قراءة نقدية: في رواية سنلقي ذات مساء في يافا.

قراءة نقدية: في رواية سنلقي ذات مساء في يافا

 

 

لم يزل الإنسان الفلسطيني متمسك بالأرض وبيارت البرتقال, و أن يزرع الهوية في جسد الوطن كي لآ يتحول  في وطنه إلى غريب لاجئ.

ربما من السهل على ناقد أن يتحول إلى روائي- وربما ليس من السهل على إعلامية أن تتحول إلى روائية أو ناقدة, كما هو حال الناقد الدرامي عمر جمعة, والإعلامية عبير القتال الذين نتحدث عن روايتهم الصادرة عن وزارة الثقافة – دمشق عام 2016, وضمن منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب, ولكن كتابة رواية وطنية إنسانية وجدانية, شيء مهم جداً و محفور بشتى أنواع المشاعر الصادقة والدافئة, و القيم النبيلة والتي تحمل في داخلها كل أنواع الانتماء والكرامة في الحب والإخلاص لكل ما هو تحمله كلمة نبل هو الوطن الذي أسمى معاني القيم والإخلاص, ففي الرواية الوطنية يصعب الفصل بين الوطن و المواطنّة, بين الحب والوجدان- بين الإخلاص ولانتماء.

 كما أن هذه الرواية لا تخلو من الواقع والخيال من حيث التفصيلات والأشخاص والأحداث التاريخية وترتيبها ودقة وصفها, والرواية هي الأولى من كتابتها المشتركة التي تتناول حياة امرأة ورجل مازالت قصتهم ظاهرة وباقية في تاريخ الوطن العربي, وبالأخص سورية عموماً وفلسطين خصوصاً, فهناك أعمال أدبية تناولت هكذا موضوع, ولا كن ليس بنفس الأسلوب, و أرى أن الكاتبين كانا موفقان في اختصار عنوان روايتهما- سنلتقي ذات مساء في يافا- فهذا العنوان التأكيدي والذي يعبر ويصر على حتمية اللقاء والعودة إلى ارض البرتقال إلى يافا التي احد أهم من فلسطين, هذا هو باختصار محتوى الرواية, تحقيق حق العودة إلى فلسطين ففي الصفحة (199) من الرواية: جسر العشاق- “طولنا الغيبة عن يا يافا جدي” عطشُ أنا إلى أرض البرتقال الحزين.. أمدَ يديَ.. أتحسَس حجارتها.. أرصفتها العتيقة وحارتها الضيقة.. دروبها التي هدَها الشوق والحنين.. “طولنا الغيبة عن يافا يا جدي!!”..

وقد غلب الواقع على الخيال بين سطور الحوار الوجداني في الرواية وتقريباً دخلت اللمسات الفنية لتكون الرواية عموماً سردها بالحياة حافلة وزاخرة بالأحداث المثيرة, مع أنها في المصلحة سيرة رجل وامرأة لم يعيشوا في فلسطين سوى فترة قصيرة, وقد مرت الرواية بعدة محطات تاريخية, ووصف حضارة إنسانية لتاريخ مدينتين عريقتين دمشق ويافا- و حين وضع عنوان خاص بمدينة يافا على صفحة غلاف الرواية هو تأكيد على ترابط الحضارة الكنعانية ببلاد الشام, و ترك للقارئ أن يدخل إلى تفاصيل جذوره العربية, و طبعاً الهاجس والهم الوطني طغى على سيرة الرواية من ما تتعرض له سورية الحبيبة من مؤامرة وحرب قذرة تحاك عليها تمثل هذه الحرب بأدوات نفس العدو الذي يدعم الإرهاب من خلال المجموعات الإرهابية, ومازال هذا العدو الصهيوني نفسه يحتل يافا, وباقي المدن الفلسطينية الذي بدوره واحتلاله قسم الأرض والبشر, والزمن والمكان عن بعضهم البعض, وترق الشعب بلا أرض ونهب الحق ونطق بالباطل, بل بمنطق البلطجة والسلب والنهب, والقتل والتشريد, و التهجير, منهم من بقي في يافا.. يافا التي  لم تزل الوجه العربي الكنعاني, وقد يشاء الله أن تكون للحب إن يلتقيان في يافا..

إن الكاتبة عبير القتال المولودة في مدينة اللاذقية والتي تقع على الساحل السوري حلمها كان و مازال الذهاب إلى مدينة البرتقال إلى يافا, فهي قدرها أنها تعرف هذه المدينة لغزارة عشقها لها, فالكاتبان حشدوا وجمعوا كل طاقاتهم الأدبية في توظيف حياتهم الإنسانية والوجدانية بالغة شفافة وشاعرية في رفع مستوى التعبير الذي أنقض القارئ من الغوص في السرد على وجه الخصوص, لكن هناك علاقة حميمة تجمع بين الكاتبان, والتي ساعدت في فتح أفق من فلسطين إلى دمشق وهذا مما ساعدا الكاتبين على التألق بمثل هذه الحالة الإبداعية, فهم من بلاد الشام, ولكن عمر جمعة صاحب المهنة الكتابية, والذي أدرك بوعيه وذكائه وتجربته النقدية شهدت بالرغد رافعة اللغة الأدبية, و الذي شق حدود البلدين الشقيقين بنافذة الدخول من سورية الغالية إلى فلسطين الحبيبة, ولا سيما في منطقة القنيطرة المحررة, ليؤكد على جيل الشباب الفلسطيني والسوري بالعودة والتمسك بالمكان والزمان من الأرض والهوية وليحكم على جيل المستقبل بالنصر الأكيد, وأبناء عموم البلدين هم رفاق الدرب إلى فلسطين التي كانت تعيش في ضمير الشام وأهل الشام الذين يستعدون لتلبية نداء فلسطين وأهل فلسطين من آلة الإرهاب الاحتلال الصهيوني الذي شرد وهجر أهلها, فيكون قدر أشخاص الرواية أن يصلوا إلى يافا وان يعيشوا فيها ويعمل إمام شاطئ مدينة يافا, و أن فجر شعلة الحب في الشباب المسلم والمسيحي. من الرواية صفحة رقم-215-(وجه المخيم) “المخيم ينام ويصحو على جنازة, وحدهم أهله يعرفون لأجل من تبذل هذه الدماء, فالطريق إلى فلسطين يبدو طويلاً, الدمعة لم تفارق عيونهم, والأمهات المفجوعات تحولت لياليهن ومساءا تهن إلى استذكارات تستحضر روح الغائب الذي مضى ولن يعود”. فكان قدره هكذا..

 إن التصدي للاحتلال الصهيوني برواية سنلتقي ذات مساء في يافا, هي عبارة عن سلاح قادر أن يصل إلى عمق العدو الصهيوني, وليشكل ثورة كبرى تحرض النسيان و الزمن والمكان بالذاكرة, و الانتماء, هذه سيرة الكاتبان باختصار, و ما عملوا من أنتاجهم هذا الأدبي رواية  سنلتقي ذات مساء في يافا, بأسلوب ذكي وأدبي تزين بالغة الشعرية عالية المستوى, و تاريخية على محاولة شرحها الروائي, و الشيء الجميل والرائع, و أنت تقرءا الرواية لا تشعر بفرق بين الكاتبان لا بأسلوبهم ولأبلغتهم, منذ بداية الرواية وحتى نهايتها, فهي في قلب سردي واحد, و هناك جمل ومحطات جميلة ومهمة في الرواية:

 ففي صفحة 81-(ولادة جديدة) “كانت أسألُ نفسي, لماذا أعشق يافا دون غيرها من المدن؟!.. لماذا أشتمُ رائحة البرتقال وأشتاق التعطَر بأزهارها..؟.. أتلذذ بفرك وريقات الليمون بين أصابعي وكأنما أرجولة من ضوء تصعد بي لطفولتي الهاربة..” كل هذا من الأحداث التي شكلت مستقبل, شباب جديد على أعتاب هذا القرن, حيث ظهرت حياة وطنية ورجال ذو أرادة قوية مقاومة والتي كانت تحاول أن تغير وجه الأمة وتقلب المعادلة وتعبث حاضر ومستقبل جديد,.. ورغم كثافة الأحداث والمشاهد والصور الشعرية التي أوصلت القارئ إلى واقع تاريخي ثبت أنه كان هنا حاضر على هذه الأرض حضارة الواقع التي مازالت تسكن في ذاكرة الزمان والمكان, وقد يقول بعض قارئ هذه الرواية أو النقاد, أن هذه الرواية كانت صرخة في وجه الاحتلال الصهيوني والإرهاب في سورية, وصداها مازال يتردد حتى ألان في ضمير ووجدان ذاكرة الإنسان, فكانت كل أسماء المدن والأماكن والأشخاص عنوان جميل لن يموت, و كانت ثورة الشعب الفلسطيني المتعقبة والمعاصرة التي ألهبت روح الأمة في المقاومة والتحدي علامة تأكد لشعب أحب الحياة والبقاء في وطن عريق أبى أن يبق تحت القهر الاستعمار, ولعل هذه الكلمات تلخص رأياً شخصياً و قراءة نقدية متواضعة مني: فالأمر يتطلب أكثر من ذلك, طبعاً, وهناك قراءات نقدية قدمت من عدة كتاب, كي يسلطوا الأضواء على جوانب مهمة في أحداث الرواية, مخيمات صفحة (70حتى 71) “في شهر واحد وثلاثة لقاءات عرفت فلسطين أكثر, سالت عن الفدائي والمخيم والشهداء والأسرى وعلاقة والمقاتل الحميمة ببندقيته, بكتْ مع فاطمة وكفكفت لأكثر من ليلة دموع حسن, في شهر واحد عرفت مدى القهر والظلم ومحو الهوية والإلغاء الذي تعرَض له الفلسطينيون, ورأت في عيون من حكى لها عنهم صور الحزن وآلام التشرد والفقدان والحرمان. ما أجمل أن يتذكر المرء أول مرة ارتعش فيها قلبه”, وبهذه النفسية الأدبية هو تأكيد على التمرد والرفض كل أشكال الظلم من الاحتلال الصهيوني البغيض, حين دعاه إلى يافا كان يدرك تماماً أهمية ومكانة الوطن وما معنى قسوة البعد و الغربة والمنفى, (فقال قائل, يا شعب فلسطين تثبتوا وتجذرو في أرض فلسطين فهي قطعة من الجنة) و تظهر إبداع الروائيان لضرورة الحب والعشق بالوطن والمواطنّة, والتصدي للمشروع الصهيوني الاحتلالي المدعوم من قوة الاستعمار العالمي, و برغم من قلة الإمكانات لدى الفلسطيني يبقى الانتماء هو سلاحه القوي ليتحدث به بالمنطق عبر ذاكرته للعالم (وفي صفحة 248)”إنه الخامس عشر من أيار, وفي مثل هذا اليوم من عام 1948م حدثت النكبة, خرج أهل غسان من فلسطين هرباً من نيران الهاغانا وشتيرن وباقي العصابات الصهيونية.. لقاء اليوم مختلف جداً.. العالم العربي على مفترق طرق, وفلسطين البوصلة التي يلتقي عليها هذا العالم.. وطني اشتعل ربيعه بالدم”..لكن كانت شخصيات الرواية: عبارة عن جنود مقاتلين يمتلكون قوة الحق والوعي والمعرفة ويجب التصدي لهذا المحتل الغاصب بكل وسائل النضال المتاحة لهم, و يدرك مؤلفو الرواية: تماماً قدرة وإمكانات الشعب الفلسطيني في التضحية والفداء من خلال مقاوماته الباسلة والمستمرة عقب فترة من الزمن منذ نكبة فلسطين عام 1948حتى يوماً هذا, و هو في عملية نضال مع العدو الصهيوني, وأن أحداث الرواية هي جزء لا يتجزأ من ثقافة وتضحيات ونضال الشعب الفلسطيني و السوري الشقيق المتواصل والمستمر, و قد يكون هذا الشكل من النضال له تأثير على العامة من أبناء الشعب الفلسطيني والعربي, فهو تأكيد على ثقافة وأدب المقاومة, فهذه الرواية هي سلسلة استكمال للأدب الفلسطيني المقاوم- نعم لقد نجح وإفلاح الروائيان عمر جمعة وعبير القتال في وضع دراسة أدبية ننظر إليها على إنها استكمال الرواية الفلسطينية المفقودة, و أننا وجدنا قسمنا المفقود: فالكاتبان لم يكنا فقط حريصان على بلورة وحشد انتماء الفلسطيني إلى وطنه كما هو واضح في الرواية: بل حاولا بذل كل جهداً للتأثير بالرابط الوطني والحضاري والاجتماعي والتاريخي بين بلاد الشام, و هذا واضح في السرد الروائي, و في موضوع آخر من الرواية تعاد الفكرة, إلى محاولة التأكيد على هذا الموضوع عبر أسلوب أدبي فني شعري, له تقنية عالية الإقناع, و هذا واضح تماماً في مسار الرواية عبر النقاش والحوار الذي يشارك فيه شخصيات الروايةغسان وبحرية) ففي الرواية من الصفحة رقم- 256-“يافا التي تخاف أن تترك انتظارها خلفها يا غسان جاءتك..لا تريدك أن تطيل انتظار لقائها..عشر دقائق وصلنا, و على أمتار من برج الساعة أنزلني.. أهم معالم يافا التي بناها السلطان عبد الحميد. تماماً كما حكى كنعان لوالد غسان.. أعادتني إلى أزقة دمشق القديمة”.. وإضافة إلى حالة الوعي الثقافي تجاه هذه المسالة الحساسة بين شخصيات الرواية, أي هم يعيشون موقف حقيقي تظهر لغة الانتماء, و كيف يتم الأسرار على تمسك الإنسان الفلسطيني بالأرض وبيارت برتقال يافا,. نعم لقد استطاعوا أن يزرعوا السكينة في حركات الجسد كي نسأل أنفسنا أين نحن من هوية بلا وطن أو وطن بلا هوية, كيف يمكن لعربي فلسطيني أن يتحول في وطنه إلى غريب لاجئ, و لكن الحب والعشق للوطن والتمسك بالأرض والشعور بالانتماء هم أدوات الزمن الحاضر في وطن المكان: وهو هوية الذاكرة, و تعالج الرواية مسألة بالغة الحساسية, و هي العلاقة بين الإنسان والأرض ويبدو, أن الكاتبان- عبير القتال وعمر جمعة- عشان حالة حب وعشق عميقة ظهرت على رسالة الرواية وعنوانها, و لكن يبقى القارئ مستمتع في هذه الحالة كي يبقى الحوار من خطوات التعبير والتشويق والتمتع, و هذه حالة سليمة تحمل جوانب الواقع عبر هذا الحوار الفني: لعله يدفع بالقارئ إلى تحقيق الهدف, وليست هذه المرة الأولى التي نشاهد ونلمس فيها تجربة بهذا الشكل بل هناك العديد من التجارب الأدبية التي كانت في نفس المستوى و نفس الأسلوب, حركة ثقافية متكاملة, وهذا هو الحوار يلخص فلسفة الأدب المقاوم..

 و رواية سنلتقي في يافا ذات مساء, هي إرث في موازين القوى الذي يهزم الفكر الانهزامي, و يبقى هناك سؤال: هل سيلتقي الكاتبان ذات مساء أو ذات يوم في يافا؟., نتوقع جواباً آخر مم الروائيان: وسيظل الأمر محل نقاش وتوقعات هناك طباعات جديدة كي تكون رداً ربما؟!. الرواية لم يغيب عنها الحديث عن الجانب السياسي ولا الديني ولا التاريخي, ففي شخصية الرواية هو الإنسان الذي عمل على إبان وجوده, فيذكر في  الرواية: (أبواب يوسف السبعة) “الجامع الأموي, ومرقد صلاح الدين الأيوبي, بيوت اللبن المعلقة على أطراف سور دمشق تقاوم الضياع, جدرانها المتكئة على بعضها في تعانق مع عرائش الياسمين, يدهشكَ هذا التناغم بين المباني التي تضمها الكنيسة, الأثري منها والحديث, بدءاً بكنيسة سيدة النياح الأثرية, للدار البطريريكية, دار القديس نقولاوس, وقد تعانق الصليب بالهلال”..

فلم تقتصر الرواية على الجانب الأدبي في جانب شخصية غسان, ولكن الرواية كانت مدخل تاريخي جاءت هذه المرحلة كمحطة من دخل شباب مسيرة العودة من الجولان الحبيب إلى أرض فلسطين و دخول احمد حجازي إلى يافا: دون أن يوقفه أحد, و قد يكون المبرر أن هذه الرواية من جيل الشباب, و لكن من الطبيعي إن تكون شاملة لأن الأدب ليس له عمر محدد, حيث أراد المؤلفان خلط القيم والمفاهيم ووحدة المصير بين الشباب الفلسطيني والسوري, أجملاً فإن رواية سنلتقي ذات مساء في يافا: محاولة جيدة من أعلامين أدبين لربط التاريخ الحضاري بالواقع الحالي, وشرح الحالة الثقافية بين سورية وفلسطين ورسم خارطة الأخوة عبر أدب مشترك وتجربة  ناجحة من خلال سيرة فنية مرتبطة عموماً بالرواية العربية.

 

 

بقلم : د. فضيل حلمي عبد الله

%d مدونون معجبون بهذه: