا بوثيقة تسمح بذالك، وتبقي القصبة العتيقة لدلس مكان ومرجع سياحي يقصده كل من زار الولاية ومعلم تاريخي وأثري قيم تفتخر به الولاية وسكان المنطقة خاصتا .

زموري هشام.

%d مدونون معجبون بهذه: