جمعية العلماء المسلمين الجزائريين …والقضية الفلسطينية.

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ...والقضية الفلسطينية.

فلسطين قضية الجزائر وعلمائها الأولى وشغلهم الشاغل قبل انطلاق الثورة التحريرية وفي خضمها وبعدها  وأثناء ثورة البناء والتشييد, في ساحة الوغى لها حضور, ومع التكبير لرمي الرصاص تأوب, سال لها كثير من الحبر, مكانتها  كبيرة في قلوب الجزائريين, اليوم وغدا وبعد غد الى أن تنال استقلالها التام , وقد ألقى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يوم 15 نوفمبر 1988 خطابا عرف بوثيقة إعلان قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس وذلك خلال انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في قصر الصنوبر بالعاصمة الجزائرية, ولا غرابة في ذلك فقد كانت شغل شهدائنا ومجاهدينا وقادة ثورتنا التحريرية  وعلمائنا وحتى وهم في أحلك الأوقات وأصعبها وهم يواجهون المستعمر الفرنسي, متابعين  بكل اهتمام ما حل بها  و قلوبهم يمزقها الحزن والألم , فقد كانت محنتها محنتهم, بل وجعلوا منها قضية وطنية.  فلسطين لا تنسى ففيها المسجد الأقصى المبارك مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم,  وأولى القبلتين وثالث الحرمين, إنها الأرض الطاهرة , بوابة السماء ومجمع الأنبياء, شعبها المقاوم الثائر صنع المعجزات بمقاومته الباسلة و بصموده و بحجارته التي مرغت أنف الكيان الصهيوني في التراب.  

فقد حملت جمعية العلماء المسلمين على عاتقها مهمة الدفاع عن القضية الفلسطينية وسخرت أقلام أعلامها للدفاع عنها وتنوير الرأي العام داخليا وخارجيا وغرس حبها في نفوس الجزائريين وربط صلة قوية بينهم وبين المسجد الأقصى وأبعاده الدينية, مبينين  النوايا الخسيسة  للعدو الصهيوني وأطماعه  والمؤامرات التي تحاك للإنفراد بفلسطين وتقسيمها, كما ساهمت بشكل كبير في جمع الإعانات والمساعدات المختلفة وكانت السباقة في المبادرة, وفي هذا السياق وجه الشيخ عبد الحميد بن باديس في شهر نوفمبر 1933م احتجاجا إلي وزارة الخارجية الفرنسية مستنكرا  لما وقع من حوادث دامية  بفلسطين, كما أبرق رسالة تعاطف إلي مفتي القدس, وفي شهر أوت من سنة 1937 رفع احتجاجا قويا باسم الشعب الجزائري ضد مشروع  تقسيم فلسطين إلى وزير الخارجية الفرنسية, معتبرا إياه ظلما شنيعا في حق شعب يدافع من أجل حريته ونيل استقلاله واعتداءا سافرا على جميع الشعوب العربية الإسلامية, وانتهاكا لحرمة المقدسات, متمنيا  تدخل الحكومة الفرنسية لمنع التقسيم.   

 كما لفت انتباه الرأي العام لما يحاك من مكائد لفلسطين وشعبها, مسميا إياها ” فلسطين الشهيدة” مشددا وداعيا للدفاع عن القدس الشريف قائلا “..كل مسلم مسؤول أعظمَ المسؤولية عند الله تعالى على كل ما يجري هنالك من أرواح تُزهق، وصغارٍ تُيتم ونساء تُرمل، وأموال تُهلك، وديار تُخرَّبُ، وحُرماتٍ تُنتهكُ، كما لو كان ذلك كله واقعًا بمكة أو المدينة، إن لم يعمل لرفع ذلك الظلم الفظيع بما استطاع!”, كما أرسل برقية إليإلى المؤتمر البرلماني العام الذي عقدته اللجنة البرلمانية المصرية للدفاع عن فلسطين بالقاهرة في 17 أكتوبر 1938 م، أيد فيها باسم الشعب الجزائري الموافقة على ما يستقر عليه الرأي.

كما حذا حذوه علماء جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين ، وحظيت قضية فلسطين باهتمامهم ومنهم الشّيخ مُحَمَّد البشير الإبراهيمي, الذي كانت معظم كتاباته بجريدة البصائر ومجلَّة الأخوة الإسلاميّة العراقيّة و كتاب فلسطين الذي أصدره مركز الإعلام العربي بالقاهرة حيث أعطى للقضية  الفلسطينية بعدا  تاريخيا متطرقا الي  جوانبها السّياسيّة والدّينيّة والتّاريخيّة، مبرزا أهميتها ومكانتها لدى العرب والمسلمين، وضرورة مواجهة المشروع الصّهيوني في فلسطين. وفي عهدة رئاسته للجمعية تأسست الهيئة العليا لإعانة فلسطين في 14 جوان 1948 م برئاسته وعضوية الشّيخ الطيب العقبي والشّيخ إبراهيم بيوض والمناضل فرحات عباس، ثمّ تكوّنت لجنة تنفيذيّة للهيئة من أهل العلم والفضل والجاه الجزائريين, ومن أعمالها إرسال برقية إلى الحكومة الفرنسية تندد فيها باعتراف المجلس الوطني الفرنسي بالكيان الصهيوني، واعتبرت ذلك عملا عدائيا ضد العالم الإسلامي و استفزازا لمشاعر مسلمي المغرب العربي، كما أرسلت الهيئة برقية مماثلة إلى جامعة الدول العربية تبرز فيها تضامنها الدائم لمكافحة الصهيونية متهمة الأمم المتحدة بالتواطؤ مع الحركة الصهيونية، والتناقض مع ميثاقها وتهديد السلام العالمي. وتمكنت الهيئة من جمع ثمانية ملايين فرنك كتبرعات، وجندت حوالي 100 متطوع للجهاد في فلسطين.

ومن مواقف الشّيخ الإبراهيمي تسميته للوفد الذي شكله المؤتمر الإسلامي المنعقد بالقدس في 03 ديسمبر 1953 م “الوفد الصخري” نسبة إلى قبة الصخرة، وخاطب الذين كلفوا هذا الوفد بالطواف حول البلدان الإسلامية لجمع المال لترميم مسجد الصخرة وزخرفته، قائلا: ” أيها الإخوان الصخريون، إنكم ومن أعانكم على مشروع الصخرة بالمال، أو نشطكم عليه بالرأي، لم تزيدوا على أن أحييتم في الإسلام سُنّة من سُنن المصريين القدماء في قصة عروس النيل: كانوا يُزيّنون فتاة للموت، وأنتم تُزيّنون مسجدا للهدم “. وقد صدق رحمه الله في كلامه فقد احتل الصهاينة القدس وأقصاها وصخرتها في 06 جوان 1967م.

الشّيخ العربي التبسي  مدافع شرس عن القضية الفلسطينية, له فتوى بوجوب الجهاد في فلسطين ونصرة أهلها لما اندلعت حرب 1948 م حيث لقيت صدى كبيرا لدى الشباب الذي تحمس لنصرة القدس، ومنهم ثلة من شباب مدينة تبسة الذين اجتمعوا ليلة 27 ماي 1948 م، ووقف قائدهم عبد الحفيظ قصري يقرأ عليهم فتوى الشّيخ، وقد ذهبوا للجهاد سيراً على الأقدام وشاركوا في الحرب ضمن المتطوعين المغاربة الذين بلغ عددهم 200 عنصر تقريبا.

الشّيخ الطيب العقبي,  اعتبر مأساة فلسطين انتكاسة كبيرة ، موجها انتقادات شديدة من خلال كتاباته عبر جريدته الإصلاح وصحف جمعية العلماء لسياسة انكلترا في تشجيع الهجرة اليهودية، وإلى عصبة الأمم حين أوكلت مصير فلسطين إلى لجنة التحقيق الانجليزية المنحازة للصهاينة، والتي أوصت في تقريرها بالتقسيم. كما أرسل  باسم الشعب الجزائري إلى الجامعة العربية برقية يعبر فيها عن رفضهم لمشروع تقسيم فلسطين الذي تقدمت به هيئة الأمم المتحدة وعن استعدادهم لحمل راية الجهاد لحماية مقدسات المسلمين. وفي سنة 1947 م تأسست لجنة الدفاع عن فلسطين برئاسته، وتولى كتابتها العامة مُحَمَّد الأمين العمودي، واقترح الشّيخ العقبي أن يؤسس على رأس كل مدينة أو قرية لجنة للدفاع عن فلسطين، تتولى جمع التبرعات وتسجيل أسماء المجاهدين الذين يرغبون في التطوع لدفاع عن فلسطين، وقد أسند هذه المهمة لمصالي الحاج. وقد شهد له الشّيخ الإبراهيمي بأنه الروح المدبرة لتأسيس الهيئة العليا لإعانة فلسطين التي تولى فيها أمانة المال.

الشّيخ الفضيل الورتيلاني  كتب المئات من المقالات والرسائل والبرقيات والخواطر الثائرة عن قضية فلسطين، لعل أبرزها مقال له سنة 1954 م، جاء في صيغة نداء وندبة وتحسر تحت عنوان “هل يعرف العرب هذه الحقائق عن فلسطين – أنقذوا الممكن منها قبل نزول الغضب“، كتبه بعد أن كلفه المؤتمر الإسلامي العام بزيارة الأماكن المقدسة ومعايشة الفلسطينيين عن كثب لمدة ثلاثة شهور. وقد نبه فيه إلى أهمية اضطلاع الفلسطينيين بعبء العمل الجهادي، والحفاظ على الجزء المتبقي من الأراضي الفلسطينية ومقاومة العدو الصهيوني من الداخل.

الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان  كانت قضية فلسطين شغله الشاغل  وتصدرت أخبار صحفه وكان من أبرز مراسله محمدعلي الطاهر رئيس اللجنة الفلسطينية العربية، و نالت قدرا كبيرا في مقالاته وقصائده الشعرية منها قصيدة تجاوزت الثلاثمائة بيت،  للعلم أنه جمع لوحده من التبرعات ما يساوي نصف ما جمعه الأعضاء الباقون في الهيئة العليا لإعانة فلسطين.

الشّيخ أبو يعلى الزواوي  كان من المدافعين الكبار بقلمه عن فلسطين ورأى في الانتداب البريطاني اعتداءا وجورا، لا يجوز شرعا ولا قانونا عند جميع الأمم الدائنة بالشرائع السماوية أو المتحاكمة للقوانين الوضعية، ودعا اليهود إلى رفض قرار تقسيم فلسطين باعتباره قرارا جائرا وغير شرعي وقائم على باطل، وحثهم على البقاء في دولة فلسطينية عربية تصون حقوقهم كما صانت مختلف الدول الإسلامية حقوق أجدادهم عبر التّاريخ.

لقد كان لجمعية العلماء المسلمين اهتمام كبير بالقضية الفلسطينية  التي كانت تعتبرها ثورة التحرير  قضية وطنية بأبعاد قومية عربية وإسلامية  والتي أخذت النصيب الأوفر من  اهتمام شعراء الجمعية كمُحَمَّد العيد آل خليفة، ومُحَمَّد جريدي والعباس بن الحسين وأحمد سحنون وغيرهم,  نشرت قصائدهم في صحف الجمعية خاصة البصائر التي عرضت في أعدادها المختلفة الواقع الفلسطيني وتتبعت الأحداث ودعت إلى نجدتها ونصرتها وخصت صفحاتها لنشر مقالات مفتي القدس مُحَمَّد أمين الحسيني وكذلك البيانات والنداءات التي كانت تصلها من داخل فلسطين والجمعيات الفلسطينية في الخارج.

بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: