بئر العاتر ولاية تبسة الثورة, بين توهج الأقلام وجفاف الدواة.

المجاهد الشيخ لحبيب فارس من ثورة التحرير إلي ثورة البناء والتشييد والعمل الدعوي.

أثناء الثورة التحريرية كان بئر العاترولاية تبسة, شعلة ثورية دائمة التوهج نورانية الأصل, وبقعة ولادة للرجال,جماعة نافعة الحرث طيبة الغيث, حاضنة للكرم ومنبع العزة والشرف, جذوره التاريخية قوية عميقة الامتداد, وهذا لأن لها تاريخ ضارب في منبع أصل كل جميل, متصل متأصل متأثر بالروحانيات الحضارية الأصيلة التي لم تستطع الشوائب أو الشاردات اللقيطة أن تلتصق به أو تغير من جيناته المتماسكة المتلاصقة, أفكار نخبه من حفظة كتاب الله كانت حسا وروحا تحسيسية لشحذ الهمم والتعريف بالثورة وواجب الجهاد, في كل من صبرة والسارق وبحيرة الأرنب والحقف وحتى الحدود مع خنشلة والوادي, عفوية أهله وبساطتهم التي لا تخالجها حيلة ولا بعد شبهة ولا ظنون, جعلت منهم طهارة مباركة تستمد قوتها من السماء, تجد الفرد منهم يسير شبه عاريا حافيا وحجر الصوان يتألم ويتطاير تحت قدميه من هول قوة قلبه الممتلئة بالإيمان والاتكال على الواحد الأحد رغم جوعه وعطشه.

 قوة جباله وأوديته ومساربه وقره وحره, لم تكن يوما ثقيلة على المجاهدين, كانت لهم أنيسا مؤنسا, ليلهم وقار ونهارهم أمل في مدد من الله ) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) صدق الله العظيم.

جبل أم الكماكم الذي عرف أول المعارك الكبيرة, كان قلعة وحصنا آمنا شامخا للثورة, فقد كان أيضا مكانا لململة الشمل وتضميد الجراح وتقريب وجهات النظر وتذليل الصعوبات وتجاوز المشكلات بين قادة لأوراس وقادة المنطقة السادسة تبسة والمشاكل التي حصلت من تصفيات وتنافر بين القادة وهذا بعد اغتيال جبار عمر وشيحاني بشيرقائد الولاية الأولى أوراس النمامشة, الذي زاد الطين بلة والذي كان بمثابة صدمة قوية أثرت في نفوس قادة ومجاهدي المنطقة السادسة تبسة,  التي آوته ونصرته ووفرت له الحماية الكاملة والتي كان من ضمن عناصرها المجاهد ضابط جيش التحرير الوطني باهي محمد بن عمارة رحمه الله الذي غادرنا منذ أيام في صمت, كما كانت له درعا قويا ووفرت له سبل نجاح تكتيكاته الحربية, لأنه يعتبر صاحب الفضل في هيكلة الولاية الأولى وتحديثها بمنهجية كلاسيكية تتماشى وتقنيات العدو وإعادة تشكيل وحداتها وتصنيفها واستحداث مناطق جديدة وتعيين مسؤولين رأى فيهم بعين العارف المتمرس حيوية مستقبلية, وكانوا كما تنبأ ولم يخذلوه, لأنهم أبطال عرفوا رائحة البارود قبل رائحة الدنيا, وتربوا على الوفاء وحسن الجيرة وإكرام الضيف وحماية الغريب المستجير حتى يلتحق بمأمنه.

كما جمع في العديد من المرات قادة لأوراس والقادة الميدانيين للمنطقة السادسة تبسة مثل عباس لغرور وعاجل عجول وفرحي ساعي و الوردي قتال وعمر البوقصي والعقيد محمود الشريف ومقداد جدي وعفيف علي وغيرهم من الأبطال, أما اليوم أصبح بئر العاتر غريبا معزولا عابسا شاحبا يبكي حظه ويداري تنكر من كان لهم قلب أم,  لا يعرف إلا الحب , جفاء محكم يحاصره وتهميش قاهر يدميه وشتات يعصف بساكنيه لا هم عرفوا الحق فأتبعوه ولا الباطل فاجتنبوه, لا هم التحقوا بالركب فكانوا في المقدمة ولا هم ناموا واستفاقوا واتخذوا نومهم ذريعة وحجة مطية لتبرير تقاعسهم.

حتى الحضارة العاترية طواها النسيان ورماها في دهاليز الظلام, فلم تكن يوما عنوانا لمذكرة تخرج أو أطروحة أنارت الجوانب البعيدة التي لم يصلها شذى بئر العاتر الحضاري وقوة رصاصه الثوري, وهذا رغم ثرائها وتنوع مشاربها وتاريخها الحافل بالبطولات والحقائق التاريخية المهمة المنسية , ومشاركة أبناء هذه المنطقة في الفتوحات الإسلامية في عهد الخلافة الأموية أيام عبد الملك أبن مروان وأبنه الوليد, لقد كان ذات يوم قبلة تجارية ولكنها لم تدم سرعان ما انطفأت وأفل نجمها, والغريب المحزن المبكي أننا ومنذ الاستقلال ونحن يشار لنا بالتخلف وأننا أهل بادية لا يحسنون الأ الحلب والصر بالرغم من أنهم كانوا لهيب الثورة وحطبها والسواعد التي رفعت سمعة الجزائر عاليا بين الأمم.

بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: