صراع الأفكار بين المادة والمصالح

المنطق ذو الاتجاهين والواقع

صراع الأفكار والمصالح والماديات, خلق فجوات كثيرة وشرخا كبيرا تداع له الفكر البناء فدخل في سبات سلبي اهتزت له أركان المجتمع وتسلل من خلاله التيار التغريبي , كما تسربت لنا الأفكار المتطرفة من وراء البحار من مصطلحات جوفاء وإباحية موسعة متنوعة و مفاهيم علمانية من تبعية سياسية واقتصادية, مدعومة بفكر مضلل ملغم بالشبهات ونظريات عجفاء سوقت خصيصا لنا وعلى مقاسنا, تبنتها مجموعات مصالح ضاغطة قابعة في الظل, ومن هذا المكمن سبانا وهج الدنيا وجرنا عنوة نحو عمقه الذي لا سقف له ولا حد, سخرت له كل أنواع المساحيق التجميلية والمفاتن والأكل الدسم , حشرت في قالب ثقافي وفني يدعو للتفتح والمواكبة مما أدى إلى إنقيادنا نحوه انقيادا مخبولا, مع أن الحكمة تقتضي منا التمييز بين الغث والسمين, الحق والباطل, المعقول والناقص , القيم والشاذ, وهذا بواقعية لا تقبل التجزئة وفهم راشد وحكم عادل ينم عن تجربة فيها توازن وخلق تسامح, وبما أننا أمة مسلمة , يجب أن ندرك يقينا أن الأعداء كُثر, ولا ننسى كذلك أن فرنسا حاولت طيلة 132 سنة من الاستعمار وبكل الوسائل القضاء على الإسلام في الجزائر, وقد كتب المارشال الفرنسي هوبير غونزالف ليوطي قائلا  (علينا بتجنب تعليم اللغة العربية للبربر لأنها تجر للإسلام؟) وأن كل عبارات التباهي في المناسبات الفرنسية أيام الاحتلال, كانت تمجد صراحة قدرة فرنسا على القضاء على الإسلام في الجزائر وجعلها مقاطعة فرنسية قلبا وقالبا.

إذا فالحروب المعاصرة هي حروب عقائدية قبل أن تكون حرب ثروات وأن كل هذا التكالب الهمجي المخابراتي الغربي على الأمة الإسلامية ونشره  للقلاقل والفوضى في العالم الإسلامي, ما هو إلا زعزعة وتحطيم وتفكيك للنسيج الاجتماعي والبنية التحتية للدول العربية والإسلامية, وأن الإرهاب ما هو إلا صناعة غربية تم التخطيط له بعناية تامة وبتموين مشترك, طبخ في مخابر المخابرات الأمريكية وأعيد زرعه وتموينه وتمويله.

 لخلق توازنات وتصادم تم تشجيع الدروشة والتصوف وزيارة الأضرحة والتبرك بها, التي تخدم جهات معينة وقد تبناها وتغنى بها الشيخ الصوفي اللبناني هاشم قباني من على منبر مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1999, ومحاربة السلفية التي تعني التمسك بالقرآن وسنة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام, والدليل على ذلك أن بعض الدول اتخذت قرارات بمنع ومصادرة كتب قامات الدعوة السلفية كشيخ الإسلام أبن تيمية والشيخ محمد حسان وغيرهم من المعاصرين وإطلاق هجمة إعلامية مسمومة من طرف مأجورين على الإمام البخاري ومسلم, بحجة الوقاية من التطرف الديني ومحاربة الإرهاب, الذي هو أساسا والكل يعي ذلك أنه سلاح من صنع غربي طبخ في مخابر المخابرات الأمريكية وزرع في بعض الدول العربية التي أبيدت سياسيا واقتصاديا وأصبحت عبارة عن فصائل متناحرة و مواطنيها مشردين, والبعض منها أصبح ينادي صراحة بحماية ووصاية المستعمر القديم.

للعلم أن مراكز البحوث والدراسات الأمريكية أوصت بدعم الدروشة, وبناءا عليه فقد ظهر عدد من المؤسسات الصوفية التي تمزج بين الدروشة والسياسة وتنافس الجماعات الإسلامية حتى في المجال السياسي. إن محاربة الإسلام ومفاهيمه النابعة من القرآن الكريم والسنة الصحيحة وتشجيع الدروشة وبدع الخرافة والموالد الصوفية والحضرة واللجوء للأموات وتطويع الإسلام لرغبات مادية وسياسية وهذا ما يجعل الأمور مهيأة لظهور التطرف والإرهاب.

وعليه فقد تم تقنين الفكر وتم الحجر عليه بالملذات الدنيوية وإتباع بريق الدرهم, فلم يعد نفاعا لماعا, أصبح يدور في إطار ضيق لا يتعدى مرمى حجر وإن تعداه يصبح جريمة لا تغتفر وخرق قانون وتطرف يحُلِّقَ أسم صاحبه ويوضع في القائمة السوداء, وقد حضرتني قصة وقعت لرجل أخذ بذنب غيره في زمن الحجاج ( من كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه (

أدخَلوا على الحجاج بن يوسف الثقفي رجلا مُقَيّدا، فقال له الحجاج : ما شأنُكَ يا هذا ؟

فقال الرجل : أصلح الله الأمير، ارعني سمعك، واغضض عني بصرك، واكفف عني سيفك، فإن سمعت خطأ أو زللاً دونك والعقوبة.

قال : قل .

فقال : عصى عاصٍ مِن عُرض العشيرة ؛ فحُلِّقَ على اسمي (أي جُعلت حلقةٌ على اسمه في الدولة، كما نقول الآن وُضع في القائمة السوداء أو وُضعت عليه نقطة)، وهُدِّمَ منزلي، وحُرِمتُ عطائي (عطائي من بيت المال). (مجمل كلامه أنّه أُخذ بذنب غيره)

قال الحجاج : هيهات هيهات، أو ما سمعت قول الشاعر :

جانيك من يجني عليك وقد — تعدي الصحاحَ مباركُ الجُربِ

ولَربَ مأخوذ بذنب عَشيرة — ونَجا المقارفُ صاحب الذنبِ … ؟

قال الرجل : أصلح الله الأمير، ولكني سمعت الله عز وجل يقول غير هذا!

قال : وما ذاك ؟

قال : قال عز وجل “يا أيها العزيزُ إن له أباً شيخاً كبيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مكانهُ إنًا نَراك مِن المُحسنين، قال معاذ اللهِ أنْ نأخُذَ إلا مَن وَجدنا مَتاعَنا عِندهُ إنًا إذاً لظالمون”.

فقال الحجاج : عَليَّ بيزيد بن أبي مسلم، فمثل بين يديه.

فقال له : افكُك لهذا عن اسمه، واصكك له بعطاء، وابن له منزله، ومُر منادياً ينادي : صدق الله وكذب الشاعر .

الثقافة لم تعد ثقافة والفكر كذلك, كل شئ هجن وأدخلت عليه تعديلات أفرغته من محتواه وقداسته وقوض مداه ومدة صلاحيته, كما إن الثقافة أصبحت كالنكهات الصناعية الملونة التي يضيفونها للمشروبات والحلويات لا فائدة  ترجى منها ومع ذلك نستهلكها ونحن ندرك أنها مضرة للجسم.

وقد قلت بعد تطبيع  بعض الدول العربية مع الكيان الصهيوني

 آ حقا انقلبت الأمور حقا وزاد إحجام مرامينا

الحنين للجلاد يستهوينا وعطره أصبح يداوينا

أعلم أن عشق السوط لم يكن يوما في خيالنا ولا حوارينا

ولكني في عام الحزن هذا شهدت ذلا كنت أراه مستحيلا

حنين التطبيع أصبح يزيد كل يوم خطوة في عمق أمانينا

أصبحنا نراه كل يوم مترجلا يرمقنا بعيون مبتسمة تجارينا

تناغينا بخبث وتنفث السموم فينا وتمارس علينا طقوسا تلهينا

وتارة تعبث بعقول شبابنا ببريق الدنيا ممزوجا بأحلام تستهوينا

أحلام ممزوجة بإغواء وثقافة بين أفكارها سموما تمارينا

أفيقوا شباب العرب فنحن من أذاق المستعمر المر وسقيناه لهيبا

أخرجناه بلغة الرصاص ولقناه درسا ولن يحن أبدا لبرارينا

آلا لعنة الله على من هان وخنع وأنبطح و باع الوطن والدينا

فلسطين ستبقى دائما في قلوبنا أما وأختا

وقضية واجبة علينا ما حيينا.

بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: