عندما كانت الجزائر تتكلم باسم العرب في المحافل الدولية.

عندما كانت الجزائر تتكلم باسم العرب في المحافل الدولية.

الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله , بذكائه  وخبرته الثورية التي اكتسبها في الميدان عندما كان يقود رجالا أبطالا عاهدوا الله على النصر أو الاستشهاد, لا وسطية بين الشرفين ولا ثالث لعزتين إقترانتا لتشكلان مجد هذه الأمة, كالمغفرة والرحمة إن إنصهراتا يشكلان مستقبل جديد و بخطى ثابتة , فقد كان  يعرف  رحمه الله النوايا الخبيثة للغرب وأبعادها, لذلك كانت نظرته ثاقبة وتحليله البعدي للقضايا المصيرية والهامة للأمة العربية إيجابي ومنطقي, تسنده  الحكمة والاستنباط  الفلسفي  , فقد كان  يتعامل بحذر مع القضايا التي يشوبها الغموض وتبدوا في تفاصيلها ملغمة, كما يقول المهندس المعماري الألماني المولد لود فيغ ميس فان دير  ” الشيطان يكمن في التفاصيل ” ومن ضمن هذه القضايا  اليكم هذا  الحوار المقتبس من مقال للدكتور عثمان سعدي بعنوان “أول من وصف كردستان العراق بإسرائيل الثانية هو الرئيس هواري بومدين أمام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون” والذي يدل على أن بومدين كان بذكاء العسكري ودهاء السياسي, وهما صفتان قلما تجتمعان في شخص واحد.  

زار الرئيس الراحل هواري بومدين الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1974، واستقبل من طرف الرئيس ريتشارد نيكسون بتاريخ  11 أفريل 1974 بحضور هنري كيسنجر وزير الخارجية, وفي في سياق الحديث قال الرئيس نيكسون العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية  والعرب جيدة، ولكن هناك مسألة عالقة بيننا وهي إسرائيل، ولا بد أن نتجاوزها.

هنا رد الرئيس هواري بومدين بقوة قائلا: (نحن نرى أنه يبدو أن الولايات المتحدة لم تكتفي بإسرائيل واحدة فنراها تعمل على تأسيس إسرائيل ثانية في شمال العراق).

اضطرب نيكسون في كلامه فصار يردد عبارة  إسرائيل ثانية… إسرائيل ثانية…، بسبب عدم توقع من أعد له جدول القضايا التي ستثار خلال هذا اللقاء, فلم يسجلوا مسألة إسرائيل ثانية.. وعند ذاك تدخل كيسنجر فقال: ‘سيادة الرئيس تقصد قضية الأكراد بشمال العراق؟”

فرد الرئيس هواري بومدين : نعم: أقصد التمرد الكردي بشمال العراق’، وقصدت ألا أذكر كلمة قضية. وهنا دار الحوار التالي بينه وبين كيسنجر.

قال كيسنجر: سيادة الرئيس، قضية الأكراد تثيرها إيران ضد العراق، ولا دخل للولايات المتحدة فيها.

فرد الرئيس هواري بومدين : شاه إيران حليفكم بالخليج العربي، تزودونه بالسلاح كما تزودون إسرائيل, ليلعب دور الدركي على العرب في المنطقة، وأنا على يقين لو تطلبون منه الكف عن دعم المتمردين الأكراد لتوقف هذا التمرد، لماذا لا تطلبون من حليفتيكم تركيا وإيران اللتين يتواجد بهما الأكراد أكثر من تواجدهم بالعراق، أن تعترفا بحقوق الأكراد مثلما اعترف العراق، العراق البلد الوحيد الذي منح حكما ذاتيا للأكراد واعترف بحقوقهم الثقافية.

قال كيسنجر: هذه دول حرة لا سيادة لنا عليها. ثم أنا مستعد لزيارة بغداد لتوضيح موقفنا للعراقيين، بصفتكم رئيس مؤتمر القمة العربية يمكن أن تنقل لهم رغبتي في ذلك .

وكانت العلاقات مقطوعة بين العراق والولايات المتحدة، منذ حرب  أكتوبر 1973.

مباشرة بعد هذا اللقاء كلف الرئيس الراحل هواري بومدين سفير الجزائر بالعراق آنذاك الدكتور عثمان سعدي بتبليغ ما دار بينه وبين نيكسون للعراقيين.

استقبل الدكتور عثمان سعدي من طرف الرئيس أحمد حسن البكر ، وأبلغه نص المقابلة، وكان البكر يعاني من مرض السكر فدمعت عيناه وهو يقول:

ـ بلغ أخي الهواري بومدين شكر العراق على موقفه هذا، لم يحدث أبدا أن أثار رئيس دولة عربي المسألة الكردية بالعراق مع رئيس الولايات المتحدة، وهذا يدل على أنه عربي أصيل جدير بأن يتحدث باسم العرب في المحافل الدولية.

وهكذا سجل التاريخ أن الرئيس هواري بومدين تنبأ بإمكانية انفصال أكراد العراق بدعم من الولايات المتحدة. ويمر الزمن ويحتل الأمريكان العراق سنة 2003، وترسل إسرائيل خبراء لتدريب الأكراد على السلاح، وتقيم بشمال العراق قاعدة للتآمر على الشعب العراقي، ووحدته، ومن هذه القاعدة ترسل عملاءها لاغتيال علماء العراق.

يقول السفير اللبناني ببغداد المسيحي الأرثودوكسي أن قريبه مترجم من اللغة العربية في البيت الأبيض قال له: “لأول مرة أعتز بعروبتي عندما ترجمت الحوار بين بومدين ونيكسون، فقد كان بومدين رائعا”.

ويمر الزمن وتنفرد إسرائيل بتأييد تأسيس الدولة الكردية في شمال العراق ويتأكد لنا اليوم يقينا أن سياسية الغرب من أول رئيس إلي أخر رئيس لن تتغير, فهي دائما ضد الأمة العربية والإسلامية حتى ولو كانت الديباجة  تقطر عسلا.

الكاتب بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: