طير العنقاء

طير العنقاء

كل يوم يسدل الليل رداءه وتختبئ النجوم على حياء خلف لون النار في أجنحة العنقاء،  فما إن يقف هذا الطائر العظيم ليلتقط الرسائل من خلف القضبان حتى يسجد السكون للكلمات.

يطوف في سماء مدينتنا .. يناغي الأضواء المتسللة عبر نوافذ بيوتنا …. فيسترق السمع إلى أحاديثنا .. ويبدأ رحلته محلقا حاملا بجعبته رسائل وجيشا من الكلمات كسرت القضبان لتلامسنا.

(1)

وصل إلى مسامعه في طوفانه صوت جدال تتضارب فيه الأصوات .. اقترب من الصوت ونظر عبر النافذة .. فرآى مجموعة من الأشخاص يتجادلون .. تضاربت الأصوات حتى أيقن الطير بأن ليس هنالك من يسمع .. ولكنه بقوة سمعه وتماهيه مع الحدث وجد بأن الاختلاف في وجهات النظر لم يعط مساحة لأي فكرة كانت بالوصول .. كانت أصواتهم أشبه بالرعد وطرقهم بأيديهم على الطاولة يهز المكان .. تساءل وهو يميل برأسه نحو النافذة على ماذا يتناحرون وهم لا يسمعون؟ ابتسم طائرنا وأخذ من جعبته رسالة وأدخلها عبر فتحة من الشباك ونفخ عليها لتصل للطاولة التي تتوسطهم .. وصفق بجناحيه طائرا .. هدأ الجميع وقُرأت  الرسالة ..

“يتعلم الأسرى يوما بعد يوم أن الحياة المشتركة في السجن تتطلب التنازل عن الكثير من الخصوصية وتطويع الذات للتعايش مع اختلاف الأمزجة والصفات.. بحيث تحل الذات الجماعية رويدا رويدا مكان الذات الفردية، لأن مسألة التكيف لا تكفي لاستمرار جماعة إنسانية في الحياة في حيز ضيق لسنوات بل لعقود ، دون إعلاء ذات الجماعة على أي ذات” . من رواية “للسجن مذاق آخر” بقلم الحر أسامة الأشقر .

(2)

من بعيد أنات ضعيفة تأتي تباعا .. توجه نحو الصوت وأنصت إلى الكلمات التي تحاك من  امرأة وقفت تناظر مرآتها وتحاول مسح آلام وجهها المنتفخ بقطعة قماش بللتها الدماء .. صرخت بالمرآة .. “من أنت؟ كيف وصلت إلى هنا؟ هل هذا الوجه هو من آمن بأن إرادتنا بتحديد مصائرنا ستتفوق على التخلف في مجتمعنا؟ هل أنت من وقف في المحافل النسوية تقاتل لأجل الاختيار وشراكة الحياة؟ أين ذهبت الألوان التي لونت فيها اللبن لقلب مقولة “لون اللبن أبيض”؟ جعلت الغبار يتراكم على قلبي سنين وفقدت في معترك الحياة المقاومة لأجل الحياة.. فلم أعد تلك المرأة التي أعرفها.. نزلت آلامها نقاط على وجنتيها  لتصل لرسالة وضعت أسفل مرآتها .. التقطتها وقرأت :

“قل لي كيف تتألم أقل لك من تكون.

أجبته : بالأحرى قل لي كيف تقهر ألمك أقل لك من تكون”

من رواية “وجع بلا قرار ” بقلم الحر كميل أبو حنيش .

(3)

وفي سكون الليل بدأ يتمشى بين الزقاق يناظر الأضواء التي لا زالت تنير السهر في بعض البيوت .. فوجئ بصوت عال يصدر من تلفاز يبث مناظرة وكأنها صراع للديوك في ساحة ضيقة .. كانت الكلمات تتطاير في أرجاء الصالة ” سلام . . مع .. ضد .. عميل .. تطبيع .. وطني .. احتلال ” ، تطايرت الكلمات لتتضارب في الفراغ ..

وهناك لمح رجلا انهكه عمره نائما على الكنبة أمام التلفاز وامرأة في الغرفة الأخرى تهدهد وتغني لسرير فارغ .. نزل طير العنقاء من عليائه وتمشى بأركان البيت حتى وصل إلى غرفة النوم وقبّل رأسها وأعطاها من جناحه رسالة مكتوب فيها :

” عادت أمه بعد أن باتت حاجّة وأما لشهيد بعد شهر ، جنت ، فجعتها الحادثة لم تستوعب غيابه…، ألقت النظرة الأخيرة عليه ثم قبلته وضمته إلى صدرها ثم زغردت أمه وزغردت ثم غابت عن وعيها .. 

لا أقوى على نسيان تلك الحادثة في زمن الالتباس الوطني ، أصيح في عزلتي : “إذا قالت لي أم أمجد الآن صافح سأصافح” من رواية “نرجس العزلة ” بقلم الحر باسم خندقجي.

 (4)

تذكر طائر العنقاء ذاك الكاتم لألمه .. ذلك الحر الذي ودع جدران المعتقل تغمره الأفكار لمستقبل يرى فيه جميع أصدقائه أحرار اً..  بحث عن بيته للاطمئنان على ما آلت إليه أموره .. نظر من خلال نافذته فوجده جالسا وأطفاله .. وزوجته بوجهها الذي يظهر في تقاسيمه تعب بان في لونها الأصفر وابتسامتها المتعبة .. كانوا يلهون ويضحكون وهي تهمس بأذنه أنت جيشنا فكن لنا حياة .. ويهمس هو الآخر في قلبها .. أنت جيشي حتى استطعت أن أكون جيشكم ..

ابتسم طائرنا فرحا ووضع رسالته لهم بيد طفل من أطفالهم ومضى .. قرأ الطفل الرسالة:

أنت الذي تتقن فن الاحتراق… أينقصك اللهب؟! لا أحد أحق منك بالعشق إلا أنت… يا سيدي أنت الذي عشقت تراب ذلك الوطن… وبذلت ربيع العمر خلف قضبان المحن… ألا تعلم أن المرادف لكلمة ثائر هي كلمة… عاشق… فكيف للثائر أن يحتضن بندقية دون أن يكون عاشقاً للقضية. من رواية  “الأسير 1578” بقلم الحر هيثم جابر .

 (5)

بضربة من جناحيه وصل طير العنقاء إلى بلاد الشتات .. طاف بين المدن التي تشابه لونه .. فالحروب قد أنهكت من تبقى بلا خيار طلب الألوان في الحياة .. فهناك قلوب تعلقت بلون الفرح في مدنها البعيدة.

من بين صوت المدافع والرصاص تسمر مندهشا على صوت قهقه تخرج من بيت تضيئه شمعة.. فمدن الحرب تصبح الإضاءة فيها ضربا من الكمال..  اقترب من النافذة فوجد شابا يتكلم عبر الهاتف يفتح الكاميرا تارة ويغلقها تارة أخرى ليخفي دمعة.. يسطّر كلمات الاطمئنان في ضحكاته .. يسخر من انقطاع الكهرباء .. وانقطاع الاتصال فيتبجح بقوله الدائم : نحن في الأمكنة المتطورة جدا لا نؤمن بما هو جديد .. ولأننا نحب التطوير نرجع بالسنين لنرى العقل المنير الذي أوجد التجديد .. لكننا لم نجده بعد .. وتنطلق بعدها الضحكات في الهاتف..

يغلق الهاتف ويشعل سيجارته، ويحاول أن يلتقط أنفاسه لعلّه لا يغوص في دوامة السؤال .. هل هناك من يشعر بما نعانيه .. فيأتيه الجواب برسالة من الطائر دست له خلف الشاشة: 

“يمكن البوح بالألم ولا يمكن إعادة تعريفه، فقط يمكن البوح به مرة واحدة وربما تكون سرا وبعدها مجرد تمثيلية، الألم ليس جزءا من الهوية العلنية. من رواية “الخرزة ” بقلم الحر منذر مفلح.

(6)

بدأ التعب يصيب الطير، ولكنه أكمل مشواره فهناك في بلاد الشتات تقف الثقافات المتغايرة عائقا وشوكة تألم من آمن بأن المستقبل هناك، ولكنه واجه جيلا ينبهر بما هو آت.. هناك يبحث الأهل عن الكلمات لتفسير ظواهر اجتماعية غير اعتياديه يراها الأبناء في كل اتجاه .. يحاولون فهم المتغيرات ويجاهدون للوصول إلى اتزان يقلل من حجم الثغرات.. تقف الأم بكل قوتها وهي تحاول أن تخفي ضعفا أصابها هي نفسها في فهم الأمور من حولها.. لتستطيع تفسيره لأبنائها.. تقف لتبدأ حوارا يطول ولا ينتهي برضى أي من الأطراف…. وقفت وقد وصلت إلى زاوية لا تستطيع أن تكمل بعدها .. أدارت وجهها لتكبت غضبا سيشعل بركانا يحرقهم جميعا .. لتجد رسالة التصقت على زجاج النافذة أمسكت الرسالة بهدوء ودستها بيد ابنتها فقد كتب فيها : 

“إياك يا بنيتي أن تعتمدي في مشربك الثقافي على رافد واحد فقط، لأنه يؤدي إلى التهلكة .. تماما كما الغذاء فلو أكلت صنفا واحدا من الطعام سيذوي جسدك وستموتين بعد فترة زمنية وجيزة لأن الاستمرار في الحياة الصحية يتطلب التنوع. وهكذا هو العقل لا يستطيع التطور والإبداع إلا بالمعرفة الواسعة” من كتاب “رسائل إلى قمر ” بقلم الحر حسام شاهين.

بقلم : جمانا سمير العتبة

(7)

أنهك الترحال طيرنا ولكنه أصر أن يطمئن كما يفعل دائما في مشواره الأخير على طبيب متطوع في الجيش .. رآه يسرع الخطى يبدل ملابسه العسكرية ويلبس (روبه) الأبيض .. ويبدأ رحلته المسائية في الاطمئنان والتخفيف عن المرضى .. فهنا يعطي أملا وهناك يزرع ابتسامة .. يمسك يدا ليمسح عنها اشتياقها .. يجالس من ألم فقدانه لأحبته يفوق آلام جروحه ..

بعد مناوبته يخرج ليريح وجهه من ابتسامة يرسمها لتكون النسيم على مرضاه .. جلس وفتح رسالة يعمد إلى قراءتها كل يوم منذ أن قرر التطوع في الجيش .. كتب فيها :  

“تساءلت لماذا لا أرى الأبيض؟ ألأنه رمز النقاء والبراءة والتسامح والقبول؟ أم لأن القلوب البيضاء لا يمكن أن تتمثل بمن هم ضباط همهم الأول قتل أو تدمير أو تعذيب المناضلين” من رواية ” لماذا لا أرى الأبيض ” بقلم الحر راتب حريبات.

(8)

قارب الفجر على الانبلاج.. فشد طائر العنقاء الخطى للرجوع إلى مكانه .. فقد وصل منهكا لم يبقَ منه ريشا ولا تقوى أقدامه على حمله .. وصل المعتقل ودخله ليبات بين الأحرار ليستطيع أن يحيا من رماده ويحلق برسائل جديدة يسطرونها كل يوم؛ فالأحرار هم المعتقلون الفلسطينيون الذين جعلوا لكلمة “حرية” معنى٠

%d مدونون معجبون بهذه: