في دائرة الضوء (أولويات السياسة الأمريكية )

في دائرة الضوء (أولويات السياسة الأمريكية )

بات تمدد نفوذ   العملاق الصيني في كل بقاع العالم  يؤرق صناع القرار  الأمريكي ، ويقض مضاجعهم ، بسبب اقترابه من التربع على عرش الاقتصاد العالمي وعلى ضوء ذلك ،  قررت   الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة بايدن ،   التفرغ لمجابهة العملاق الصيني ، و تهدئة وتسكين كافة بؤر التوتر في العالم ، 

ومنذ أن أصبح بايدن سيداً للبيت الأبيض ، وضع جُل اهتماماته ، التصدي لأزمات  الداخل الأمريكي وبخاصة مواجهة تداعيات الكورونا والاقتصاد ، ثم تقليص   القوات الأمريكية في الخليج ، والانسحاب  من أفغانستان ، ووضع كل ثقله في ٱسيا ، ومنذ الأيام الأولي لتبوأه مقاليد الحكم ، بدأ بتفعيل دور الحلفاء التقليديين ، ووضع الخطط ، والاستراتيجيات لمواجهة الصين وروسيا ،

وعلى صعيد الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ، لم يعط اهتماماً لهذا الملف ، ولولا انفجار الموقف في العدوان الصهيوني  الأخير على ، لما أوفد وزير خارجيته بلينكن إلى فلسطين والقاهرة وعمان لتطويق الأحداث

بايدن الذي يحفظ عن  ظهر قلب أدق التفاصيل وخبايا الصراع ، اكتفى بدور الأمريكي من الأصول اللبنانية  هادي ، مساعد وزير الخارجية الذي يكثف جهوده علي اختزال الصراع بمد المساعدات وبعض القضايا الحياتية وهذا يؤكد مدى عدم اهتمام الإدارة الأمريكية بقضية حل الصراع

وفي الحقيقة ، لا تختلف الرؤية كثيرا عن خطة الرئيس السابق، دونالد ترامب، التي أراد فرضها بعلاج الصدمة، ومن دون حاجةٍ الى أيٍّ من مظاهر الدولة أو السيادة الفلسطينية، فالرؤية الجديدة في واشنطن، وهي منسجمة مع خط وزارة الخارجية الأميركية في العشرين سنة الماضية، تعتمد على “التدريجية” التي أصبحت مفردةً مستعملةً بشكل لافت في أروقة اتخاذ القرار ومراكز الأبحاث الصهيونية والمتنفذة في واشنطن…

المطلوب إسرائيلياً وأميركياً ، تفعيل الفراغ السياسي ، وهذا ما تحدث عنه رئيس الوزراء اشتية الذي صرح بأن حالة الفراغ السياسي التي تسود المشهد ، غير مقبولة …

يتطلّب مفهوم “الرؤية التدريجية” للحل “دعم السلطة الفلسطينية وتمكينها”، ومنعها من الانهيار، فعملها ضروري لضبط الشارع الفلسطيني أولا، والتوقيع على حل مستقبلي ثانيا، وإن كان مسؤولون في الإدارة ومراكز الأبحاث يفضّلون إيجاد قيادات جديدة، وتشجيعها، أملا في أن تكون ذات مصداقية، حين يأتي ميعاد المفاوضات النهائية على مخرجات، باستثناء بعض التفاصيل، مقرّرة مسبقاً. ولكنّ هناك شروطا وضعتها الإدارة الأميركية، وكشفتها تصريحات مسؤولين ومقالات كتّاب مقرّبين من البيت الأبيض،  تغيير المفاهيم الامريكية تجاه عملية السلام ، سيؤدي بالضرورة للانفجار ، لأن كافة المعطيات تؤكد أن هناك اتفاقاً ا مريكيا صهيونياً على مرحلة الصمت ( اللاحرب واللاسلم ) واختزال قضية الصراع على المساعدات وبعض القضايا الحياتية  ،بالاضافة إلى ذلك ممارسة الضغوط الأمريكية على الكيان الصهيوني على عدم الإقدام على الضم ومنع التمدد الاستيطاني على الأرض الفلسطينية

وفي الحقيقة يسعى هادي إلى  التأجيل الإسرائيلي الرسمي لضم أراض من الضفة الغربية وغور الأردن (وإن كانت إسرائيل مستمرة في بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي) وفتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وإعادة تفعيل القنصلية الأميركية في القدس، 

القيادة الفلسطينية التي رفضت صفقة القرن ، قد ترفض أي شروط مستقبلية من إدارة بايدن ، لأنها مقتنعة أن التأييد الأمريكي تأييد مطلق وهي حذرة جداً في الطروحات الأمريكية ، ولكنها عاقدة الأمل على دور أمريكي فاعل يمارس الضغوط على الكيان لتفعيل حل الدولتين على الأرض وإقامة الشعب الفلسطيني دولته وانهاء الاحتلال الصهيوني  ،

وتسعى الإدارة الأمريكية جاهدة إلى إطلاق مفاوضات ولكن بالشروط الإسرائيلية وإن كانت قد تعيد عمل القنصلية، إذا وافقت إسرائيل كبادرة حسن نية”، لتليين موقف السلطة من الشروط الأميركية، وهي الشروط نفسها التي فشل ترامب بفرضها على السلطة، إذ اقترنت بقبول صفقة القرن وإنهاء حقوق الشعب الفلسطيني.

الدور الأمريكي هذه المرة ، يختلف عن توجهات إدارة ترامب وان ختلفت، هذه المرة عن شخوص المبعوثين الأميركيين، وهذا بحد ذاته مهم لفهم أجواء وربما سيكولوجية الأحداث والمحادثات الأميركية الفلسطينية، فإدارة بايدن لجأت إلى أسلوب الدبلوماسية الناعمة بهدوء اللهجة، وليس في مضمونها، واختارت مسؤولَين عُرفا بمعارضتهما   الحادّة، لمشروع صفقة القرن، ذلك المشروع الذي صاغه المجرم نتنياهو من بنات أفكاره

وليم بيرنز  السياسي الأمريكي المحترف   (مدير وكالة المخابرات ( السي اي ايه ،  ) ومن خلال  تحليلات له  نشر آراء تعارض  صفقة القرن، وتعتبرها غير عادلة وغير مقبولة.، ولم يكتف بذلك بل  شن هجوماً لاذعاً على الإدارة السابقة وكيفية التعامل مع هذا الملف الشائك ، خاصة أنهم توكلوا المهمة المراهق البيت الأبيض ( كوشنير )

إما مساعد وزير الخارجية   هادي عمرو، قبل فقد انتقد ترامب  ، ساخرا من فريقه الصهيوني المتطرّف.  وهو اللبناني، الذي يعرف جيداً شعبنا ويدرك معالم الصراع وأدق التفاصيل عن ذلك

وغنيٌ عن التعريف اعتمدت إدارة بايدن  على هادي عمرو لمعرفته باللغة العربية والثقافة وتاريخ القضية الفلسطينية، إضافة إلى علاقاته الواسعة مع كافة صناع القرار في فلسطين والعالم العربي ، لذا اوفدته إدارة بايدن لإجراء محادثات مطولة مع الصهاينة وقيادتها الفلسطينية

القد لاقي تعيين عمرو ردود  فعل إيجابية من سياسيين ومفكرين ومثقفين  في العالم العربي ولكن في تاريخ السياسة الأميركية قلما يتم تنصيب شخص من دون أن يلتزم لازماً  صارماً  بالسياسة الخارجية الأمريكية التي تساند المحتل  في كل زمان ومكان ، لكن إدارة الرئيس بايدن اعتمدت على معرفته باللغة العربية والثقافة وتاريخ القضية الفلسطينية، إضافة إلى علاقاته الواسعة، وسنواته في لبنان، فقد نسج علاقات وثيقة مع أكاديميين ونشطاء، وسياسيين ، في فترة إدارته مركز (بروكينغز ) في الدوحة، فأصبح شخصا مألوفا، بل وصديقا لبعضهم، عدا عن أن احتكاكه بقيادات عربية فاعلة ومؤثرة ، وقد أكسبه ذلك ،  حين تولى مهمات لمؤسسات دولية وأكاديمية، تجعله مقبولا من الفلسطينيين والعرب

أما وليم بيرنز، فهو ليس مديرا تقليديا للمخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، فهو دبلوماسي متمرّس، اشتهر بدفء علاقاته وسحر شخصيته وقربه من الناس خلال عمله سفيرا لبلاده في الأردن، وأتاحت له سنوات عمله رئيسا لمؤسسة كارنيغي بتوثيق معرفته بالفلسطينيين، من كل الاتجاهات والأعمار، فهو أقرب إلى خبير، ويفهم أبعاد القضية الفلسطينية، لكن ذلك قد يجعله أخطر من سابقيه، وإن كان لافتا التزامه بحل الدولتين، لكن إدارته مؤسسة أمنية معنية بالعالم الخارجي تجعل هدفه الأساس مواجهة المد الصيني، وليس حقوق الشعب الفلسطيني. وإذا صحّ ما تسرّب عن طلب أميركي، تشكيل لجنة مشتركة إسرائيلية – فلسطينية “لمراقبة ملف الأسرى والتعليم”، فذلك يعني أن إدارة بايدن اختارت خيار إدارة الصراع، بتمكين إسرائيل ليس بالوصاية على السلطة فحسب، بل على الشعب الفلسطيني وعقله ووعيه، فيما تتفرّغ لأولويتها الاستراتيجية في مواجهة تمدّد نفوذ الصين، كما أقرّ بذلك بيرنز، في مقابلاته في الاعلام ويبدو أن يمسك بملف التطبيع مع الدول العربية ، خاصة أنه معروف بقوة المامه بملف الصراع العربي الإسرائيلي ، لذا مطلوب منه إلا يضاً أن يواصل التطبيع  مع دول عربية أخري ارتأت عدم التطبيع

السياسة الأمريكية لم تتغير وان اختلفت الأساليب ، ومهما وضعت أساليب التجميل ، فهي تحمل في طياتها مساندة المحتل الصهيوني ، وتنصيبه شرطياً للمنطقة وبناء تحالفات عربية لتفعيل هذا الدور القذر ، ولسان حالها يقول انتهى عهد الوجود الأمريكي على الأرض ، وحان الوقت لقيام الوكلاء بهذا الدور ، فاللاعب التركي مهمته إدارة دفة الأمور في أفغانستان ، والصهيوني مجابهة النفوذ الإيراني ويبقى السؤال الملح هل ستنجح إدارة بايدن ؟ وهل تسكين ملف الصراع العربي الإسرائيلي والتفرغ لمقارعة النفوذ الصيني هو الحل الأمثل

الايام القادمة تحمل في طياتها الكثير

 بقلم: الكاتب الصحفي جلال نشوان

%d مدونون معجبون بهذه: