تقديم الألــم في “رواية بيضة العقرب، رواية السيرة السرطانية”لـِلروائي محمود عيسى موسى.

تقديم الألــم في "رواية بيضة العقرب، رواية السيرة السرطانية"لـِلروائي محمود عيسى موسى

 

 

عندما يأتي العنوان صادماً أو غرائبياً مثل ” بيضة العقرب ” فإن القارئ بالتأكيد سينفر من الرواية ، وإذا علمنا أنها متعلقة بـ “السيرة السرطانية” فهذا يجعله يفرّ من أمامها ، لكن لو تقدم المتلقي من الرواية وقرأ ما جاء على الغلاف الخارجي بالتأكيد سيغير موقفه ، ويجعله يتقدم وبسرعة منها.

إذن العنوان (المنفر) على الغلاف الأمامي يقابله مدخل محفّز على الغلاف الخارجي ، فما الذي استخدمه السارد ليلغي ذلك السواد والقسوة الكامنة على الغلاف؟ : “… ثم فكرت بأنني سأتحمل ألمي الجسدي ، ولن أستعجل مغادرة الحياة ، إلى أن تقرر هي مغادرتي ، لأني أحب فيها أوان الغروب ، وساعة الشروق ، إذا كانت صاحية بعد ليلة حب … ومسرحيات الرحابنة على الراديو أيام الانقلابات ، ومزمزة (حِزّ) الليمون مع الملح ،… والفلّ والزنبق الدمشقي … والكبة المشوية (المسقسقة) بقشطة وحلاة الجبن ، واللبنة بالطرخون والشاكرية ورز ، ولقمة منسف من ( يد ما نعدمهاش)، والملوخوية ، ثم الملوخية ، وكمان مرة الملوخية ، بالكزبرة والثوم … ووضع الرأس في زاوية كتف من تحب ، تماماً فوق الضلع الناقص ، الذي كان في أصل الصنع” ، فكرة حب الحياة واضحة ، لكن اللافت هي اللغة المستخدمة ، والتي تتميز ببساطتها وسهولتها وشعبيتها ، وهذا ما يجعلها قريبة من المتلقي ، الذي يجد رواية ” السيرة السرطانية ” تستخدم لغته ، بهذا الشكل استطاع “محمود عيسى موسى” قَلْب مرضه وما يلازمه من خوف وألم إلى حدث بسيط وسهل ، وهذا ما يُغيّر موقف المتلقي من الرواية

 

بساطة التقديم

 

وإذا علمنا أن ما جاء على الغلاف الخارجي كان فاتحة الرواية ، نصل إلى وجود عنصر جذب آخر ، والذي سيكون مدخل إلى الرواية ، فالبساطة كانت أحد العناصر الأساسية في الرواية ، ولم تقتصر هذه البساطة على لغة السارد ” محمود عيسى موسى ” فقط ، بل تعدتها إلى لغة الأدباء والكتاب أيضاً ، فهو يقدمهم بالطريقة (العادية) التي يتصرفون ويتحدثون بها ، بعيداً عن الشكل الذي يظهرون به أمام الإعلام  والمواقف الأدبية الرسمية ، يحدثنا عن “هاشم غريبة” الذي كان أحد الذين دفعوا الروائي لكتابة هذه الرواية بقوله : ” هاشم غرابية ابن القرية المساة القمحة المشهورة ، حواره ، قال : أكتب .. كرّرها أكثر من مرة أثناء زيارته للإطمئنان على صحتي . … يضحك علناً ، يقترح علناً ، علي أن أكتبها وأسجلها المهم أن لا تضيع…قال (ماله) سجل بصوتك، احمل آلة تسجيل حتى لا يضيع منك ولا (نتفة)” ص20و21،

البساطة لم تكن مقتصرة على السارد ، بل قدم لنا الطريقة التي يتحدث بها كاتب ” ماله ، نتفة ” له بصمته في الساحة الأدبية ، وهنا تكون الرواية قد أكدت على اللغة البسيطة/العادية التي  تميزها عن غيرها .

ويحدثنا عن ابن عمته “حسنية” “الدكتور حسن نمر حجاب” الذي أيضا كان من المشجّعين على كتابة هذه الرواية : ” كلامه كان حلاوة وهو يقول يا خال ، ما أطيبها من فمه وهي تنتشر في صدري ، وقعها يحيي السكينة والآمال في النفس…أعرف كم كنت تحب الآخرين ، وقد عملت من أجلهم دائماً ، الكثيرون من الناس يقعون في هذا العصر يصابون هنا وهناك ، لكنهم بالإضافة للمرض يقعون في براثن الخوف والهلع ويستسلمون لهول النهاية المحتومة ، أنت تختلف ، لم تخف ولم يدب فيك الرعب ، إنك تواجه الأمر ببساطة وشجاعة ، في الحقيقة أنت تعمل على صمود من حولك وتقوية عزيمتهم ، لاحظت ذلك على مستوى العائلة والأصدقاء ، أنت صاحب جرأة معهودة وصاحب تجربة غنية في الحياة ، فلا  أظنك ستبخل ، كما لم تبخل من قبل ، أنت مسؤول وأعرف أنك لا تدير ظهرك ، الواجب يملي عليك الكتابة أو التسجيل ” ص24، نلاحظ هنا وجود لغة ( شبه رسمية)  وهذا يعود إلى طبيعة الشخص المتكلم ، فهو طبيب ، ويقوم بدوره كطبيب عمل على مساعدة المرضى ، فعندما وجد في ابن خاله “محمود عيسى موسى” العزيمة والبساطة في تلقيه للمرض ، أراد أن ينشر هذه التجربة للآخرين ، ليتعلموا أن هذا المرض لا يعني الموت ويمكن أن يعالج ، وهذا ما كان .

يتحدث أيضاً عن ” محمد طملية ، وفايز محمود ، ومؤنس الرزاز” الذي تحدث معه بهذا الشكل : ” أحبك وأحب جرأتك  في الكتابة وأحبّ حريتك في الحياة وتخبيصاتك ، لا تكترث ، لا تهتم لشيء ” ص27، أيضا نجد لغة الناس البسطاء ، بعيداً عن تلك اللغة التي نقرؤها في الروايات ، فهنا كان اللغة (عادية)  تؤكد على أن المتحدثين هم ناس مثلنا ، وليسوا بعيدين عنا .

أما ” إبراهيم نصر الله ” الذي قام بمساعدته مادياً ، بطريقة غير مباشرة : ” حمل لوحة “علي طالب” وأرسل لي ثلاثمائة دينار مع عمر أبي الهيجاء وكذب أنه باعها ” ص28.

أما موقف ” محمد عيد ” فلم يكن كحال من سبقوه ، فكان متأثراً وكأن المرض يعني الموت حتماً : ” بكى ، محمد عيد ، كالأطفال عبر الهاتف ، كان ينشج كالكبار وهو يردد : إذا صار لك (شي) يا محمود ما بعرف ( شو بسوّي بحالي )  ص28.

أما يوسف ضمرة فحاله أيضا لم يكن متزن : ” يوسف ضمرة كان مهلوعاً من ( الكذا مذا ) وكأنه أمام أول يوم في امتحان الثانوية العامة ” ص28، لكن بعد محادثة السارد ، نجده يتغير تماماً ، وينقلب الحزن والدهشة إلى ضحك وبساطة : “… لا بد من الضحك فجأة ، قال ، خلص ، خلص .. صارت بيضتي توجعني ” ص28 . نلاحظ أن السارد هو من يرفع معنويات أصدقاءه وليس هم ، وكأنهم مرضى وهو المعافى ، لهذا سرعان ما يقلب حزنهم إلى فرح  يتخلله الضحك ، وهذا الأمر انطبق على ” عمر شبانة وجمال ناجي ” اللذان : ” طقّت خواصرهما من الضحك فوق الشرشف الأبيض وهما يجلسان على سريرين في المشفى ” ص28.

وهناك ” خالد أبو خالد ” الذي أتى من سوريا ليطمئن عليه ، وقدم له رسالة غريبة : ” دس خالد أبو خالد ” رسالة غرام ، عندما جاء لزيارتي من دمشق ، ضخامته لم توفّق في إخفاء تأثره لحظة العناق ، حنانه ، أقرب ما يكون إلى حنان الأم ، جارف … فتحتها… فوجدت فيها ورقة من فئة مئة دولار” ص29 ، عدم ( إخفاء ) المبلغ الذي تحمله الرسالة يشير إلى أن السارد بسيط ، ولا يخفي شيئاً ، ورغم أن بعضهم سيعتقد أنه مبلغ زهيد ، إلا أنه حسب قدرة ” أبو خالد ” المالية يعتبر مبلغ (محترم) ، وهذا يؤكد على أن البساطة هي الحالة العامة في الرواية ، بساطة الأحداث ، بساطة اللغة ، بساطة الناس ، وبساطة تقديم المشاهد .

ويتحدث عن ” انصاف قلعجي ، إبراهيم الخسي ، أحمد كامل ، حسن ناجي ، جودت السعد ، عمر أبو الهيجاء ، والمرأة المعذبة ” التي مازحته : ” مطوّل تاتموت ” ص30 ، كل هؤلاء وغيرهم كان لهم دور/أثر في كتابة الرواية ، لهذا تناولهم السارد ووثّق ما قاموا به من مساعدة معنوية وغيرها .

البساطة لم تقتصر على هؤلاء الكتاب والأدباء ، بل تعدّت إلى الأهل والأقرباء ، فعندما يأتي شقيق السارد ” جمال ” إلى المشفى ، يخفي عنه مرضه بهذا الشكل: ” مرّت بثينة ، ابنة عمتي حمدة ، رئيسة قسم التمريض في المشفى في جولتها الصباحية ، دُهشت . سلامات ابن الخال .. خير، غمزُتها ، فهمتْ قصدي ، مجرد فتق بسيط ، كي لا يعرف أخي جمال بالأمر ويخبر الأهل ، . قرأتْ الملف (غرشت) ولم تعد تسأل ” ص63و64 ، نلاحط البساطة حتى عندما يكون الموقف (جدي) ، فمن خلال استخدامه ” غمزتها ، غرشت ” يموّه جدية الحدث وخطورته ، ويمحو ما فيه من قسوة تجاه الأهل ، ” بثينة ” ابنة عمته وشقيقه جمال ” .

هذا ما كان قبل إجراء عملية استئصال البيضة ، وبعد العملية استمر أسلوبه الساخر على حاله : ” العيون تحدق باتجاه واحد ، تنظر باتجاه واحد ، تنظر نحو عورتي ، حتى عيون الغزلان الشاردة راحت هي الأخرى تسترق النظر .” ص68، المشهد يبدو وكأن السارد في متنزه ، وليس في عمليه استئصال خطيرة ، ” الناس بيش وهو بيش ” . ويحدثنا عن الخصوة وكيفية التعامل معها من قبل الطبيب : ” شدها ، رفعها في الهواء ، ابتسمت عيناه بانتصار، سحب حبلها الملطخ بالدم ، شده ثم قطعه ، كومها هي وحبلها وأسقطها في المرطبان الزجاجي الذي أعدّه الجراح المساعد لاسقبالها . نظرت إليها بأسى داخل السائل نظرة وداع .

له يا خصيتي.. واخصيتاه ” ص71 .

أيضا نجد البساطة في حديثه عن الجزء المستأصل منه ، فبدا حديثه وكأنه يتحدث عن بيضة دجاجة ، وليس عن جزء اقتطع منه ، وجزء حيوي وأساسي من جسده .

ويستخدم قصة الرهان بين الزوج وزوجته على أيهما سيتكلم أولا ، حيث يقوم الزوج بطلي عورته بالزبدة ، ويكشفها للقطة التي : راحت تلحس الزبدة ” عندما تخاف الزوجة على بيضة زوجها ” يا فليح القطة توكل عورتك يا زلمه .

رد ببرود/ رد الواثق من الفوز والانتصار

خليها تاكلها.

نهرت القط قائلة : توكل قلبك ولا توكلها ” ص73 ، أيضا نجد السارد يستخدم داعاباته في حديثه مع زائريه ، مستمراً في نهجه البسيط في الحديث عن مرضه وعن العملية التي أجراها .

وعندما يجري له الطبيب فحص السكر ويجده مرتفع يرد عليه بهذا الشكل : ” غريب وعجيب ، كل هذه المرارات وما زال مرتفعا ” ص119، إذن السارد في كل موقف صعب يستخدم هذه البساطة ، فهي ملازمة له ، فتظهر وكأنها البلسم الشافي الذي به يتخلص من كل الأمراض والأوجاع .

وعندما تساله الطبيبة “بسمات”:

“ـ (يقولوا إنك شيوعي، هل هذا صحيح)

ـ (يئولوا مهما يئولوا)” ص138، هذه المواقف تجعل المتلقي يسأل ، من أين للسارد كل هذه القدرة على الدعابة ، رغم ما يمر به ؟، وهذا ما يحسب ” لمحمود عيسى موسى” الذي قدم نصاً روائياً ممتعاً ، وأيضاً مفيداً لمن يريد أن يتصرف بحكمة تجاه هذا المرض الخبيث .

وبعد أخذه جرعة الكيماوي ، وما يلازمها من تساقط الشعر، يتحدث عنه بهذا الشكل : ” كانت جدتك أم عيسى ، كلما وقع نظرها على لحيتك تقول : ( قُشّ هالزبلات عن وجهك يا ستي ) … اطمأني يا جدتي في ترابك ، الآن جاء الكيماوي القشّاش ، قشها وقش معها كل شعرة من شعر الرأس والبدن ” ص180، حتى التغييرات التي تصيب الجسم يتأمل بها بروح البساطة وكأنه أمر عادي/طبيعي ، لا يستدعي الإرتباك أو الخوف .

وعن الحرقة التي تشتعل في الجسم بعد الكيماوي ، يتحدث عنها بطريقة غريبة عجيبة : ” .. سأتلفن للطوارئ ..

تلفن محمود ، الدفاع المدني ، الوووو ، وأبلغ عن نشوب حريق هائل ، الحريق الذي تأججت ناره في داخلي . سأغلق السماعة من هون وأسمع زامور الويو ويو من هون ، بدقائق معدودة ستصل سيارة الإطفائية … سأغلق فمي جيداً بانتظار لحظة الوصول ، ولما يصل تماماً وينزل منها رجال الإطفاء ويتراكضون نحوي … عندما يهتدون إلى فمي كمدخل مهم ، سأفتحه على آخره في وجودهم ، … فيصلون باللهب المندفع في جوفي ” ص184، نلاحظ حتى تعاطيه مع الألم يستمر في استخدام  البساطة والسخرية ، فالمشهد فانتازي بامتياز ، وهذا ما جعل حتى المشاهد القاسية  تبدو جميلة وممتعة ، وهذا يحسب للسارد ، الذي استطاع إمتاع القارئ حتى وقت الشدة والألم .

يحدثنا عن صديقه ” عبدالله برغل ” وعن الهاتف الذي وصله منه :

” كيفك ، طمّني على شعرك الطويل المسترسل وشعر لحيتك ، شوف يا محمود ، سمعت بأنك مريض جداً ، أصلع وبلا لحية .

ـ أنا كويس يا عبدالله ، فقط معي سرطان ، لا أحد في البيت معي غيره ، وضعي جيد ، وأنا في أحسن حال ” ص247، مواجهة الواقع بهذه السخرية يعدّ أمر خارق ويتجاوز قدرات الإنسان العادي ، فما بالنا برجل مريض ، وبمرض خطير ومخيف؟.

أما عن الجفاف الذي يشعر به المصاب بعد جرعة الكيماوي ، يقول عنه : ” إمعاناً في إنحيازي وشغفي وتعاطفي وميلي في هذه المعركة للماء ، وخوفاً عليه وعلى ميزان القوى ، فقد استعنت بفرق الإمداد من السوائل والعصائر واستدعيت فرق المشاة والمليشيا والاحتياط .

خيل لي من شدة العطش وقسوة الجفاف والحلق الملتهب بأني سأشرب بركة البيبسي واعتقدت أن الشركة قد أعدّتها لمثل هذا اليوم المشهود ” ص253و254، نلاحظ أن السارد يقدم ما يجري له بطريقة ساخرة ، لكنها في الوقت ذاته تحمل المعرفة للقارئ بما يجري من تغيّرات في الجسد ، والألم المصاحب للجرعات التي يأخذها مريض السرطان ، وإذا علمنا أن هذا الألم والقسوة قدم بطريقة بسيطة ومتعة ، نصل إلى أن السارد يمتلك قدرات خارقة بحيث يحول فكرة/حدث الألم إلى لغة متعة وشكل أدبي مفرح .

وعدما يتذكر الماضي وما فيه من مأساة ، يقدمه بهذه الطريقة : ” الجمعة13 نيسان 2001

رغم أنه عطلة اسبوعية ، فقد انطلقت الشرارة الأولى للحرب الأهلية في لبنان 1975 ” ص288، وهذا ما يجعل البساطة هي الشكل الذي يمرر به ” محمود عيسى موسى ”  كل المآسي والألام والوجع الذي تعرض ويتعرض له .

الرواية من منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت- لبنان ، الطبعة الأولى 2006.

 

رائد محمد الحواري