علمٌ لقيطٌ…وحرامٌ مباح

علمٌ لقيطٌ...وحرامٌ مباح
تعلمنا من ديننا أن العلم نورٌ والجهل ظلامٌ، وأنه لايستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون، ولاتستوي الظلمات ولا النور، ولا الظل ولاالحرور، وعرفنا أن العالم عند الله بمنزلة المجاهد، وإن خير الناس من ترك للآخرين علماً يُنتفع به، فما بالُ هذا الزمن الذي قلب كل تلك الموازينَ رأساً على عقِب!
صار الجهل يتبجّح بقناع العلم، وينتحل صفته، ويتحدثُ بمنجزاتٍ بريئة منه كذئب يوسف ، ليُغري أعين الناس، ويضلّل أذهانهم حتى جعلهم يهجرون الحقيقة، ويسعون وراء علمٍ لقيطٍ لايُعرف له من أصل.
 اعتكف العلم المُغتَصب حقّه، وآثرها في نفسه، وترك الناس  لمن صار يُقّرب لهم البعيد، ويلقي بأمانيّهم ، فخال بعضهم أنفسهم  جهابذة، وما علموا إنما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، وأصبح دعاة العلم يفترشون التراب، وما دونهم يفترشون الحرير جزاءاً لجهلهم الذي أضاعوا به عين الصواب، ُُترى ما الذي اودى بنا لهكذا مفارقةٍ، ومقاربةٍ معكوسة النتائج؟
يعلم جميعنا ان الكون كله مسيّراً وفق نظام لو اختل يوماً لهلك،وذابت معالمهُ، وكذا الحال بالنسبة لنظام التعليم فاختلاله يعني القضاء على مجتمع بأكمله، ولعل من اهم الاسباب التي هبطت بمستوى التعليم إلى الحضيض هو التوسع الانفجاري في افتتاح الكليات الاهلية التي لايتمتع بعضها بالمعايير اللازمة للاعتراف بشهادة خريّجيها من الطلبة، فضلا عن الشهادات  العليا الدنيا التي ابتاعها بعض الدارسين بضاعةً، و لو قُدّر لأهل الاختصاص أن يُخضعوه لاختبار، لحدث معه ما يُشبه لعبة (الحيّة والدرج)، ولابتلعته الافعى من علِ، لافظة  إياه،وعلمه الى أسفل الدرك حيث المرحلة الابتدائية، وحيث ابجديات الكلام، والحساب.
 صار كلٌّ يصولُ، ويجولُ وفقاً لهواه، فترى فلاناً اصبح طبيباً،وذاك صار مهندساً، وآخر نال شهادة المحاماة، وكلٌ تفاخر بنفسه،  وما كان له الفضل فيها إلا لمال ، او جاه، استطاع معه شراء الذمم، وهو مديناً لكل تلك الظروف التي عبرت به الى الجانب الآخر من النهر بدلاً من تركه ليعوم، ويذوق مرارة الوصول الى ضفّة النجاح، والأدهى من كل ذلك أن لو اصبح ذات يوم استاذاً جامعياً وفق ذات الآليّة التي حصل فيها على شهادته المجهولةُ النسب، وتتلمذت أجيالاً على يديه،فما تلك إلا الطامّة الكبرى!
ُيُقال في إحدى امثالنا الشعبية المتداولة(صانع الاستاذ استاذ ونص)، فكيف سيكون ذلك الاستاذ ونصف ياتُرى! اذا كان أستاذه نصف استاذ، او مايقل عن ذلك، وما ينقُص؟
صار التعليم مدعاةً للجهل،  وظهرت فيه بِدعٌ ما أنزل الله بها من سلطان، ومنها نظام التسريع الذي ألفه جميعنا انه مناطاً بالمتميزين، والمتفوقين، أما الان فهذا النظام حُدّث ليشمل بعضاً ممن لايقوى على كتابة نصف صفحة خاليةً من الأخطاء الإملائية بغض النظر عن نوع النص الذي سيكتب  فيه، فيما لو طُلب منه، وستجدك أمام مجموعة من الطُرف، والنكات التي ستدعوك الى الضحك من نوع شرّ البليّة.
نعيش في واقع  أباحَ الغش، ولا يُعرف أيّ فتوى أباحته، ومن الذي افتى بها؟ و أيُّ عدالة تلك التي تساوي بين من غاص في بطون الكتب، حتى تداركه الغرق، وابتانت على وجهه الشاحب معالمَ السهر والتعب،  وبين من دخل الامتحان ضاحكاً مستبشراً لايساوره أي قلق، وثقُلت موازين جيوبه بكل مالذّ، وطاب من المعلومات التي لا يخشى حملها حتى وان ضُبطت لديه، لأنه أمن العقاب، ومن أمِنه أساء كل شيء، وضمن النجاة بفعلته لأنها صارت حلالاً عند بعضهم، ولا ضرر فيها ولا ضرار.
صرنا كمثل الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ويحلّلون حرام الله، ويحرمّون حلاله، و كالذين يبخسون الناس أشياءهم، اذا اكتالوهم يستوفون، واذا وزنوهم يُخسرون، وغدينا نمجّد أصنام الجهل، ونستبعد ونحارب كل ذي علم، ونقصّ منه الجناحين كي لايطيرَ بأحلامه الى أبعدَ من واقعه المزريّ الذي يعيش، ولِيعرف شأنه في زمن أضاع الحقيقة، وصرفها عن معانيها، وليعلم أن لا  قائمة ستقوم له إلا أن ينزِع عنه لباس التقوى والورع، و يهبط من جهنم أحلامه الى جنة الزيف ذات الأُكل الذي كأنه رؤوس الشياطين، وذات المومسات التي خالهن  بعضهم حوراً من فرط بصيرته العمياء، وذات المياه الآسنة التي شُبّهت إليه من  ضلالته أنها انهاراً.
رغم كلّ ذلك الأليم من الواقع، فدخان الخيالات المريضة سرعان ما ينقشع، وسيُعرَف حينها أن لذّة العلم وإن كانت ناراً، لكنها تطهّر العقول من براثن الجهل، وإن تطاول الأخير على سيّده يوماً، وقعد مقعده، فسيبقى هو ذاك اللقيط الذي يستعّر من مرافقته العُقلاء، لأنهم يؤمنون أن الصحيحة سيطالها الشرُ لو رُبطت بجانبها  جرباء،  وسيذهب علمها جُفاءاً، كجلمود صخرٍ تقاذفه السيل من أعلى الجبل.
قد يخالُ بعضهم أن كل ماورد فيه ضربٌ من المبالغة، ولكن ومع بالغ الأسف هو ذا الواقع الذي ظنّ معه اهل الباطل أنهم على حقّ لكثرة سكوت أهل الحق عنهم،وما سكوتهم إلا لأنهم أدركوا أنهم يخاطبون امواتاً، وان لا حياة لمن يُنادوا.
 بقلمي/د. حلا الكناني /العراق
%d مدونون معجبون بهذه: