تحركات الدبلوماسية الجزائرية في أفريقيا؛ عودة قوية إلى العمق الاستراتيجي..

تحركات الدبلوماسية الجزائرية في أفريقيا؛ عودة قوية إلى العمق الاستراتيجي..

تعرف الدبلوماسية الجزائرية عودة قوية على الساحة الإفريقية، بعد ركود عرفته خلال السنوات الأخيرة، بسبب انشغالها بالأزمات الداخلية التي ميزت السنوات الأخيرة من عهدة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، والتي كلّلت باندلاع الحراك الشعبي سنة 2019، لتعاود الظهور مرة أخرى عبر دخولها/ واستمرارها في حل عدة قضايا وأزمات أفريقية.

الدبلوماسية الجزائرية: خبرة تاريخية ومحلّ ثقة دولية..

انخراط الدبلوماسية الجزائرية في عدة ملفات في نفس الوقت، ينطلق من رصيد تاريخي مشرّف عمره عقود، في الوساطة وحل الأزمات في عدة مناطق من العالم، مثل: الوساطة في كل من مدغشقر والنيجر، ونجاحها في حل النزاع بين أثيوبيا وأرتيريا، ودفع أطرف النزاع داخل مالي غلى الحوار الذي كلّل بإتفاق الجزائر سنة 2015؛ يضاف إلى ذلك شبكة العلاقات الوطيدة التي يحتفظ بها كبار الدبلوماسيين الجزائريين مع مختلف القادة والفاعلين الدوليين.

ثقة مختلف الأطراف بالدبلوماسية الجزائرية، تعود إلى الحياد الإيجابي الذي طالما تميزت به هذه الأخيرة، حيث تقف على مسافة واحدة من كل الأطراف، ففيما يخص أزمة سد النهضة حاليا، لم تعلن الجزائر على غرار بعض الدول، اصطفافها إلى جانب مصر والسودان فبي مواجهة أثيوبيا، بل طرحت على الدول الثلاث المعنية بالأزمة، مبادرة نالت القبول والاستحسان حب الأصداء الأولية، رغم التحفظ عن كشف فحواها في الوقت الراهن.

الكثير من المحللين والمتابعين للشأن الجزائري، اعتبروا عودة رمطان لعمامرة إلى تولي حقيبة الشؤون الخارجية، مؤشرا على عودة اهتمام الدبلوماسية الجزائرية بعمقها الأفريقي والعربي، من خلال انخراطها في كافة المسائل العالقة حاليا في هذين المجالين المتداخلين، في ظل غياب بديل إقليمي ودولي حقيقي يعوضها، وينال ثقة أطراف مختلف الأزمات والنزاعات داخل القارة الأفريقية.

رمطان لعمامرة كان قد شغل في وقت سابق، غداة انتهاء تكليفه بوزارة الخارجية سنة 2019،  مبعوثاً خاصاً لأنطونيو غوتيرش الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، قبل فشل مهمته بسبب عراقيل وضعتها الولايات المتحدة، ليعين بعد ذلك مفوضاً سامياً في الإتحاد الأفريقي لإسكات البنادق، وذلك في إطار مبادرة أطلقها الإتحاد، لحل النزاعات في القارة.

الأزمة الليبية؛ الجزائر محل ثقة حكومة الوحدة الوطنية..

رغم الاعتراض غير المباشر للمقاربة الجزائرية لحل الأزمة في ليبيا من طرف عدة دول كبرى، والذي تجسد في عدة عراقيل لإفشال هذه المقاربة، كان تطور الأحداث في ليبيا أكبر دليل على ضرورة تبني هذه المقاربة، التي تدعم بقوة الحل الأممي للأزمة، وإخراج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، ومنع سيطرة الميليشيات على الدولة، كما أن وزير الخارجية الجزائري الجديد، يسعى إلى اِشراك الإتحاد الأفريقي في حل الأزمة الليبية، بعد أن حاولت الولايات المتحدة في وقت سابق تهميش دوره في الحل إلى جانب الأمم المتحدة كمنظمة إقليمية يفترض أن تكون لها علاقة مباشرة بالملف الليبي.

ولعل دعوة رئيس الحكومة الليبية وقبله رئيس المجلس الرئاسي الجزائر لرعاية المصالحة الوطنية الليبية، خير دليل على ثقة الليبيين بالدور الجزائري الذي لا ينطلق من أيّة خلفيات ولا حسابات ضيقة، عكس بعض الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى.

الاستقرار السياسي في تونس؛ خط أحمر للجزائر..

لطالما كانت العلاقات الجزائرية التونسية على الصعيد الرسمي أو الشعبي، استثناءً في علاقات الجزائر مع محيطها الإقليمي، إذ لم تعرف هذه العلاقات أي توتر سوى مع بعض الخلافات العابرة بين الرئيسين الراحلين هواري بومدين ولحبيب بورقيبة، لكنها لم تتطور إلى التأثير على العلاقات بين البلدين كما هو الحال مع المغرب.

لذلك فإن دعم الاستقرار السياسي في تونس في ظل الأزمة السياسية التي تعرفها الجارة الشرقية منذ آخر انتخابات رئاسية وبرلمانية سنة 2019، يشكل أولوية للجزائر، كانت قد عبرت عنها في عدة مناسبات، لعل آخرها الاتصالات الهاتفية بين الرئيسين: الجزائري عبد المجيد تبون والتونسي قيس سعَيّد، والزيارتين اللتان أدّاهما وزير الخارجية الجزائري رمضان لعمامرة إلى تونس في أقل من أسبوع واِلتقى فيهما الرئيس التونسي؛ هذا في ظل حديث وسائل إعلام أجنبية عن طرح وساطة جزائرية بين القوى السياسية التونسية، لم يتم الإعلان عنها في الوقت الراهن، وهو الأمر الذي نفته وزارة الخارجية الجزائرية التي أكدت على أنها لا تتدخل أبدا في الشؤون الداخلية لتونس.

سد النهضة؛ أطراف الخلاف تثق بالوساطة الجزائرية..

تطورات متسارعة عرفتها قضية سد النهضة الأثيوبي على مدى ما يقارب عشر سنوات، وصلت إلى إعلان أثيوبيا عن ملئها لأجزاء كبيرة من السد، وتخطيطها لبناء سد آخر، رغم معارضة مصر والسودان اللتان ضاعفتا ضغوطهما وتحركاتهما الدبلوماسية من أجل الضغط على أثيوبيا؛ ومع فشل المقترح التونسي في مجلس الأمن للضغط على أثيوبيا من أجل دفعها إلى توقيع إتفاق ملزم يحدد ويضمن الحقوق المائية لكل دولة، دخلت الدبلوماسية الجزائرية على الخط مع إعادة رمطان لعمامرة إلى وزارة الخارجية، حيث استهل عمله بالقيام يجولة إفريقية سريعة افتتحت بتونس، لتمر على كل من أثيوبيا، السودان ومصر على التوالي؛ حيث لقيت ترحيبا كبيرا من هذه الدول التي عبرت عن ثقتها الكاملة بالدور الجزائري لحل الأزمة عبر إرضاء جميع الأطراف دون استثناء.

أزمة مالي؛ استعادة زمام الوساطة بعد غياب..

المعروف أن الوساطة الجزائرية في مالي كانت قد كُلِّلت بما عرف بإتفاق الجزائر سنة 2015 الذي وضع حدّاً للنزاع، وهو نفس الإتفاق الذي تعمل من خلاله مختلف القوى داخل مالي على وضع حد للأزمة السياسية الحالية، فالجزائر تسعى عبر دبلوماسيتها للتخفيف من حدة النفوذ الفرنسي المتزايد في مالي، آخذة بعين الاعتبار التهديدات الجيوسياسية التي يمكن أن يشكلها انفلات الوضع الأمني في مالي عليها وعلى المنطقة ككل.

كما أن الانسحاب الفرنسي التدريجي من مالي عبر إنهاء عملية برخان، وغلق عدة قواعد عسكرية فرنسية، قد أفسح المجال أمام الدبلوماسية الجزائرية لاستعادة زمام المبادرة في حل الأزمة السياسية في مالي.

مساعي نزع صفة مراقب عن الكيان الإسرائيلي في الإتحاد الأفريقي..

بعد قبول وثائق اعتماد الكيان الإسرائيلي في الاتحاد الأفريقي كعضو مراقب من طرف رئيس المفوضية العليا للإتحاد الأفريقي، سارعت الخارجية الجزائرية لرفض هذه الخطوة التي اعتبرت أنها قد تقسم الإتحاد الأفريقي، وتدخله في تناقض مع مبادئه ولوائحه، التي نصت على إدانة الاحتلال الإسرائيلي وتبنّي المبادرة العربية للسلام التي رفضها ولا يزال يرفضها الكيان؛ ومن أجل ذلك شرعت الجزائر في حشد اكثر من 13 دولة بين عضو ومراقب داخل الاتحاد، بما في ذلك دول تقيم علاقات ثنائية مع الكيان الإسرائيلي، وقدمت مذكرة احتجاج شديدة إلى مفوضية الإتحاد، ونجحت في برمجة قضية قبول الكيان كعضو مراقب في اجتماعات المجلس التنفيذي المقبلة.

دعم مستمر وغير محدود لقضية الصحراء الغربية..

تعتبر قضية الصحراء الغربية هي أهم الملفات في نشاط الدبلوماسية الجزائرية، من خلال فضح ممارسات الاحتلال المغربي في الصحراء الغربية المحتلة، وعرقلة مساعي دبلوماسية المخزن في حشد التأييد والاعتراف الدولي باحتلاله للصحراء الغربية مقابل امتيازات وحوافز اقتصادية وفرص استثمار يقدمها لهذه االدول على أراضٍ مصنفة تحت بند تصفية الاستعمار في الأمم المتحدة، وكذلك إسماع صوت الصحراء الغربية في مختلف المحافل الدولية، وحشد اعتراف الدول بالجمهورية العربية الصحراوية، ولعل هذا النشاط المستمر للدبلوماسية الجزائرية في هذه القضية هو ما جعل دبلوماسية المخزن تخرج عن كل الأعراف والدبلوماسية ولوائح القانون الدولي، من خلال توزيع ممثلها لدى الأمم المتحدة لبيان على كتلة عدم الانحياز يشير فيه إلى ما اسماه بـ: “حق شعب القبايلي في تقرير مصيره” في محاولة يائسة للضغط على الجزائر بقضية وهمية تسيء للمغرب قبل ان تسيء للجزائر.

الحوافز الاقتصادية؛ أبرز تحديات الدبلوماسية الجزائرية..

لعل أبرز التحديات التي تواجه الدبلوماسية الجزائرية في مختلف الملفات التي انخرطت فيها على مستوى القارة الأفريقية، هي عدم ربط جهودها بحوافز اقتصادية وتنموية، وهو الأمر الذي استثمرت فيه دبلوماسية الكيان الإسرائيلي في تغلغلها على مستوى القارة، ونجاحها في ربط علاقات مع أكثر من 46 دولة من مجموع 51، انتهاءً بقبولها من طرف رئيس مفوضية الإتحاد الأفريقي كعضو مراقب في الإتحاد، ولعل عدم ربط نشاط الدبلوماسية الجزائرية بحوافز اقتصادية يعود إلى التراجع الذي يعرفه الاقتصاد الجزائري في السنوات الأخيرة بسبب انخفاض اسعار النفط، الذي يعتمد على مداخيله بصفة رئيسية.    

                                                                                          زكرياء قفايفية

%d مدونون معجبون بهذه: