” دور المسجد في التوعية والتحسيس وتماسك المجتمع وبعث روح الإخاء والمساهمة في الاستقرار بمفهومه الشامل خلال مرحلة وباء كورونا”

" دور المسجد في التوعية والتحسيس وتماسك المجتمع وبعث روح الإخاء والمساهمة في الاستقرار بمفهومه الشامل خلال مرحلة وباء كورونا"

الوسيط المغاربي : بداية نحيي الدكتور عمير الربعي أهلا بك في جريدة الوسيط المغاربي. 

   

أهلا وسهلا بكم وتحية عطرة أزفها إليكم، وسلاما أحييكم به فأقول: السلام عليكم ورحمة الله بركاته، ورمضانكم مبارك وكل عام وأنتم بخير وبعد: فأشكر القائمين جريدة الوسيط المغاربي أن أتاحوا لي فرصة مشاركتهم من خلال هذا الحوار الخاص بالمسجد ودوره التوعوي عامة ودوره خلال مرحلة وباء كورونا، وكذا تسليط الضوء على البروتوكول الصحي في المساجد، الإشكالات والحلول.

الوسيط المغاربي: من هو الدكتور الربعي عمير؟

الربعي عمير : الربعي بن الصادق عمير من مواليد 1982 ببئر العاتر نشأ في بيئة ريفية قاسية تسببت في التحاقه بالدراسة متأخرا وعمره سبع سنوات ليتلقى تعليمه الأساسي والثانوي بمسقط رأسه كان خلالها متفوقا في أغلب الأطوار التعليمية، والتي توجت بحصوله على شهادة البكالوريا في تخصص علوم الطبيعة والحياة مرتين في عامين متتاليين جوان 2001، وجوان 2002، سجل بالبكالوريا الأولى في قسم الحقوق بالمركز الجامعي الشيخ العربي التبسي، وأتم العام الأول بتفوق، ثم التحق بجامعة الأمير عبد القادر -قسنطينة- خريف عام 2002عقب حصوله على البكالوريا الثانية ، ليتخرج منها سنة 2006 بشهادة الليسانس في تخصص الفقه وأصوله، متفوقا بحصوله على المرتبة الأولى على مستوى كلية أصول الدين والشريعة والحضارة الإسلامية، وقسم الفقه وأصوله، والمرتبة الثانية على مستوى الجامعة الإسلامية، فأهلته تلك المرتبة للالتحاق بمرحلة الماجستير دون مسابقة في تخصص الفقه المقارن ليحافظ على المرتبة الأولى في الدراسة النظرية في مرحلة الماجستير، ثم أعد بحثه المتمم لنيل شهادة الماجستير تحت عنوان (أحكام مال اليتيم في الفقه الإسلامي)، والتي ناقشها سنة 2010، وبعدها اعترضته ظروف خاصة حالت دون الاستمرار في مسيرة البحث العلمي إلى سنة 2015 حيث تم قبول مشروع بحثه وتسجيله في مرحلة الدكتوراه علوم بجامعة وهران -1- في قسم العلوم الإسلامية تخصص الفقه وأصوله، ليناقش أطروحته في الصائفة الماضية وينال شهادة الدكتوراه علوم بتقدير مشرف جدا.

أما بخصوص المجال الوظيفي فقد التحق بالتعليم الثانوي أستاذا بعد النجاح في مسابقة التوظيف سنة 2008 ليتم تعيينه في الثانوية التي درس فيها -ثانوية فارس الطاهر-، ولازال أستاذا بها، كما درّس أستاذا متعاقدا بجامعة الوادي سنة 2016/ 2017، أما بالنسبة للتطوع المسجدي فقد بدأ أيام الدراسة الجامعية من خلال مشاركته في إمامة الناس في صلاة التراويح في عدة مساجد داخل وخارج الولاية، ليستقر به المقام في مسجد الرحمن -بئر العاتر- لقربه من مقر سكنه إلى أن كلفته إدارة الشؤون الدينية بالدروس الأسبوعية فيه سنة 2015، وبعدها تم تكليفه بالخطابة عقب تقاعد إمام المسجد سنة 2017، ولا يزال متطوعا بالخطابة والتدريس فيه.

أما الطموح المستقبلي فهو المواصلة في مسيرة البحث العلمي في مجال الاختصاص، مع أمل الالتحاق بالتدريس الجامعي الذي يفرض على صاحبه الاجتهاد في إثراء الرصيد البحثي والعلمي، والله الميسر والمعين.

الوسيط المغاربي: الدكتور الربعي عمير بما أنك أستاذ تعليم ثانوي، وإمام متطوع بمسجد الرحمن منذ سنوات، هل ترى أن للمسجد رسالة مقدسة ودورا فعالا في التوعية والتحسيس وبناء المجتمع وتماسكه؟

الربعي عمير:

نعم بلا شك أن رسالة المسجد رسالة مقدسة بل هي اقدس رسالة، كيف لا وهو مدرسة النبوة التي تخرج منها أعظم جيل في هذه الأمة، جيل الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم -، على يد خاتم الأنبياء وإمام المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وتخرج من المسجد أغلب علماء وفقهاء الإسلام المشهورين، ذلك أن رسالة المسجد لا تقتصر على الدور البارز من اجتماع المسلمين لأداء أعظم شعائر الإسلام بعد التوحيد وهي الصلاة جماعات وجمعات، وكذا تحفيظ القرآن العظيم الذي لا يخفى أثره في صلاح الأجيال وحسن تنشئتها، بل دور المسجد أوسع من ذلك فقد تأسست كبرى الجامعات الشرعية في بعض المساجد المشهورة في العالم الإسلامي كجامع الزيتونة بتونس، والأزهر الشريف بمصر، وجامع القرويين بالمغرب، حيث كان مشاهير العلماء والمصلحين يتخرجون من هذه الجامعات، وقد تخرج ابن باديس من جامع الزيتونة، وتخرج الشيخ العربي التبسي من جامع الزيتونة وجامع الازهر، فلولا رسالة المسجد ما تخرج هؤلاء العلماء والمصلحون والمجددون، الذين أحيا الله بهم أمما، ونشروا فيها نور العلم.

فالمسجد يكمن دوره في جمع الناس على أعظم غاية خلقوا لأجلها وهي عبادة الله وتعظيمه، ويجمعهم على سماع القرآن وتدبره، وبيان أحكامه للناس، فهو النور المبين، الذي يهدي لأقوم الأقوال، ويرشد لأكمل الأفعال، وفيه يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحث على الفضيلة والتحذير من الرذيلة، والدعوة إلى الخير، والتنفير من الشر، والترغيب في مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، والترهيب من الأخلاق الدنيئة والعادات السيئة، ويكون فيه الدعوة إلى اجتماع الكلمة وتحقيق الألفة والأخوة الإيمانية بين المسلمين، وبث روح التعاون بين الناس، وغير ذلك مما جاءت به الشريعة الإسلامية من محاسن يبثها المسجد بين الناس، فيحقق المسجد بذلك للمجتمع صلاحه، وحدته، وتماسكه، وقوته، متى وجد الأكفاء الجادين من العلماء العاملين والدعاة المصلحين، والخطباء المخلصين.

الوسيط المغاربي: الدكتور الربعي عمير هل المؤسسة المسجدية ساهمت حقيقة في تطبيق إجراءات الحجر الصحي؟

الربعي عمير: رغم أن المساجد قد أغلقت مع بداية الحجر الصحي في المرحلة الأولى لدخول وباء كوفيد 19 للجزائر فتعطلت المساجد عن دورها الرسالي والتوعوي إلا أن المساجد كان لها إسهامها الواضح قبل الغلق حين تطرق جل الخطباء إلى خطورة الأوبئة والطواعين، وبيان خطورة التهاون في التسبب في نشر العدوى بين الناس، وخاصة إذا كان التهاون سيفضي إلى تعريض الأقربين من الآباء والأمهات والأبناء والأزواج للتهلكة، ومع هذا فقد حصد الوباء فيما بعد الكثير من الاباء والأمهات، وغيرهم، وحذر الخطباء كذلك  من خطورة التهاون في حفظ النفس التي أوجب الله على الإنسان حفظها وعدم تعريضها للمخاطر والتهلكة، كل هذا كان قبل غلق المساجد ما جعل رسالة المسجد سباقة في تهيئة الناس لامتثال إجراءات الحجر الصحي ولاسيما في الأشهر الأولى للوباء، بل حتى بعد غلق المساجد كان للخطباء كلمات توجيهية تبث بمكبرات الصوت كان لها وقعها في تطبيق إجراءات الحجر الصحي، خاصة في الشهور الأولى لانتشار وباء كوفيد 19.

الوسيط المغاربي: الدكتور الربعي عمير ما مدى استجابة المصلين للبروتوكول الصحي؟

الربعي عمير: بالنسبة لاستجابة المصلين للبروتوكول الصحي في المساجد إذا أردنا تقييمها مقارنة مع مختلف القطاعات والمؤسسات سنجد أن الاستجابة للبروتوكول الصحي في المساجد قد احتلت الصدارة، فالمساجد كانت ولا تزال هي النموذج المثالي للتطبيق الفعلي لإجراءات البروتوكول الصحي، سواء في الجزائر أو في غيرها، في حين أن مختلف القطاعات والمؤسسات بما فيها القطاع الصحي لم تحقق ما حققته المساجد من مظاهر حضارية لالتزام البروتوكول الصحي، ولاسيما في الأشهر الأولى لفتح المساجد، حين كانت الفرحة بفتح المساجد عامة بين المصلين، والاستجابة للتوصيات تامة، غير أنه مع تلاشي تطبيق البروتوكول الصحي في مختلف القطاعات والمؤسسات الرسمية، جعل المصلين في حيرة من جدوى استمرار التشديد على تطبيق البروتوكول الصحي في المساجد فقط مع غيابه التام في مختلف القطاعات خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما جعل نسبة الاستجابة تتراجع في مختلف المساجد، لدرجة وقوع الأئمة في الحرج، وأدى إلى بعض التصادم أحيانا بين القائمين على المساجد وبعض المصلين، ممن ترسخت عندهم قناعة عدم جدوى فرض البروتوكول الصحي على المساجد وحدها.

الوسيط المغاربي: هل يوجد تأثير حقيقي لتطبيق البروتوكول الصحي على العلاقة بين الإمام والمصلين؟

الربعي عمير:

ما لاحظته منذ فتح المساجد وتطبيق إجراءات البروتوكول الصحي لم يكن في الأشهر الأولى لتطبيق الإجراءات الوقائية الصحية داخل المسجد أي تأثير سلبي على العلاقة المعهودة بين الإمام والمصلين، رغم التهاون الملحوظ في مختلف القطاعات لتطبيق تلك الإجراءات الصحية، غير أنه مع مرور الوقت وتقلص نسبة الوباء، وتخفيف مختلف المؤسسات من الأمر بتطبيق البروتوكول الصحي إلى حد التغافل التام، وعودة الحياة العامة إلى طبيعتها في الواقع، مع تطبيق محتشم للبروتوكول في بعض القطاعات القليلة، أدى ذلك كله إلى تعجب الغالبية من المصلين من جدوى القرارات الصارمة التي تفرض عليهم في المساجد، إلى درجة رفض الكثير من المصلين لتلك الإجراءات، والتي صاحبها في بعض المساجد حسب ما بلغني وقوع صدام بين الإمام وبعض المأمومين، وصل الحال ببعضهم إلى الطرد من المسجد، وهذا مما يؤسف له، لما فيه من زعزعة العلاقة والثقة بين الإمام والمأموم، والتي هي علاقة تفرضها عليهم حرمة المكان، وعظمة المقام.

وهذا ما جعل الكثير من الأئمة يتغافلون عن بعض الحالات التي ترفض وبقناعة امتثال الإجراءات الخاصة بالبروتوكول الصحي، حتى لا يزعزع الإمام علاقته بالمأمومين، في حين يلجأ البعض من الأئمة إلى استعطاف المصلين من أجل إقناعهم بضرورة التزام البروتوكول الصحي حتى لا يكونوا سببا لغلق المسجد وتعطيل الخير.

وهذا الواقع الذي عم مختلف المساجد، يجب على الجهات الوصية القائمة على المساجد أن تأخذه بعين الاعتبار، حتى لا يتسع الخرق على الراقع، فتقع الفجوة، وتتسع الهوة في علاقة الإمام بضيوف الرحمن، فنسيء بذلك إلى رسالة المسجد من خلال زعزعة الثقة بين الإمام والمأموم الذي يرى أن من واجبات الإمام الصدع بالحق، ورفض الخطأ مهما كان مصدره لا أن يكون شرطيا على الناس يقف بباب المسجد بدل وقوفه في محرابه تاليا للقرآن، أو على منبره آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر.

الوسيط المغاربي: الدكتور الربعي عمير: ماهي الإشكالات المطروحة في هذا الجانب؟

الربعي عمير:

الإشكالات المطروحة في هذا الجانب ترجع إلى أمرين:

الأول: كل المصلين وحتى الأئمة يتساءلون لماذا يستمر فرض البروتوكول الصحي على المساجد وبشدة في حين أن مؤسسات أكثر عرضة للوباء أصبح التزام البروتوكول فيها شيئا من الماضي، خذ مثلا المدارس والمتوسطات والجامعات، ودور الثقافة، كلها قل أن تجد فيها من يستعمل الكمامة، والمكتبات فيها مستغلة من التلاميذ والطلبة للقراءة والمذاكرة والمطالعة، في حين لا زالت المصاحف في المساجد ممنوعة من اللمس، ويمنع من الدخول من لم يستعمل الكمامة، وبيوت الراحة في الجامعات والإقامات الجامعية والمدارس في مختلف الأطوار مفتوحة ومائضات المساجد موصدة؟؟

الثاني: أن الإمام يجد نفسه أمام المصلين في موقف ضعيف الحجة من جهة الإقناع، حينما يطالبهم بالتزام البروتوكول في المسجد، وفيهم الطبيب المتخصص الذي يرى أن هذا الالتزام لم يعد له جدوى ما دام الإلزام به مقصورا على المسجد فقط وأن المواطنين اليوم مع الوباء في مرحلة مناعة القطيع، وأقلهم علما يدرك أن التخفيف أو التخلي عن البروتوكول في مختلف القطاعات والتشديد فقط في المساجد أمر يحمل علامات استفهام كثيرة لم يجد لها في خطاب الإمام وتوجيهه مبررات مقنعة ؟؟

الوسيط المغاربي:الدكتور الربعي عمير هل باقي المؤسسات الوطنية ساهمت إيجابا في هذا الموضوع؟

الربعي عمير: الذي نلاحظه هو العكس، لأن تخلي مختلف المؤسسات عن البروتوكول الصحي إلا في حالات استثنائية، أثر سلبا على التزام الاجراءات الوقائية داخل المساجد، فلو بقيت مختلف القطاعات والمؤسسات ملتزمة بالبروتوكول الصحي لبقيت المساجد هي الرائدة في امتثاله، رغم قلة الإمكانات، ولما كان هناك وجود لمشكل البروتوكول الصحي المسجدي مطروحا على الإطلاق، ولكن لما تخلت جل المؤسسات عن الصرامة في تطبيق البروتوكول، إما تخفيفا من الجهات المسؤولة عنها، أو تغافلها عن تطبيقه أدى ذلك إلى عدم قبول عموم رواد المساجد لما يجدونه في المسجد من تحتيم للبروتوكول الذي تلاشى وجوده في غير المسجد، فعاد دور المؤسسات الأخرى في التعامل مع البروتوكول على المساجد سلبا وأضر برسالة المسجد.

الوسيط المغاربي: ماهي الحلول التي تراها ناجعة في نظرك، وتساهم في نشر ثقافة التوعية على المستوى الوطني؟

  • الربعي عمير: الحلول التي أراها ناجعة في نظري مردها إلى التعامل مع المساجد وروادها كما يتم التعامل مع مختلف القطاعات المشابهة، التي يحصل فيها التقارب والتزاحم، إما بإعادة فرض البروتوكول الصحي وبصرامة على جميع القطاعات التي تشترك مع المسجد في اجتماع الأفراد، كما هو مفروض على المساجد… وإما بالاستجابة لمطالب جمهور الأئمة والمصلين باستفادة المساجد من التخفيف الذي استفادت منه مختلف القطاعات التي يكثر فيها عدد الأفراد، فإن لم يتحقق واحد من الحلين سنزيد العبء على الأئمة ونحملهم ما لا طاقة لهم به، وندفعهم إلى مزيد التعرض لاحتقان رواد المساجد، إلى حد اللامبالاة بكلامه، والتمرد على توجيهاته، وهذا لا مصلحة فيه للمساجد، ولا القائمين عليها، ولا عموم المسلمين. 
  • الوسيط المغاربي: الدكتور الربعي عمير ختاما كلمة لمواطني بئر العاتر والشعب الجزائري عامة، ونحن في شهر رمضان المعظم، شهر الرحمة والغفران والعتق من النيران؟
    • الربعي عمير:

من هذا المنبر الإعلامي جريدة الوسيط المغاربي التي أشكرها مرة أخرى على إتاحة الفرصة للمساهمة من خلالها بهذه التوجيهات والتنبيهات، التي أسأل الله أن ينفع بها، وأن تجد آذانا صاغية، أتقدم بتهنئة الشعب الجزائري عامة وسكان بئر العاتر خاصة بهذا الشهر الفضيل والضيف العزيز الذي حل علينا فنرجوا من الله أن تغشانا رحماته ومغفرته في شهر الرحمة والغفران، وأن يجعلنا من المقبولين، وأن يعتق رقابنا جميعا من النار، وأن يتقبل منا فيه الصلاة والصيام والقيام وصالح الأعمال، كما نسأله سبحانه أن يعجل لنا برفع الوباء، فتعود بيوت الله عامرة بالذكر، وضيوف الرحمن كسابق عهدها،  إنه سبحانه بالإجابة جدير وهو على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

حوار : بلخيري محمد الناصر

ا

%d مدونون معجبون بهذه: