عندما يكون الكاتب مضحّياً من أجل كتابه ٠

عندما يكون الكاتب مضحّياً من أجل كتابه

بقلم: رائد محمد الحواري/ فلسطين

أعد فراس حج محمد هذا الكتاب “لا شيء يعدِلُ أن تكون حرا” بعد صدور كتاب “نسوة في المدينة”، وقد قسمه الكاتب إلى قمسين، الأول يتحدث عن كتابه، والثاني خصه لما كتبه القراء والنقاد، فقد أوضح في القسم الأول بعض ما أُريد من نشره، فهو لم ينشر للتشهير أو للفضيحة: “فكما يظهر في النص الديني القرآني والنصوص الدينية الأخرى فإنها ليست تشهيرية مطلقاً”، “إذن تتجه الكتابة في هذه الحالة نحو هدف مهم يتعلق بحياة الفرد في المجتمع، وهو “التطهير” من ثقل الفعل نفسيا”. “فالكتابة تبرّئه من الفعل، لأنه يدخل في باب الاعتراف، وتخلص النفس مما يثقلها ويوجعها، والكتابة عموما لها هذه القدرة على التطهير من كل ما يثقل النفس من أوجاع وآلام”، و”تجعل الفرد شخصا متوازنا صادقا مع ذاته، فمن كان من الآخرين بغير خطيئة فليرجم هؤلاء الكتاب بحجر”. ص25

تركيز الكاتب على لفظ “تطهير” يوحي وكأن هناك (خطيئة حقيقية) أقدم عليها، ويريد أن يطهر نفسه منها، ولكنه لا يريد أن يتوب، بمنعى أنه يريد أن يُغفر له ما قام به (افتراضيا)، ليبدأ من جديد في مواصلة ما أقدم عليه من (خطيئة)، فهو لا يريد أن يتوب (توبة نصوحاً) بل توبة مرحلية، كالحاج الذي يذهب إلى مكة ليتطهر من ذنوبه، ويبدأ مسيرة (الأذية) من جديد، وهذا ما وجدناه في قول الكتاب عندما قال: “إن الإنسان وهو يكتب ذاته ويعريها من كل أسرارها يصبح شخصا أقوى من الشخص الذي تستعبده أسراره، فلا أحد يستطيع أن يبتزه أو يحط من كرامته”. ص26

فهنا إشارة ضمنية إلى (القوة) الجديدة التي يسعى إليها الكاتب، ليكمل مسيرة الخظيئة، فهو يبدأها وهو مرتاح (الضمير) وأكثر قوة، وخصومه أقل قوة، بعد أن سلبهم ورقة “ابتزازه”.

من يعرف فراس يتأكد من أنه لم يُقدم على فعل الخطيئة، وإن حدث شيء فهو شيء هامشي/”على الهامش”، وهذا ما أكدته الروائية “وفاء عمران محامدة” في مداخلتها حينما قالت: “وأنا أعرف الكاتب شخصيا كونه زميل عمل، وهو في الحقيقة مغاير لما تعكسه كتاباته ومختلف عن الفكرة التي يمكن للقارئ أن يكوّنها عنه، فهو مهذب جدا وخلوق ومتواضع لدرجة أنه يشكو كثيرا أنه لا قراء له، وربما مردّ تلك الشكوى هي قلة الاهتمام بالكتاب عموما”. ص198، وبما أني أدعي معرفتي الجيدة بفراس، فإنني على يقين أن ما يكتبه لا يمثل الحقيقة، حقيقة فراس، بل هو خيال كاتب ليس أكثر.

من هنا سنجد الكاتب (يتوهم) ما سيكون عليه حاله بعد نشر كتابه “نسوة في المدينة” يقول متخيّلاً: “ثمة أشياء ستحدث لي بعد هذا الكتاب، سيشيع بين القراء شيوعا كبيرا، وسيطبع عدة طبعات عربية ومحلية، وسيزوره تجار الكتب، أما أكثر الأحداث توقعا فهي ترجمة هذا الكتاب إلى أكثر من ثلاثين لغة، وسأجني منه مبلغا من المال يفوق المليون دولار،…، سأصبح كاتبا عالميا ومشهورا، وتستضيفني الفضائيات العربية وشبكات التلفزة العالمية، وستنشر عنه كبريات الصحف كثيرا من المراجعات في الباب المخصص لعرض الكتب المهمة، وسيتصدر هذا الكتاب قائمة الكتب الأكثر مبيعا والأكثر قراءة والاكثر تأثيرا في حياة القراء”. ص86، وهذا يجعلنا نتوقف متسائلين، هل أراد “فراس” أن (يُتهم) بالنساء في سبيل أن يشهر كتابه “نسوة في المدينة”، بمعنى أن (يحترق) الكاتبُ لينبثق “فينيق” الكتاب”؟

للإجابة سنتقدم من القسم الأول الذي تحدث فيه عن الأثر الذي تركه الكتاب عند النساء خاصة، تقول إحدى تلك النسوة: “في كتابك الجديد نشرت وساختك في العالم الافتراضي، معرفتك في جزء من هذه الوساخات القذرة، حكيت معك من سنوات عن هذا الكتاب، وقلت لك نشره خط فاصل بيننا” ص39، نشر الكاتب لهذا القول وكما جاء، يشير إلى أنه يعمل على إحداث دعاية لكتابه، بمعنى أنه كتاب مثير، وهذه إحدى الشواهد الحية على حقيقية ما جرى لإحدى تلك اللواتي أقمن علاقة مع الكاتب.

فهو يحاول أن يؤكد حقيقة النصوص وواقعيتها، لكنه سرعان ما تنكشف الحقيقة أمام القارئ، عندما قال: “من المؤكد أنني لم أكن أنتقم منها بهذا الكتاب، أو أنتقم من أولئك النسوة بنشر حكاياتهن، وكذلك لم أكن أخونها أو أخونهن، كنت أكتب ما حدث أو آمل في أن يحدث أو ما أتوقع حدوثه، آمل أخيرا ألا تلعنني عندما تقرأ هذه الشهادة” ص41، فهناك لعبة يلعبها الكاتب تتمثل في أنه يريد أن يجذب أكبر عدد من القراء والمهتمين بكتابه “نسوة في المدينة” خاصة من النساء، لأنهن أكثر اهتماما وميلا لموضوع الحب والعلاقات الثنائية.

من هنا كان لا بد من إخراج/ إيجاد أعداء آخرين للكتاب، لكي يقرأوا ويحدثوا ضجة حول الكاتب والكتاب، ومن ثم خلق حالة الفضول عند الآخرين ليعرفوا ما فيه وما طرحه من أفكار وأحداث، فكانوا “رجال الدين” الذين سرعان ما ينفعلون ويثورون عندما يتعلق الأمر بهم كأشخاص، ويتعلق (بالشرف والمرأة)، فهم الحراس الأشداء على “الدين، الجنس، السياسة”: “وعلماء الدين أكثر شهوانية من المنحلين الانحلاليين، وفي آخر المطاف يهددونك لأنك تنشر نصا شهوانيا أو صورة امرأة عارية، وهم يمارسون الفحش بعنف الحيوانات مع النساء في الغرف المغلقة، وفي الهواء الطلق يبدون تقاة صالحين، أنهم أعظم خطرا من الشيطان نفسه، إنهم جهلة، إنهم استبداديون، إنهم لا شيء غير أنهم حيوانات على شاكلة البشر، هؤلاء أولى أن يراجعوا أنفسهم ويعدلوا من سلوكياتهم” ص46 و47، إذا عدنا إلى كل ما كتبه فراس في السابق، لا نجد أي شتائم أو سب أو تجريح، لكنه في هذا الكتاب الذي يعد مدخلاً نجده يستخدم لأول مرة مثل هذا الأسلوب، وكأني به يريد أن يخرج (المارد) من القمم، ومن ثَم ليكون هرج ومرج وأسئلة وتساؤلات حول ما جرى وأصابه، ليصل المتسائلون إلى أن هناك كتاب “نسوة في المدينة” هو من أثار كل تلك الجلبة، وهنا يتم قراءة الكتاب والتعرف على ما جاء فيه، وهكذا سيكون الكتاب مهما، ويأخذ مكانته محليا وعربيا وعالما، كما تأمل الكاتب له.

عدم حقيقية القصص/النصوص، أشارت ونوهت إليه الأدبية “مادونا عسكر” بعد أن توقفت عند ما جاء في الكتاب، تقول: “كل النسوة في مدينة الكاتب واحدة، دل على ذلك تكرار المشاهد، وتكرار الحالة العاطفية، استجداء الكاتب للمرأة الذي يظهر في لغته كأنه يقول لإحداهن: “تبا لكل نص لم تمري عليه بضمة أو قبلة، إنه لا يستحق أن يكتب أصلا: هذه أمارة النصوص عندي، فهل ستجعلين نصوصي ندية حية أم سيكون الوأد مآلها الأخير؟ القرار قرارك وحدك، خلف هذا المكر الذكوري المدغدغ لمشاعر بعض النساء استجداء كاتب يرى في كل النساء على اختلاف أشكالهن وجمالهن واستجابتهن أمرأة واحدة، “كل الرجال واحد وكل النساء واحدة”. ص233

وتتقدم “مادونا عسكر” أكثر فتقول: “كل النساء في مدينة الكاتب واحدة حتى الزوجة. “زوجة ثانية لا تشبهني. زوجة ثانية تشبه الأولى، لكنها لا تشبه الكاتب، كدلالة على رتابة الزواج، ولعل الزوجة في نصوص هذا الكتاب هي الوحيد المستسلمة بشكل أو بآخر”. ص234-235

“فعلى الرغم من أن الكاتب يضع نفسه تحت المجهر في هذا الكتاب، ويتحدث بكثير من الصدق، إلا أنه غرق في الوهم، وكل ما تضمنه هذا الكتاب من سلوكيات وعلاقات وتعبيرات حصلت في الحقيقة فإنما هي بنيت على الوهم، وما بنى على وهم فهو وهم، فليكن السؤال إذا: أين أصاب السارد؟”. ص235-236

هذا تحليل يتوافق تماما مع كل من يعرف “فراس”، لقد قدم نفسه ضحية في سبيل كتاب، والكتاب بالنسبة للكاتب كحال الابن، فالأب يضحي بنفسه في سبيل الأبناء، وهذا ما فعله “فراس حج محمد” في كتابه “نسوة في المدينة” وملحق الكتاب “لا شيء يعدل أن تكون حراً”، ورغم أن هذا الطرح (كشف خداع) الكاتب، وبيّن لعبة الإثارة التي أقدم عليها، إلا أن كتاب “نسوة في المدينة” يبقى أحد أهم الكتب التي تجاوزت المحرم “الجنس” بهذا الشكل وهذا الطرح.

وفي الختام نتمنى لكتاب فراس أن يأخذ حقه في المكتبة العربية، وأن يُحدث هزة في بناية العقل العربي، لعل وعسى نتقدم خطوة باتجاه الضوء البعيد.

محمد الحواري/ فلسطين

%d مدونون معجبون بهذه: