الوعاء واللحاء وما بينهما من تقارب وعناء.

الوعاء واللحاء وما بينهما من تقارب وعناء.

الوعاء هو أداة مُجوَّفة تُوعى فيها الأَشياء من سوائل وجوامِد، واللحاء هو الطبقات الخارجية لجذوع النباتات, ولكن مع التسارع الزمني وبطريقة مائلة نحو التدني من علياء القح الأصيل إلي الهجين البارد الذي لا تخالطه حمرة حياء,  والاستنساخ الفكري الذي أصبح يتطور بسرعة مشوها في مراحله الأخيرة كل جميل وأصيل, تعددت المصطلحات وأصبح للوعاء مفهوما متعدد الأبعاد وأصبح يشمل السياسة بكل مكوناتها وما ينجر عنها من سلبيات وإيجابيات ( الوعاء السياسي والوعاء الانتخابي) وتعداه إلي قطاع التجارة فنقول الوعاء الضريبي وما يمثله من سلبيات أدخلت البلاد في أزمة اقتصادية كجريمة التهرب الضريبي, ومنه إلي قطاع السكن فنقول الوعاء العقاري وما فيه من تشوهات ومشاكل وتجاوزات متباينة الخطورة, كما أمتد استعماله إلي مصطلحات كثيرة لا يهمنا سردها,  ولكن المهم هو الظلم الذي لحقه وأثقل كاهله وجعله مهبط كل المتناقضات المتنافرات والسلبيات التي تداخلت الآراء حولها وأسالت كثيرا من الحبر ولم يتوحد لها رأى, الكل يراها حسب مفهومه الخاص  وبما جادت به  قريحته ونظرته الأحادية وتحليله الذي يرتكز أساسا على توجه,  كل حسب  هواه.

هذا الوعاء الذي كان حكرا على أشياء مفيدة نافعة,   تحول إلي مجمع لمصطلحات ثقيلة أثقلت كاهله وأخرجته من مساره الخيري إلي أخر متشعب بمتناقضات لا حد لها, طغى الشر فيها على الخير وحولها لمستنقع فساد, كلما زاد مداه, زاد تعفنا,  فلسفة الحياة الأخلاقية يجب  أن نجعلها بوابة لبناء حضارة  علمية وفكرية واقتصادية واجتماعية تعمل لخير البشرية والصالح العام وهذا هو الأساس الذي يعتمد عليه  في مد جسور التآخي والتواصل الإنساني بين كل أطياف المجتمع, إن  سياسة معاداة الحق والماديات هي التي أبعدتنا عن الطريق السوي وجعلت الأمة العربية أمة غريبة مشتتة شردتها سياسة المصالح عن جادة الصواب وألقت بها بين براثن الغرب الذي يسعده تمزقنا وتشرذمنا.

والحال كذلك للحاء الذي أتعبناه  بوحشيتنا وجعلنا منه صفحات للتعبير عن تراكمات عشوائية تعبر عن متاعبنا النفسية المترسبة, التي تتنفس على شكل صور وحروف قد لا نجد لها تفسير, مثلا نجد تعابير على شكل حروف أو قلوب تخترقها سهام ورموز عديدة ومتنوعة محفورة على جذوع الأشجار, والغريب في الأمر أن هذه التصرفات تكون تلقائية وكأنها برمجت مسبقا وقد امتدت حتى إلي المراهقين والأطفال.

كما أن شموليتها تفاقمت واتسعت بدرجات كبيرة  وانتقلت بطريقة ملفتة للانتباه إلي جدران العمارات والمساكن العامة والخاصة, والتي شوهت بكلمات توحي وكأننا أصابنا مس من الجنون, والأدهى والأمر من هذا وصلت هذه الظاهرة إلي مقاعد الحافلات , فتجد من يكتب رقم هاتفه وبعضهم يكتب أسم مدينته والأخر يرسم صورا عشوائية وفيهم من يقوم بتمزيق المقاعد كما فُعل في السبعينات بحافلات الشركة الوطنية لنقل المسافرين التي شوهت مقاعدها بالكامل,  إن ظاهرة الكتابات الحائطية تعتبر دخيلة عن مجتمعنا وهي في نظر القانون جريمة, لما فيها من تشويه شاذ  وكلمات بذيئة مقززة ومع الوقت أصبحت سياسية ثم تطورت لتصبح مزرعة للأحقاد الدفينة.

  إنها ظاهرة نفسية لم يتطرق لها من قبل ولم تأخذ بعين الاعتبار كبعد مرضي نفسي يدرس  وتعطى له أهمية من طرف الإعلام  مكتوبا ومسموعا ومرئيا  ومن المختصين  ومرشدين اجتماعيين, لعلى وعسى نجد له دواء, إنها ظاهرة يجب دراستها بعمق لأنها إن تركت قد تنجر عنها جرائم تخلخل تماسك المجتمع وتجعله يئن تحت وطأة كوارث أخلاقية, إن الرقعة تزداد اتساعا والشرخ في تمدد,  وهمهما يثقل كاهل الآباء والأمهات, من جراء تعاطي الأبناء للمخدرات والمهلوسات بجميع أنواعها  وبيعها  الذي توسع  ويزداد انتشارا  وقد وصل شعاعها إلي غاية أبواب المؤسسات التربوية وحتى الجامعات وتورط فيها حتى الجنس اللطيف,  وهنا يكمن الخطر الذي تتفاقم معه مشاكل البلاد والعباد , فتعاطي المخدرات يؤدي إلى الانحراف  ومنه إلي دخول عالم الإجرام من بابه الواسع,  وهذه السلبيات كلها نقلت لنا من الغرب الذي أصبح فيه الإجرام عند الإناث أكثر من الذكور.

بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: