قراءة نقدية في المجموعة الشعرية للشاعر رضوان هلال فلاحة “دون عرشكَ والماء” .

قراءة نقدية في المجموعة الشعرية للشاعر رضوان هلال فلاحة "دون عرشكَ والماء"

من أين يأتي هذا العنوان ؟

هذا هو سر الوجود أم سؤال ضمن الحدود؟؟..

 من فجر البدايات إلى بزوغ قيم الخير والحق والجمال في ملحمة الوجود..

هو اسم في جوهر الشعر منذ الأساطير الأولى حيث مجاز الحياة والخلق والصعود إلى فلسفة البقاء.. إنها دائرة الشعر ما بين الجسد والمعنى و جوهر صراع الروح ..

إنه الشعرمنذ تلبس به الخيال والجنون أصبح خطاب الحقيقة والخطيئة و موقع التمرد والعصيان وتهمة الشعراء..في زمن الصمت يقف الشاعر رضوان هلال فلاحة يتأمل.. ينظر من شرفته إلى السماء يعكس في فضاء الكون بركات الأرض..

دون عَرشِكَ والماء يطلع الحقيقة على القارىء..

 يتهجّى الشاعر دفتر الأيام و يتلمس دفء الاسم والسؤال ومرارة الواقع والخيال.. من وجع الكلمات تولد القصيدة ومعاني الشعر, وتقيم الروح الكائنة بثقل الذاكرة..في هذه المجموعة الشعرية الثانية. يراوغنا الشاعر بالعنوان .. عنوان المكان.., وعنوان الكيان.., أنتَ.. دونَ عَرشَكَ والماء.. إنها إحالة على مكاشفة الأنا – الآخر.. إعلان فعل كشف ومكاشفة, ومخاطبة, ومرجعية ميثولوجية على سيد الحياة: دونَ عَرشَكَ والماء اسم يجمع في صلبه نسغ البداية ورمز الوجود والبقاء.. هو الشاعر  ينعكس في حقيقة مخاطبة الشعر في عصر الحصار والحروب القتل والموت والهزائم والفوضى الخلاقة وثقافة التطبيع, وما بينهم احتلال واغتصاب ودمار ومنفى وغربة.. ومن ثم يعلن انتماءه لسلالة الأنبياء والانتماء للأرض.. يأتي العنوان: دونَ عَرشِكَ والماء إذن من صلب أسطورتنا الأولى.. منذ الأسطورة الأولى حيث واجه الإنسان الاَلهة و الطبيعة بالرغبة الجامعة في سرقة الطفولة والحقيقة.. منذ بداية الحضارة في دهشة ذاك الفدائي الوحيد في الكون وفرحة الحياة للأرض:

-الأرض أم-

 أمي لطين السعي بين قدميكِ إيابي / يا انحناؤكِ على ظهري صلاة ..

 يا للقيامةِ إذ ناديتِ الله اَهٍ يا ولدي /على عهدِ زيتونكِ الكنعاني في دمي

كلُّ يقرأ يا أمّاه / ولم يُجِدِ القراءةَ فينا إلّاه شهيداً…

 طَعَنّ فأردى دونَ حذائهِ جِيَفاً /استرضعتْ اَيارَ نفطهِم..

 استرضعتْ بأيدي العاهرين كياناً / وتقيّأتْ لمّا أتخِمَت على أشلائنا مستنقعاً

..زفَ القحاب له كرسيّا وقالوا مقاماً / سوّروه وَوَثّقوه ودَفَنوا مفاتيحَ القيامة.

وأنشدوا أي علّموا أبناءَكم / أمنوا واَمنوا وتناكحوا وتناسلوا وتعاهدوا..

 تلدُ نعاجكم من ذئبهم أمناً وأماناً / طَعَنَ..وامتدّ يعدو ولِخطا عَدوِه ظلالاً..

أين مديحُ ظلك العالي.. الاَن / قد دَكّت طعناته بطونَ النفاق..

فتقيّحت على كروشِها العروشُ / وامتدّ يعدو فما استفاقَ لنبوءةِ عَدوِه النعاس.

 أناديكم.. أبناءَ أمي وأناديني فيكم / فلنسقمْ لنداءِ الأرض قياما.

في رعشة الكلام المباح يعشق السؤال الذاكرة وتتمت صفحات الكتاب الحية برعشة بياض الكلمات التي تحلق بالشعر بريح الروح الحرة.. يتسع المدى ويحفل الصمت بنداء الطفولة التي هي خارج الحسبان.

– خارجُ الطوفان:

المسافةُ بَينَ عناقَين رحيلٌ / فعانقيني بلا جسدٍ..

لاطوفانَ لهذهِ الأرض / كلّهم عبدوا الإسفلت لوهجِ المطر

 فلنكُن كلمةً للبدءِ بأرضِ فوقَ السماء / يُعلم فيها هابيلُ قابيلَ..

كيف يَنحتُ بمِديَتِه وردةً حَجَريّة. 

 ينتفض الشاعر بالمكان برغبته في بصيرة السماء يحلق في ركام الحياة وصور الشهداء التي تؤثث له غربة البقاء و المعنى الحقيقي للوجود.. في كل الأحوال.. سألو هديل الحمام وهو يطير ويحلق فوق حدود المكان.. تطلع هذه المجموعة الشعرية من ضيق تفس المكان.. بانقلاب الحروف على الحروب.. هو هو الشاعر رضوان فلاحة  القلب الساهر على منعطف الزمن يرمم شتات الفضاء ويحتفي بنبض البركان بمنفاه المتهاوي بضباب الدخان الذي مازال في- انصهار-: أنا الدّودةُ أيّها الجوارح.. لخريفكم حريرُ شرنقتي.. ولربيعكم فراشاتُ بعثي.هذا مشهد السؤال مخاطبة دونَ عَرشِكَ والماء والعنوان بحكمته: إنه إطلالة على جوهر الإنسان الذي يرفض الانتحار.. إلى تلك الحقائق الأولى التي حاصرتها الأكاذيب .. يرتحل الشاعر مخترقاً جنون البشر متحرفاً الخطاب لأسفار التكوين وحميمة النشئ الأول.. يمشي  المؤلف في المكان والزمان على شوك الشوارع الملتهبة بالرماد يتهجىّ سيميائية العلامات المسكوت عنها, كما لو كان يمتلك الأفق, ينفتح السفر الأول على استعارة الاسم الأول: كيف خرج الإنسان من موته.. من كيانه..من وطنه.. لكنه لم يخرج من وحدته.. لم يخرج من همه.. لم يخرج من انتمائه.. تداعى المؤلف بهذه الأسئلة إلى رب السماء.. فجاء في عنوان المجموعة دونَ عَرشِكَ والماء, و من هنا  يأتي النص الشعري ليعرف القارىء حقيقة ومعاني العنوان: 

أزبدَ المُتكرّشُ / وانكسرَ الرغيفُ

بين ثنايا الأغنيات / بلّلَ فتات الوقت

وأنكرَ صياحَ الديكِ ثلاث / أشبعَ أكباد ربيباتِهِ بِعَطنِ فحولته

دهن أجسادَهنَّ بروائِحِه / لتنتمي إليه المُخادنة والمضاجعة والمقامرة

يحتسي نَخبَهُنّ رقصة على حبائلِ الانتشاء / ويأمنُ أنّ المواسمَ

والمآتمَ والرقصَ / بضفتيهِ على شواطئ مدِّهِ والجَّزرِ..

وعطاءاتِ الناذرين / بين ساقَيهِ دونَ الرّكبتَين ..

هو الشاعر أيضاً يؤلف بين الوطن والموّاطنة و انتماء الإنسان لهم و إلى الأرض والدفاع عنها والكرامة والعدالة, وتضحية الشهداء في سبيل التحرير من الاحتلال الصهيوني المحتل لفلسطين والجولان الحبيب, وللإنسان العربي الذي يحاول أن يحتل عقله هذا العدو الصهيوني الغاصب.. وبين حب الحياة و الناس,.. وهو الحب فعل إرادة و مكاشفة ورغبة في التوحد بأنثى القصيدة.. استعارة عابقة بعطر كل النساء.. هذه امرأة الأرض, امرأة الحرية والاستقلال, تأتي بلا موعد.., أنثى فلسطين, تختال في مخيلة الأشياء تعبر الفضاء وتشرق على الشهداء والناس البسطاء وتغسل تعب الرجال الأبطال بقطرات الندى  وتمسح عن جبين النخيل هزائم الزمن..

:ترابُ فلسطين اليومَ حارُّ..كالأمسَ / وطعمُ الدَّمِ على دربِ الخلاصِ حلو..

لِرِمحِ روما طعنةُ بخصرةِ الانتماءِ / وثغاءُ صحراءٍ تُعِدُّ طقوسَ الولاء..

تنحرُ حمراءَها دونَ مبكى الاغتصابِ / لترعى عشباً ربيعياً خالداً.. على أشلائنا………..   إنه رضوان فلاحة جوهرة المكان يثير حروف القصيدة ويرفض الموت  بشكل الانتحار.. يتهجىّ تفاصيل الأنوثة الصاخبة بلهيب الرغبة وحكمة الرهبة.., امرأة لها رقة من أنوثة هذا الزمن.. تكون أسطورة الحضور والغياب, ترتدي رغبة الاحتفاء, صدرها شاطىء بربري, وشكلها واضح كالقصيدة,.. أساطيرالأبواب و الاتجاهات, بوصلة العاشق كي يتيه يبحث عن وطن فيه امرأة تشتهيه…هذه استعارة الجسد الحي واشارة الوجع المسجىَ في عواطف الزمن العربي.. ينحتها رضوان هلال فلاحة من كيمياء الحزن والتعب والحلم والأشياء.. تتصدَر القصيدة كلها وتتلبس بكل القيم: وتبقى امرأة

– مَيضأةُ الاكتمالِ- ضَوءانِ وما تبدّتْ بَعدُ/ وقمر خجول ينوسُ على عَتَباتِ سمائِها

ضوءانِ والصعودُ إليها ابتهال/ خطوتانِ في الذاكرةَ..فانطواء..

 كي لاتَعجَلي في الرحيلِ / أخبّىءُ مِنكِ أشياءَ المغادرةِ السريعة..

 كم طَوَيني في رَحِمِ دِفئِها / وضَمَّمَتْني رحيقاً لانتظاركِ..

مدينتانِ تغفوانِ على رَجعِ المعاني / ونَشيجي يصحو على غنائي..

وانشطار / كي أكونَ أشياءَك..أشياؤكَ منّي أُصلّي

 فاحتواءُ /  قبلة بين خوافي راحتَيكِ..وأشرَقتُ يماما..

أسدلي عليّ جفنَيكِ..لأنسابَ..قطرةً.. قطرة ..

تلك المرأة عروس الشعر وخدن المسافر من تعب الطريق و أوجاع الشوارع و المقاهي والحانات و”ضيق الخاطر” .. ينسج القصيدة أطيافها في فضاء الزمن, و هو مكان المعاينة الذي انتبه اليه فلاسفة الشعر, مرلو بونتي وهايد غير وجورج باتي: فضاء الجسد / المعنى الذي يتجاوز جسدانيته إلى صورة الفرد/الجمع تهب الروح فيه كالريح في فضاء الوجود الكوني فإذا بالمكان يصبح فسحة للمكان: “العرش والماء كما النص يوقظني دون صوت فأرى العالم أرحب مما يجب” يستوي العالم الأعرج في تناسق الجسد الحي وتصطف الكلمات من فوضى الكلام في أجراس الحواس فبرسم الشاعر ذاكرة المستقبل في هذه الأبجدية المتحررةّ من كوابيس الصمت العام وقواميس الضجيج وكواليس الظلم..  

قيد: وماذا إنْ أوثقت َ عُنقَ السّعارِ بعضَ الوقتِ / إلا أن تلهب الجموحَ فيهِ أكثر..

هذا دونَ عَرشِكَ والماء هو الشعر فعل مراوغة للصمت بشعرية العلاقة بين “أنثى القصيدة” و”أنثى البلاد” لعبة الوصل والوصال بين هواجس الزمن وضيق المكان.. بل هو مخاطبة الحوار مع الذات ليتجسد في تحول الضمير المفرد إلى ضمير الجميع : لكي تستيقظ النبرات فينا و تحترق الأكاذيب .. دونَ عَرشِكَ والماء هو نداء اليقظة.. نداء الانفصال عن خطابات الغناء والبكاء.. نداء الروح للجسد.. نداء الحياة للحقيقة..بعيداً عن  كتابة النبش في أساطيرنا الحية وأحلامنا المشوشة بالتناص الضمني, والتي  ومدونة عناوين كثيرة, مثل جدّتي, وفي رحمِ الكلمةِ و المَدَى, التي مازالت في تضاريس..

ما بعد التكوين هيولى: أللفكرة ولادةٌ من رحم الاحتراب/ ليزهرَ غنائية

على مقاصل الفكرةِ / فلمن تعيرُ ما أودعتكَ أمك

امتلكْ ما بعدَ الإجابةِ كنهَ السؤالِ / واقرأ تَمرُّؤكَ في تضاريسِ الممكن ..

لقد قادني خطاب وحوار عنوان المجموعة الشعرية للشاعر رضوان هلال فلاحة: دونَ عَرشِكَ والماء.. إلى سؤالي عن الشعر منذ راودتني ( مجموعة الأولى ..جرار الخوف ومطر ناعم ) . هو سؤال ثابت متحول.. أصبح السؤال اليوم في ثقافتنا الشعرية  مفتاحاً استراتيجياً يتجاوز الشعر إلى لغة الإبداع في سياق فهمنا لشروط إبداع وجودنا.. هل يمكن فصل سؤال أنطولوجية الشعرية العربية عن أسئلة أركولوجيا الذاكرة الثقافية؟.. لاأعتقد ذلك لأن الراهن الإبداعي مشدود إلى قدرة الشعر على تخطي مزالق الافتتان بالحداثة دون السقوط في انتحار نسف الذاكرة والتعتيم على مرجعيات المثقف العربي… واعتقادي أن الأستاذ:المحامي. الشاعر. والناقد. رضوان هلال فلاحة, من خلال هذا الديوان وكذلك الدواوين والمؤلفات السابقة, واللاحقة, “جرار الخوف ومطر ناعم ” “دون عرشكَ والماء ” “الكلمة في ميزان المعرفة ” “هيولى التكوين”  قد فهم منهجية هذا المدخل التاريخي الإبداعي لاحتمالات الحداثة الشعرية العربية. 

*بقلم د.فضيل حلمي عبد الله

%d مدونون معجبون بهذه: