«بيتا».. أيقونة المقاومة الشعبية الفلسطينية

«بيتا».. أيقونة المقاومة الشعبية الفلسطينية

شكل قرار أهالي بلدة بيتا جنوبي نابلس منع إدخال البضائع الإسرائيلية للبلدة حتى رضوخ الاحتلال لمطالبهم المحقة في تسليم جثمان الشهيد العامل شادي شرفا (ساقي بيتا) تطوراً هاماً في النضال الوطني الفلسطيني، ونموذجاً راقياً في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وتعد مقاطعة البضائع الإسرائيلية ومنع إدخالها للبلدة، هي إحدى الأسس المتينة لأشكال المقاومة والنضال ضد الاحتلال الإسرائيلي وقطعان المستوطنين، لرفع كلفة استمرار احتلاله واستيطانه للأرض الفلسطينية، لذلك يبدع أهالي بيتا في خوض غمار المقاومة بكل أشكالها مسجلين أروع صور وملاحم الصمود والتحدي دون كلل أو ملل. «بيتا» تبدع في تطوير صور وأدوات وأساليب المقاومة الشعبية رفضاً لإقامة مستوطنة «أفيتار» على أراضي البلدة، من رشق المستوطنين وقوات الاحتلال بالحجارة، إلى أعمال الإرباك الليلي وإشعال المناطق المحيطة بالمستوطنين بالإطارات المطاطية، وتوجيه الأضواء والليزر على المستوطنين، وتشغيل مكبرات الصوت وإرسال رسائل للمستوطنين «تؤكد أن المعركة مفتوحة حتى رحيل الاحتلال وكنس المستوطنين من فوق أراضي دولة فلسطين وليس من بيتا وحدها».إن إصرار البيتاويين على خوض معركتهم بكل الأشكال والأساليب المتاحة، كونها تشكل رافعة من روافع المشروع الوطني، فيما استيلاء المستوطنين وقوات الاحتلال على جبل صبيح يمهد للتوسع داخل بلدتهم في إطار مشروع استيطاني متكامل للربط بين مستوطنات «الون موريه» و«ايتسار» و«ايتمار» و«بركة»، وشق طريق التفافي يقود إلى الفصل بين مناطق الضفة، وتقسيم الضفة الفلسطينية وتقطيعها، وتحويلها إلى مربعات محاصرة بالكتل الاستيطانية والطرق الالتفافية ومواقع جيش الاحتلال. إن نجاح تجربة أهالي بيتا في ديمومة المقاومة والنضال ضد الاحتلال للشهر الرابع على التوالي، لم تكن تتحقق لولا وحدة القوى الفلسطينية وإجماعها على أن المقاومة هي السبيل للتصدي للاحتلال والاستيطان، وتحويل الوجود العسكري الإسرائيلي من احتلال بلا كلفة إلى احتلال ذو كلفة وباهظ الثمن من خلال حرب استنزاف لطاقات واستقرار الاحتلال وإبقائه في حالة تعبئة وتوتر دائمة، إلى جانب أن معركة «بيتا» تقدم للرأي العام الدولي الصورة الحقيقية للاحتلال الإسرائيلي باعتباره احتلالاً استعمارياً يسعى للتغطي بالخرافات الدينية للاستيلاء على أرض دولة فلسطين وتهجير المزيد من أبنائها بعيداً عن أرضهم وبيوتهم وأملاكهم. أما السبب الثاني لنجاح التجربة البيتاوية هو التحام الأهالي مع المقاومة وحمايتها من خلال مشاركة الأهالي في الاعتصامات والاضرابات وأيام الغضب الشعبية وتوفير كل أشكال الدعم والاسناد المعنوي والمادي لها. لذلك يتطلب استحضار التجربة البيتاوية الناجحة في المقاومة والنضال ضد الاحتلال لتعم كافة المحافظات الفلسطينية وفي القلب منها القدس المحتلة واحياءها في سلوان والشيخ جراح وبيت حنينا التي تواجه خطر الاقتلاع والتهجير والتشريد، حيث تعد معركة بيتا هي النموذج الحقيقي والعملي لحرب التحرير الشعبية عبر المقاومة الشعبية بكافة أشكالها المتاحة. ندرك جيداً أن تجربة بيتا نجحت بوضع الأسس المتينة لأشكال النضال والمقاومة، وشكلت نموذجاً يحتذى به في الأساليب والتكتيك، وتقدمت على اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية في رام الله وبيروت في أيلول (سبتمبر) 2020 أي نحو عام والتي كانت إحدى مخرجاته تشكيل القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية والتي لا زالت تراوح مكانها دون خطوات عملية من القيادة الرسمية رغم ضرورتها الوطنية الملحة في مواجهة الاحتلال وسياسات التهجير والترانسفير والإبعاد القسري.

ولتكن بلدة بيتا نقطة الانطلاق وشعلتها جبل صبيح والشيخ جراح وسلوان والاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى، لذلك بتنا أمام ضرورة وجود قيادة وطنية موحدة توفر للمقاومة الشعبية خططها وتكتيكاتها وغطاءها السياسي والتعبوي وعناصر ثباتها وصمودها وآليات تطويرها نحو الانتفاضة الشاملة التي تستنهض كل عناصر القوة والفعل في ساحات الاشتباك مع قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين حتى طردهم من أرضنا وقدسنا وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة بعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948. إن الخروج من اتفاق أوسلو بكافة قيوده والتزاماته واستحقاقاته السياسية والأمنية والاقتصادية، وإنهاء حالة الانقسام والتشتت الفلسطيني، وبناء الاستراتيجية النضالية الموحدة للمقاومة بكل أشكالها، وتفعيل ثقافة المقاطعة الشاملة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، هي روافع البرنامج الوطني الذي يلتف حوله الكل الوطني كطريق للخلاص من الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي، وإنجاز الأهداف الوطنية لشعبنا في تقرير المصير والحرية والاستقلال والعودة. صمود أهالي بيتا يكمُن بداخلها أن «هذه الأرضُ لنا، الزرعُ فوقها لنا، والنفطُ تحتها لنا، وكلُ ما فيها بماضيها وحاضرها لنا»، ليقولوا للمحتل الغاصب، إن «حصاركم واستيطانكم للأرض لن يُخيفنا ولن يُرهبنا، وسنواصل مقاومة الاحتلال حتى يحمل عصاه ويرحل عن أرضنا وقدسنا بلا رجعة حاملاً ذيول الخزي والهزيمة»٠

وسام زغبر كاتب صحفي ونقابي فلسطيني / قطاع غزة

%d مدونون معجبون بهذه: