حوار الوسيط المغاربي مع البروفسور في العلوم السياسية والمحلل السياسي إدريس عطية, حول التجربة الحزبية في الجزائر والمشهد السياسي الحالي وما يثار حوله من أراء . الجزء الأول

حوار الوسيط المغاربي مع البروفسور في العلوم السياسية والمحلل السياسي إدريس عطية, حول التجربة الحزبية في الجزائر والمشهد السياسي الحالي وما يثار حوله من أراء . الجزء الأول

الوسيط المغاربي: بداية نحيي البروفيسور إدريس عطية، أهلا وسهلا بك في جريدة الوسيط المغاربي

أهلا وسهلا بكم، بودي أولا أن أتقدم لكم بوافر الشكر على إتاحتي لي هذه الفرصة الكريمة، وأقول لكم ولكل القراء الأكارم رمضان كريم، راجيا من المولى سبحانه وتعالى أن يتقبل منا جميعا الصيام والقيام.

الوسيط المغاربي: من هو البروفيسور إدريس عطية؟

إدريس عطية  شاب من شباب الجزائر، يشتغل أستاذ جامعي جزائري وهو من مواليد ماي 1985، ببئر العاتر ولاية تبسة، من أسرة ثورية (أب مناضل، عم مجاهد وعم شهيد)،  تمت ترقيته إلى رتبة أستاذ التعليم العالي خلال الدورة الأربعة والأربعين للجنة الوطنية الجامعية في ديسمبر 2020، ولقد تحصل على أحسن استحقاق علمي، ويعد الأستاذ أصغر بروفيسور في الجزائر، كما تحصل على التأهيل الجامعي للتكوين العالي في ماي 2016  ، ودكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة الجزائر3،  سنة 2014 بتقدير مشرف جدا مع تهنئة اللجنة وتوصية بالطبع، وهو باحث متخصص في الدراسات الإستراتيجية والأمنية والشؤون الإفريقية والعربية، له أزيد من 40 دراسة علمية منشورة وطنيا ودوليا، و ثلاثة كتب، وأكثر من 120مشاركة في الملتقيات والمؤتمرات العلمية، الوطنية والدولية، إضافة إلى عدد من المطبوعات الجامعية المعتمدة، وقام بالعديد من التربصات العلمية والاقامات العلمية عالية المستوى والنشطات الرسمية في أغلب قارات العالم، ويشتغل منذ 2011 كأستاذ جامعي، بحيث اشتغل مدة تقارب العقد من الزمن في جامعة العربي التبسي – تبسة، وهو الآن في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية  بجامعة الجزائر3، كما أنه تقلد عدة مناصب إدارية وعلمية وبيداغوجية، منها رئيس اللجنة العلمية للقسم ، ومسؤول تخصص ماستر دراسات إستراتيجية وأمنية، ومنصب نائب رئيس الجامعة ، كما أن الأستاذ يمارس العمل الإعلامي كمحلل سياسي في القنوات الوطنية والدولية ومقدم إذاعي لبرنامج مختلفة، وكاتب للعديد من المقالات الصحفية التي تعالج الشأن الوطني والإقليمي والدولي.

الوسيط المغاربي: عرفت الجزائر منذ أكثر من ربع قرن التعددية الحزبية، ولكن رغم كل هذه المدة والتجربة التي اكتسبتها الأحزاب من خلال الممارسة السياسية، إلا أنها لم تستفد منها رغم الإمكانيات المتاحة، لتصنع لنفسها هالة سياسية ومكانة على المستوى الداخلي والخارجي، ليبقى الركود السياسي سيد الموقف، هل لك بروفسور أن تُشرَّحَ لنا الأسباب وتعطي للموضوع بعدا سياسيا موسعا ليستفيد القارئ؟ 

إن الحديث عن تجربة التعددية الحزبية التي اتبعتها الجزائر منذ العام 1989، يعتبر إشارة لمدى تجاوبها مع التحولات السياسية العالمية بوتيرة أسرع مما تعرفه أنظمة الحكم في الدول المجاورة، إذ لم تشهد دول العالم العربي تغيّرات في أنظمتها السياسية كالتغيّرات التي شهدتها الجزائر في مجال الحريات والانفتاح السياسي، رغم كل ما أسفر عنه هذا التحول من انحرافات، لقد كان الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية عقب أحداث أكتوبر 1988 التي كانت مسرحا لأزمة سياسية عرفها الحزب الحاكم آنذاك، (حزب جبهة التحرير الوطنيFLN)، وتمثلت في الصراع بين الجناح المحافظ منه، والنخبة الإصلاحية التي أبدت رغبتها في توسيع المشاركة السياسية، وتقليص دور الجهاز العسكري في المجال السياسي.

 ورغم اختلاف التحليلات السياسية حول حقيقة أحداث أكتوبر ومغزاها، إلا أنها شكلت بداية لعهد جديد للدولة الجزائرية، تم من خلاله اعتماد التعددية الحزبية والسياسية نمطا جديدا لتوسيع المشاركة السياسية وهذا ما جسده دستور23 فبراير 1989 ، إذتضمن الدستور الجديد المعدل حرية إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي، وتوسيع مجالات التعبير والتعددية الإعلامية، كما بادر الجيش الشعبي الوطني إلى الانسحاب من اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، ولقد توالت الإصلاحات السياسية بتنصيب مؤسسات الدولة وإتباع مسار انتخابي يكرّس المفاهيم الجديدة.

لقد اتجه المجتمع الجزائري نحو الديمقراطية وفقا لخصوصياته الاجتماعية، وإرثه التاريخي المتمثل في نضالات الحركة الوطنية ذات البعد التعددي، منذ “نجم شمال إفريقيا” إلى غاية ظهور “جبهة التحرير الوطني” العام1954، (رغم الاختلاف بشأن تقييم التجربة الديمقراطية في الجزائر، فإن الشواهد الواقعية تبرز حقيقة رئيسية هي تحول الجزائر نحو إقرار مبدأ التعددية، والمنافسة الحرة على الصعيدين السياسي والاجتماعي

إن إفرازات التجربة الديمقراطية في الجزائر عبر مسارها المثقّل بالأحداث والتحولات عبّرت عن ديناميكية جديدة تميزت بها الساحة السياسية، وأرادت من خلالها القوى الفاعلة التكيّف مع المتغيّرات الدولية، إلا أن هذه التجربة ذاتها خلقت مأساة حقيقية راح ضحيتها آلاف الأشخاص، وتخريب للممتلكات العمومية والبنية التحتية للاقتصاد الوطني، وبالرغم من كل هذا، لا يمكن أن نتجاهل سعي الجزائر أن تكون قطبا ديمقراطيا بين جيرانها من خلال فتح المجال للمشاركة السياسية وحرية التعبير.

وقد تغيّر هذا التوجه في نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، حيث تم إحياء الإصلاحات السياسية من جديد، وتعزز هذا التوجه في ربيع 2011 بعد إعلان رئيس الجمهورية الأسبق السيد عبد العزيز بوتفليقة، عن حزمة من الإصلاحات السياسية التي مست العديد من القوانين التي تحظى بأهمية بالغة في الحياة السياسية.

وتعتبر هذه المرحلة الأخيرة لجزائر الحراك بتقدير الباحثين والمشتغلين على موضوع الإصلاحات السياسية في الجزائر، المرحلة الذهبية لحركة تطور الإصلاحات، وقد استمر ذلك بشكل جاد ومتميّز إلى يومنا هذا، حيث تتجه التطلعات نحو مراجعة النظام الانتخابي برمته، ويعود السبب الرئيسي لتطور الموضوع في مرحلته الثالثة هذه إلى الاهتمام منقطع النظير الذي لقيّه من لدن الأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني والسلطات العمومية.

ولذلك ينبغي أن نقول أن ولادة تجربة التعددية كانت ولادة صعبة للغاية، حيث دفعت الجزائر ثمنا باهضا في سبيل انفتاحها السياسي جراء العشرية السوداء التي عطلت المسار الديمقراطي وشوهت مسيرته الحزبية طيلة العشرية السوداء (1992-2002).

الوسيط المغاربي: ماهي تداعيات الركود السياسي على الجزائر والمشهد السياسي ككل؟

نحن الان في مرحلة تحول، ولا ننكر تراكمات المراحل الماضية، بحيث أصبحت الذاكرة السياسية للمجتمع الجزائري ترفض الأحزاب بمختلف تياراتها؛ وطنية، اسلاموية، يسارية، كما أن المشهد السياسي تستقطبه تجاذبات بين متفائل ومتشائم، وبين مؤمن بالجزائر الجديدة، وبين جاحد بكل ما هو منجز جزائريا، ومع ذلك فالجزائر تسير في اتجاه صحيح يخدم الوحدة الوطنية ويعزز المسار الديمقراطي ويحقق الاستقرار الداخلي.

حيث تعتزم الجزائر فتح النقاش العمومي على أوسع نطاق حول السياسات العمومية التي يتعين تفعيلها في المستقبل القريب والبعيد، وذلك في ضوء الدروس المستخلصة من إخفاقات الماضي ونجاحاته،  إذا لا ننكر أن الجزائر في مفترق طرق، وتتوافر اليوم على وسائل انخراطها الحازم في طريق طموح وطني كبير يتقاسمه الجميع ويتمفصل حول التنمية الشاملة والمستدامة والمتوازنة والقطاعية، وللقيام بذلك يتعين للمجموعة الوطنية اعتماد اختيارات منسجمة وتسريع الوتيرة وتعميق أوراش الإصلاح السياسي والاقتصادي، وتحقيق القطيعة التامة مع الممارسات والسلوكات التي ظلت تعيق التنمية،

ولذلك فأنا أرى إن الممارسة الديمقراطية الموطدة، هي وحدها التي يمكن أن توجه البلاد نحو السير الثابت على طريق النجاح، فممارستها بمثابرة مدعمة بتحمل كل واحد منا لمسؤوليته، مع تحلي الجميع باليقظة، يجعل منها مجرد ترف فكري أو حلما يستحيل تحقيقه

الوسيط المغاربي : هل كان للأحزاب السياسية دور إيجابي في محاربة الفكر السياسي المتطرف والإيديولوجيات الغريبة والأفكار الهدامة المغرضة المسربة ألينا من الخارج لضرب استقرار البلاد وإن كان بالسلب في رائيك لماذا؟ 

الأحزاب هي أبرز الوسائط السياسية للنظام الجزائري و لها دور كبير في ذلك فعلى الرغم من الجهود المبذولة من الجهات الأمنية لحفظ الأمن ومكافحة الإرهاب والتطرف، وعلي الرغم من الهزائم المتوالية للإرهابيين والخراب الذي أحل بالعديد من الدول، إلا إنهم يتزايدون ويجدون أرضا خصبة في عقول الشباب غير الآمن فكريا ليمنحوه أمنا خياليا زائفا بالوعد بالجنة ويسلبونه أمنه الشخصي ويصبح قنبلة موقوتة قيد الانفجار لترويع وقتل الآخرين.

فلا سبيل للوقاية من العنف والإرهاب إلا من خلال تحقيق السلام النفسي والأمن الفكري الذي يقود الفرد لتبني ثقافة الحياة والبناء ويجعله قادرا على مواجهة ضغوطه النفسية الداخلية وبخاصة الفيروسات الفكرية والتسممات العقائدية ولذلك وجب على الاحزاب أن تلعب دورا مضافا في سبيل تحقيق الأمن الفكري الذي يعني هنا “الحفاظ على المكونات الثقافية الأصيلة في مواجهة التيارات الثقافية الوافدة والمشبوهة، فهو يصب في صالح الدعوة لتقوية أبعاد الأمن الوطني

وهو بهذا يعني حماية وصيانة الهوية الثقافية والفكرية من الاختراق او الاحتواء من الخارج، ويعني أيضا الحفاظ على العقل من الاحتواء الخارجي، وصيانة المؤسسات الثقافية في الداخل من الانحراف، وهو أيضاً اطمئنان الناس على مكونات أصالتهم وثقافتهم النوعية ومنظومتهم الفكرية، ويعني السكينة والاستقرار والاطمئنان القلبي واختفاء مشاعر الخوف على مستوى الفرد والجماعة في جميع المجالات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ويعني كذلك صيانة عقول أفراد المجتمع ضد أية انحرافات فكرية أو عقائدية مخالفة لما تنص عليه تعاليم الإسلام الحنيف أو أنظمة المجتمع وتقاليده.

ويمكن القول أن الأمن الفكري لكل مجتمع يهدف إلى الحفاظ على هويته إذ إن في حياة كل مجتمع ثوابت تمثل القاعدة التي تبنى عليها وتعد الرباط الذي يربط بين أفراده وتحدد سلوك أفراده وتكيف ردود أفعالهم تجاه الأحداث وتجعل للمجتمع استقلاله وتميزه وتضمن بقاؤه في الأمم الأخرى.

الوسيط المغاربي: ما هو تعليق البروفسور على المشهد السياسي الحالي بشكل عام وخاصة الانتخابات التشريعية القادمة؟

إن ولوج الشباب الجامعي المعترك السياسي هو مكسب وطني من اجل تجديد الدماء السياسية و إعطاء فرصة للكفاءات الوطنية، وما نلاحظه هذه اليوم من خلال تجند الشباب وانخراطه في قائمات الترشح له خير دليل على هذه الاستجابة الوطنية، لأن الجامعة هي المؤسسة الوحيدة التي تضخ الكوادر المؤهلة لقيادة البلاد في كل المجالات وفي كل المرافق وليس فقط في العمل التشريعي، كما لا ننكر أن هناك رهانات سياسية كثيرة تنتظر البرلمان القادم، والتي من بينها استكمال اجندة الإصلاحات السياسية من خلال القيام بتعديل اغلب القوانين العضوية والقوانين العادية والذهاب في وقت لآخر لمباشرة الإصلاحات القطاعية مثل إصلاح المدرسة وإصلاح الجامعة وإصلاح الصحة وغيرها، وكذلك التوجه نحو إقامة إصلاحات جريئة في الاقتصاد الوطني وكذا في المنظومة المالية والمصرفية

ولذلك فإقبال المواطنين وخاصة الشباب على قائمات الترشح هي أكبر دليل على قناعاتهم بمشروع الجزائر الجديدة وتوجههم الفاعل نحو بناء مرحلة جديدة وحاسمة في تاريخ الجزائر لما بعد الحراك، ومع ذلك فإنه لحد الآن لا نستطيع الحكم على مستوى المشاركة السياسية في الاستحقاقات القادمة وكذا درجة المقاطعة، وهذا راجع إلى نوعية قائمات المترشحين التي ستظهر بشكل نهائي خلال الأيام القادمة، كما إن الأمر سوف يتوقف على الحملة الانتخابية وطريق التسويق السياسي التي سيتبناها كل مترشح، ومع ذلك فأنا استعبد أن تكون نسبة المقاطعة عالية وأتوقع أن تكون نسبة المشاركة معتبرة خلال تشريعيات 12 جوان القادم.

الوسيط المغاربي: حسب الوضع الراهن، الدبلوماسية الجزائرية تسترد عافيتها وبدأت تتغلغل في القضايا الثقيلة في الجوار أو على المستوى الإقليمي، وخاصة تلك المتعلقة بملف الصحراء الغربية والقضية الفلسطينية وأصبحت تقلق بعض الأطراف، هل هذا سبب ليجعلها مستهدفة؟ 

إن النشاط الدبلوماسي لا يمكن أن يكون مرتجلا وعشوائيا، ويصبح بالضرورة محصلة وتتويجا لعملية أعمق وأبعد، تسبر أغوار السياسة الوطنية العامة وتمحصّها وتدّرك الأبعاد التراكمية والظرفية والزمنية في إطار هندسة إستراتيجية، وأبعاد تكتيكية تنطوي تحت مبادئ أساسية وقيم راسخة، لذلك فالنشاط الدبلوماسي الجزائري يستند إلى قاعدة صلبة من الصناعة السياسية، وهي تتعرض لمضايقات جراء مبادئها الثابتة تاريخيا إزاء القضايا العادلة في العالم، والتي رأسها القضية الفلسطينية كونها من أمهات القضايا كما عبر عنها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون مرات عديدة ، فهي قضية غربية وإسلامية تحتاج إلى تضافر الجهود الدولية، ولذلك الجزائر جراء ثبات مواقفها من القضية أصبحت تتعرض لاستهداف مباشر من قبل الكيان الصهيوني والدول التي تسير في فلكه سواء بعض الدول الغربية أو من خلال بعض دول التطبيع العربي، هذا إلى جانب قضية الجوار، والمتمثلة في الصحراء الغربية كونها أخر مستعمرة في إفريقيا.

إن تعددت مكتسبات الجزائر التي تلمس خارج حدودها؛ حيث تأكد حضورها فعليا على الصعيدين الإقليمي والدولي، منذ السنوات الأولى للاستقلال في شكل “انفتاح وانخراط ثابتان على الصعيد الدولي”، وكان دورها رائدا في المحافل العربية والإفريقية والإسلامية، كما برهنت على حضور دائم، على الصعيد الدولي، يشهد على ذلك انضمامها إلى المعاهدات الدولية الكبرى، ونشاطها في حظيرة هيئة الأمم المتحدة، وقد جعلت من الانفتاح الاقتصادي والتجاري خيارا استراتيجيا، وانخرطت خلال العقدين الأخيرين في عدة اتفاقيات للتبادل التجاري.

ويمثل الخيار المغاربي والشراكة الأورومتوسطية وما وراء الأطلسية والعمق العربي والإفريقي، مكتسبات أساسية لجزائر اليوم، ومن ثم تشكل صيانة هذه المكتسبات في اتجاه يخدم المصالح الوطنية وتنمية البلاد مهمة دائمة، لا يمكن اختزالها في العمل الدبلوماسي الرسمي فحسب؛ ذلك أن الدبلوماسيات الموازية، التي يقوم بها المجتمع المدني والمثقفون ورجالات العلم ورجال الأعمال، مكتسبات أخرى للجزائر تدفع للانفتاح والعمل والإشعاع، على الصعيد الدولي، وتبشر بدينامية جديدة، ومن الصعوبة بمكان التطرق لتفصيل كل المكتسبات الدبلوماسية للجزائر، حيث أكدت الجزائر في مرات عديدة وفي ملفات كثيرة نجاعة تصورتها ومنطقيتها.

لكن بعد حراك الجزائر للعام 2019 يلح الواقع على ضرورة تجديد المنظومة الدبلوماسية، والتجديد هنا لا يعني التخلي عن التقاليد الدبلوماسية المعمول بها ولا عن مبادئ السياسة الخارجية الراسخة في العمل الدبلوماسي الجزائري، وإنما المقصود هو التوجه نحو العمل الدبلوماسي البراجماتي الساعي نحو تحقيق المصلحة الوطنية وتجاوز الاكتفاء بالممارسات (الأخلاقية/ الأدبية/ غير البرغماتية) في سياستها الخارجية، من خلال العمل بعناوين اقتصادية، ومستخدمة في ذلك كل الأساليب الجديدة في العمل الدبلوماسي بدل الاكتفاء بالدبلوماسية التنفيذية أو الاقتصار على الدبلوماسية الرسمية دون الانفتاح على دبلوماسية المسار الثاني وجدواها في تحقيق المصالح الوطنية.

الوسيط المغاربي كلمة أخيرة تختم بها الموضوع؟

إن الجزائر الجديدة لست مجرد شعار أطلق من أجل التسويق السياسي، بل هي بمثابة الانطلاقة لمشروع جماعي تشاركي للعمل والتأمل والنقاش، يهم إنجاز تقويم استرجاعي لمسار التنمية منذ الاستقلال، واستشرافها أفاقها؛ إذ علينا أن نجعل من هذه الفرصة الذهبية، وقفة تاريخية لتقييم الأشواط التي قطعتها بلادنا على درب التنمية والبناء والتشييد، خلال ما يقارب الستة عقود، بنجاحاتها وصعوباتها وطموحاتها وإخفاقاتها، مستخلصين العبر من اختيارات هذه المرحلة التاريخية، والمنعطفات الكبرى التي ميزتها، مستهدفين من ذلك ترسيخ توجهاتنا المستقبلية على المدى البعيد بكل ثقة ووضوح، مبررين بكل تجرد وإنصاف الجهود الجبارة التي تبذل لوضع الجزائر على سكة بناء دولة مدنية تتماشى والمعطيات العصرية، وتلكم خير وفاء لصانعي استقلال الوطن

الوسيط المغاربي: ختاما بمناسبة هذا الشهر الفضيل ماذا تقول للشعب الجزائري عامة وأهل تبسة وبئر العاتر خاصة؟

إدريس عطية هو أصيل بئر العاتر الغالي وهناك أهلي وأقاربي ومدينتي وأحبائي، فأنا أحيي كل سكان بئر العاتر، كل بمقامه وصفته واسمه في هذا الشهر الفضيل، رغم بعدي عن المدينة لظروف العمل ولحاجة الوطن، إلا أن روحي لا تزال تتجول صباحا مساءا في أزقة وأحواز بئر العاتر الغالي، رغم غبار الفوسفاط وانعكاساته الصحية على ساكنة المدينة فحب بئر العاتر يبقى لأنه مسقط الرأس وأرض الاباء والأجداد، وبهذا الخصوص فأنا أحيي كل شرفاء بئر العاتر، وأخص بالذكر أهل العلم فيه، ونوابغ المدينة لأني أعرف أن بئر العاتر ولادة للكفاءات وذوي القدرات الخاصة.

بطبيعة الحال لا أنسى تبسة العزيزة، هذه الولاية المجاهدة والضاربة في أطناب التاريخ، أنا لا أنسى تجربتي كأستاذ في جامعة تبسة لمدة قاربت العشرة سنوات، بحيث تعلمت في هذه الجامعة الفتية أبجديات العمل البيداغوجي كأستاذ مساعد، وتدربت على العمل الإداري فيها، وساهمت بكل ما أوتيت بأن أضع جامعة تبسة في مصاف الجامعات من حيث جودة التعليم العالي، ومن حيث الإنتاج المعرفي، وساكنة الولاية يعلمون ذلك، ناهيك عن كل الجهود في سبيل ترقية الولاية من خلال الدفع بانفتاح الجامعة على محيطها الجواري.

وأخيرا أعود لأحيي كل سكان ولاية تبسة الذين يقارب عددهم مليون نسمة، وأقول لهم رمضان مبارك وكل عام وأنتم بألف خير، راجيا من المولى سبحانه وتعالي أن يرفع عنا الوباء والأسقام. والسلام عليكم.

حوار: بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: