المواطن الجزائري على وقع الصدمة والذهول إزاء موجة الغلاء.

المواطن الجزائري على وقع الصدمة والذهول إزاء موجة الغلاء

والخبراء يؤكدون للوسيط المغاربي: “الزيادة في الأجور وحدها غير كافية للرفع من القدرة الشرائية…يجب وضع حلول إقتصادية تعالج أسباب الغلاء”

  • للدولة دور كبير في كبح جماح المضاربين والمتطفلين على الأسواق بتشديد الرقابة والعقوبات
  • ضرورة إدخال تقنيات جديدة وحديثة على المؤسسات الناشئة الناشطة في مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

يعيش الموطن الجزائري البسيط منذ أسابيع على وقع الصدمة والذهول إزاء موجة الغلاء الحادة وغير المسبوقة في أسعار المواد ذات الإستهلاك الواسع، حيث تتواصل مؤشرات أسعار الخضر والفواكه والمنتجات الغذائية في الإرتفاع الذي كانت له تداعيات جد سلبية على جيوب المواطنين وقدرتهم الشرائية، خاصة أصحاب الدخل المحدود، لهذا إرتأينا أن نسلط الضوء على هذا الموضوع من خلال رصد أراء الخبراء لمعرفة الأسباب الأساسية لهذه الظاهرة، وما هي الحلول العاجلة الواجب إتخاذها.

 

الخبير الإقتصادي مير أحمد: “جشع التجار وعدم تحليهم بروح المسؤولية وراء ارتفاع الأسعار” 

أرجع الخبير الإقتصادي مير أحمد أسباب موجة غلاء الأسعار الحادة وغير مسبوقة التي تعرفها الجزائر

إلى عدة أسباب، لكن ارتأى في البداية إلى التعريف بمشكلة غلاء الاسعار، وهو ذلك الخلل الجوهري بين القدرة الشرائية للفرد أو الجماعة وسعر السلع والخدمات المعروضة، حيث اعتبر الخبير أننا في حالة قلة المعروض من السلع والخدمات وطغيان الطلب المتتالي من طلبيات الاستهلاك المرتفعة.

وترجع مشكلة الغلاء إلى اسباب عديدة قد تكون وطنية وتتداخل مع أسباب دولية. 

وقد حصرها في ستة نقاط أساسية تتمثل في التالي:

أولا: الخلل في ميزان الطلب والعرض: إذ يفوق الطلب الكلي والجزئي ما يتم عرضه من المنتجين ومقدمي الخدمات، وهنا يلجأ العارضون إلى رفع الأسعار لكبح الطلب المتزايد، فالفرد الذي كان يشتري كيلوغرامين من لحم الدجاج في الوقت الذي كان سعره 230دج يصبح يشتري كيلوغرام واحد من لحم الدجاج في عتبة سعر 50دج، وذلك ليحافظ على دخله وليغطي باقي طلبياته من المواد الغذائية الأخرى وهنا يتناقص الطلب بالنصف مما يؤدي إلى توازن العرض والطلب. للإشارة هذه المعادلة تتم في سوق تنافسي ويخضع لنظام وقوانين صارمة تحارب المضاربة.

ثانيا: جشع التجار: وهنا يلجأ بعض كبار التجار إلى الرفع من الأسعار خاصة إذا كان هناك احتكار لسوق معين من المواد الاستهلاكية، كما يمكن لجشع التجار أن يصل بهم إلى تكديس السلع الاستهلاكية في غرف التبريد (إن كانت هذه السلع قابلة للتلف) أو في مستودعات سرية غير مصرح بها، بغرض خلق خلل في ميزان العرض والطلب. وهنا ينصح بتشديد عمليات الرقابة وتحفيز فرق وأعوان مديريات التجارة للقيام بدوريات يومية للكشف عن هؤلاء التجار الجشعين. كما تعد القوانين الصارمة عاملا مهما في كبح هؤلاء التجار.

ثالثا: قلة المعروض من السلع والخدمات: وهذا في حالة الاقتصاديات غير المنتجة، اذ تعتمد هذه الاقتصاديات على الاستيراد وعدم توطين الصناعة والإنتاج الفلاحي، مما يخلق تبعية تامة للخارج وفي مختلف السلع والخدمات ،حالة الدول المعتمدة كليا على البترول، أو أي ثروة طبيعية خام. (الاقتصاديات الريعية).

رابعا: الازمات السياسية والاقتصادية والكوارث الطبيعية: قد تكون هذه الأزمات والكوارث الطبيعية سببا جوهريا في رفع الأسعار، إذ تتعطل الآلة الإنتاجية في الاقتصاديات التي تعاني أزمات سياسية واقتصادية أو عند مرورها بكوارث طبيعية، كما حدث مع جائحة كرونا أين توقف الإنتاج العالمي لعدة شهور مما خلق عدم توازن جوهري بين الطلب والعرض العالمي.

خامسا: ضعف العملة النقدية للدولة: يعتبر التدهور في قيمة العملات المحلية مقابل العملات الأجنبية عاملا أساسيا في ارتفاع الأسعار، إذ يشكل عبء ثقيلا على اقتصاد الدولة وفي الميزان التجاري، فتراجع عملة دولة ما بنسبة مئوية واحدة ينجر عنه زيادة مضطربة وبشكل متتالية هندسية في أسعار السلع والخدمات، وهو ما شهده اقتصاد تركيا في سنة ،2019 عندما فرض الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب رسوم إضافية على إيرادات الحديد والصلب القادمة أساسا من دولة تركيا إلى الولايات المتحدة، اذ انخفضت الليرة التركية بنسبة 46% مما جعل القدرة الشرائية للمواطن التركي تهوي إلى الحضيض، وخلق قلاقل ومشاكل اجتماعية، ومن هنا نلاحظ انخفاض قيمة العملات كذلك عند شروع الدول في سياسات تعويم العملات المحلية، كما حصل قبل ثلاثة أعوام في جمهورية مصر، مما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن المصري.

سادسا: سياسات الدول الحمائية: قد تلجأ الدول إلى فرض رسوم جمركية وضرائب على بعض السلع والمواد الأولية المستوردة، مما يرفع من أسعارها وأسعار المنتجات التي تدخل في صناعتها، مما يؤثر مباشرة على القدرة الشرائية للأفراد. 

وأوضح الخبير الاقتصادي مير أحمد أنّ هناك ثلاث أسباب على الأقل من الأسباب الستة المذكورة كانت سببا في ارتفاع الأسعار في الجزائر، وهي:

أولا: جشع التجار وعدم تحليهم بروح المسؤولية: هنا يمكننا الإشارة إلى نقطة ليس كل التجار سبب في ارتفاع الأسعار بل المقصود هم من تعمدوا احتكار الأسواق، سواء بتكديس وتخزين السلع أو برفع الاسعار باعتبارهم العارض الوحيد في السوق لتلك السلع.

ثانيا: تراجع قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية، فالملاحظ ومنذ أكثر من ثلاث سنوات أن قيمة الدينار انخفضت إلى مستويات قياسية، كانت سببا في ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للمواطن الجزائري.

أزمة كورونا وارتفاع الأسعار عالميا خاصة الشحن الدولي سواء عبر السفن والبوارج البحرية أو عبر الطائرات، وهنا ارتفعت أسعار الشحن بأضعاف مضاعفة مما خلق تكلفة إضافية على المنتجين والمستوردين لهذه السلع أفضى في الأخير إلى إرتفاع الأسعار.

ثالثا: الخلل في ميزان الطلب والعرض: أين يلاحظ تذبذب في إنتاج بعض المنتجات الفلاحية فتارة هناك فائض يصل بنا إلى التفكير في تصديره إلى دول الجوار أو إلى دول أخرى، وتارة هناك عدم اكتفاء في سلع كانت في السابق تشكل فائض، إذ هنا يجدر بالقائمين على قطاعات الفلاحة والصناعة خاصة إعادة تنظيم الأسواق وانتهاج طرق حديثة كإدخال المؤسسات الناشئة الناشطة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتطبيقات الذكية في إعادة تنظيم الأسواق الوطنية.

ارتفاع الأسعار هو السبب الرئيسي في تدني القدرة الشرائية للمواطن، والحل لا يكمن في رفع الأجور بقدر ما يجب معالجة الأسباب الحقيقية لارتفاع الأسعار

وبخصوص تداعيات ارتفاع الأسعار على القدرة الشرائية، فاعتبر الخبير أنّ ارتفاع الأسعار هو السبب الرئيسي في تدني القدرة الشرائية للمواطن، والحل لا يكمن في رفع الأجور بقدر ما يجب معالجة الأسباب الحقيقية لارتفاع الأسعار، أي الرجوع للأسباب الستة المذكورة، والسعي للتقليل من تداعياتها، وهنا سيعود التوازن بين القدرة الشرائية للفرد مع أسعار السلع والخدمات ودخله الفردي.

أما فيما يخص دور الدولة في ظل موجة ارتفاع الأسعار، فأكد الأستاذ مير أحمد أنّ للدولة دور كبير في كبح جماح المضاربين والمتطفلين على الأسواق من أشباه التجار والانتهازيين، وذلك بتشديد الرقابة وتشديد العقوبات، ولكن بإدخال تقنيات جديدة وحديثة معتمدة على المؤسسات الناشئة الناشطة في مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وهذا ما يكرس مبدأ الشفافية والحوكمة في كل القطاعات الاقتصادية.

ويضيف في شأن ذي صلة، أنّ رئيس الجمهورية شدد في عديد تدخلاته، وكان آخرها اجتماعه بطاقمه الوزاري يوم الأحد الماضي، أين خصص جزء من الاجتماع إلى ضرورة الرفع من القدرة الشرائية للمواطن، وذلك بآيتين ضرورة إصدار قانون يعاقب التجار المحتكرين والمتلاعبين بقوت الجزائريين وقد تصل العقوبة إلى 30 سنة وأعطى أجل لإصدار هذا القانون إلى مجلس الوزراء القادم، أما الآلية الثانية للرفع من القدرة الشرائية للمواطن فقد أمر السيد الرئيس بضرورة مراجعة الأجور، وذلك بالرفع من قيمة النقطة الاستدلالية بالنسبة للأجراء التابعين للوظيف العمومي وخفض الضريبة على الدخل، مما سينجم عنه لا محالة زيادة في الأجور، لكن الزيادة في الاجور وحدها غير كافية للرفع من القدرة الشرائية في الأفق البعيد، بل يجب وضع حلول اقتصادية تعاج الأسباب. 

الرقابة تعتبر من بين أهم الآليات التي تحافظ على توازن ميزان العرض والطلب، وذلك للعقوبات التي قد تسلط على المخالفين للقوانين، مما يجبرهم على احترام آليات عمل السوق والمنافسة النزيهة، ولكن الرقابة بالطرق التقليدية الحالية تعتبر غير كافية، بل يجب رقمنة كل القطاعات وخاصة قطاع المالية والضرائب، وضرورة التوجه نحو الدفع الإلكتروني الإجباري، اذ ينتظر إصدار قوانين تجبر التجار على استخدام أجهزة الدفع الإلكتروني في كل التعاملات صغيرة أو كبيرة وهنا ستكون هناك شفافية وإفصاح حقيقي.

 

المستشار الدولي في الاستثمار الصناعي والسياحي محمد سعيود: “الحل الأمثل هو الإنتاج المحلي والاستثمار والاستغناء عن الاستيراد”

ومن جهته، يرى المستشار الدولي في الاستثمار الصناعي والسياحي محمد سعيود أنّ أهم سبب هو الانخفاض المستمر لقيمة الدينار مقارنة بالعملة الصعبة، فمثلا نستورد عدة مواد تدخل في الإنتاج الفلاحي من أسمدة وأغذية الدواجن والماشية، بالإضافة لضعف قيمة الدينار، هنالك أيضا الارتفاع الرهيب في أسعار النقل البحري، مما يؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في المواد الأولية الفلاحية  وغير الفلاحية، مما سيرفع تكلفة الإنتاج وبالتالي سعر البيع، دون أن ننسى المضاربة والاحتكار وهامش الربح المرتفع المطبق في سلسلة البيع من المنتج إلى البائع بالتجزئة.

واعتبر الخبير أنّ موضوع القدرة الشرائية هو أهم موضوع اجتماعي-اقتصادي يهم المواطن بشكل يومي ومباشر، ويعد ارتفاع الأسعار أهم عامل يخفض القدرة الشرائية، التي تأثرت بشدة خلال الأشهر الماضية وضربت بانخفاض يقارب 30%..

وحصر المستشار الدولي محمد سعيود العوامل المتحكمة في القدرة الشرائية في 3 عوامل أساسية قوة العملة وحجم مداخيل المستهلك، ومستوى الأسعار، وكل هذه العوامل تخفض القدرة الشرائية حاليا، فعملتنا ضعيفة، حجم المداخيل خاصة الرواتب منخفض جدا كما أن الأسعار جد مرتفعة.

وفي هذا الصدد، أكد الخبير على ضرورة قيام الدولة بدورين أساسيين، الأول دور دائم وعلى المدى القصير وهو فرض الرقابة واستعمال وسائل الردع القانونية. أما الدور الثاني فهو دور استراتيجي والذي يتمثل في وضع رؤية استثمارية إنتاجية، عن طريق تسهيل وتشجيع الاستثمار في أسرع الآجال نظرا لقيمة الوقت، تحررنا من مشكل الاستيراد، مما سيؤدي إلى خلق الثروة والشغل ورفع مستوى الدينار والقدرة الشرائية.

ويضيف أنّ رئيس الجمهورية قام بعدة تدابير في هذا الشأن، منها رفع الأجر الأدنى وتخفيض الضريبة على الأجور، كما أنه أوصي الجهات الرقابية بالقيام بدورها للحد من الاحتكار والمضاربة. كما أن الرئيس يحث ويشجع دائما على الاستثمار الذي يمثل أهم عامل للنهوض بالاقتصاد الوطني ككل. لذلك ينتظر المستثمرون صدور قانون الاستثمار الذي سيفتح العديد من الآفاق المستثمرين، والذي نحن بانتظاره منذ عامين، كما تجدر الإشارة إلى أن غياب الاستثمار يؤدي بالضرورة إلى المضاربة والاحتكار، نظرا لغياب المنافسة بسبب قلة الشركات.

وسن قانون لمكافحة المضاربة بطبيعة الحال سيأتي بحلول، لكن لن يكون كافيا لإعطاء حلول دائمة على المدى الطويل، لأنه كما يقال لكل قانون ثغرة، والقانون لن يستطيع التحكم في مستوى الدينار. لذلك يبقى الحل الأمثل هو الإنتاج المحلي والاستثمار، الاستغناء عن الاستيراد، الحفاظ على العملة الصعبة، بعث الاقتصاد الوطني عن طريق خلق مناصب الشغل والثروة، ارتفاع مستوى الدخل وارتفاع قيمة العملة الوطنية، هذه هي الحلول الفعالة والتي يكون مفعولها طويل المدى.

وقد اقترح المستشار الدولي في الاستثمار الصناعي والسياحي جملة من الحلول، على ضوء خبرته كرجل أعمال لمدة 30 سنة في ألمانيا، وفي انتظار جمع أموال السوق الموازي في البنوك كما قال الرئيس والتي تعتبر فكرة جيدة جدا، ومن اجل ربح الوقت نظرا لصعوبة الأزمة وانهيار الدينار، أن تقوم الدولة بأخذ 10 مليار دولار من احتياطات الصرف، وبناء مناطق صناعة جاهزة تحتوي على حوالي 50 000 مستودع صناعي جاهز للاستغلال الآني، وتوجيه جزء منها للاستعمال كمناطق حرة، وتخصيص جزء من هذه الأموال لتمويل المشاريع في صيغة قروض، وكراء هذه المستودعات للمستثمرين الفعليين والنزهاء، بإيجار شهري كما يتم في دول العالم، حيث يقوم المستثمر بوضع عتاده الصناعي وبداية النشاط مباشرة وربح الوقت. 

كما أنه بإمكان الدولة استرجاع هذه الأموال من خلال مداخيل كرائها والضرائب المترتبة كذلك على النشاطات التي ستخلقها هذه المناطق الصناعية الجاهزة، بدل صرف أموال الخزينة العمومية على دعم المؤسسات الوطنية العاجزة والتي لا تخلق أي ثروة للبلد. هذه المناطق الصناعية الجاهزة ستمكن البلد من تجاوز الأزمة في أقرب الآجال، عن طريق خلق ديناميكية تساهم في نمو الاقتصاد سريعا، لأنه لابد من إعطاء قيمة للوقت، فكل الدول التي تقدمت أعطت قيمة كبيرة لعامل الوقت.

 

الخبير الاقتصادي سليمان ناصر: “سن قانون لمكافحة المضاربة إجراء جيد لكن يجب التدقيق في كيفية إثبات نية المضاربة لدى التاجر”

وفي ذات سياق، تحدث الأستاذ سليمان ناصر بخصوص أسباب غلاء الأسعار أنّه يجب التفريق بين نوعين من السلع، بالنسبة للخضر والفواكه وهي منتجة محلياً في معظمها، فالسبب يعود إلى خلل في السوق وهو عمليات المضاربة وكثرة الوسطاء، وبالتالي يجب تدخل السلطات المعنية لتنظيمه ومحاربة تلك المضاربة، أما السلع المستوردة للبيع على حالتها أو التي تصنّع محلياً ولكن يدخل في إنتاجها مواد أولية مستوردة، فقد زادت قيمتها بسبب زيادة أسعار كل السلع في السوق العالمية بسبب أزمة كوفيد-19، ويضاف إلى هذا كله ارتفاع أسعار الشحن البحري عالمياً بنسبة 80 % خلال عام واحد، كما أن تكلفة متوسط نقل الحاوية الكبيرة تجاوز 10 آلاف دولار حالياً وهو ما يساوي أربعة أضعاف السعر قبل الأزمة الوبائية.   

وأرجع الخبير الاقتصادي ارتفاع الأسعار عالمياً أو حتى محلياً إلى آثار وتداعيات أزمة كورونا، حيث كان لها تأثير بالغ من حيث هناك فقدان العديد من الوظائف خاصة في القطاع الخاص بعد التوقف عن العمل الذي دام بضعة أشهر بسبب الحجر الكلي، أيضاً كان لها تأثير في ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما أنتج ضعفاً أكبر للقدرة الشرائية وانهياراً لها أكثر مما هي منهارة من قبل، وبالمقابل لم تتم مراجعة الأجور منذ سنة 2012 وهي مدة طويلة نسبياً، خاصة إذا علمنا أن الدينار الجزائري قد فقد أكثر من 45 بالمائة من قيمته أمام الدولار منذ سنة 2010.

وإزاء هذا الوضع، أكد الدكتور سليمان ناصر على ضرورة تدخل السلطات خاصة وزارة التجارة لتنظيم السوق بمحاربة المضاربة، وهو ما تقوم به حالياً فرق المراقبة التابعة لها، ولكن المطلوب صرامة أكبر في هذا الإتجاه، ويرى أن الحل هنا يكون بفرض التعامل بالفاتورة، وإذا كان الفلاح لا يتعامل بالفاتورة، فليكن التعامل بسند التسليم لكشف الوسطاء والطفيليين، هذا بالإضافة إلى السعي إلى سن قانون لمكافحة المضاربة الذي دعا إليه الرئيس.

ويضيف، أنّ الرئيس أوصى باتخاذ تدابير في هذا المجال في إطار قانون المالية لسنة 2022، وتتمثل في رفع النقطة الاستدلالية وتخفيض الضريبة على الدخل من أجل حماية القدرة الشرائية للمواطن والتي وصلت إلى الحضيض، وقد جاءت هذه القرارات استجابة لنداء الجميع بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية ما تبقى من هذه القدرة، فرفع الأجور من خلال النقطة الاستدلالية أفضل من رفع المنح والعلاوات لأن هذه الأخيرة غير ثابتة كما أنها يمكن أن تتغير من منطقة لأخرى ومن زمن لآخر، بينما النقطة الاستدلالية تشكل زيادة ثابتة وتمس الجميع لأنها تؤثر على الأجر القاعدي، خاصة وأن هذه النقطة لم تتغير منذ سنوات عديدة. 

وفي الأخير، يرى الخبير أنّ سن قانون لمكافحة المضاربة إجراء جيد من حيث النية، لكن هناك عوائق أمام تطبيق هذا القانون في حالة تشريعه، وخاصة كيفية إثبات نية المضاربة لدى التاجر، فمثلاً عندما يكون تاجر التجزئة قد ذهب إلى تاجر الجملة ووجد البضاعة التي يتاجر فيها بسعر جيد ويتوقع ارتفاعها في الشراء القادم فإنه يشتري بكميات كبيرة، فلو أتت مصالح الرقابة بعد يوم أو يومين إلى مخازنه وضبطت البضاعة بكمية كبيرة، فإنه سيتهم بالمضاربة بينما هو بريء من هذه التهمة لأن البيع عنده مستمر ولم يخفِ البضاعة عن السوق، إذن هناك مشكل في إثبات التهمة خاصة وأن العقوبة قاسية قد تصل إلى 30 سنة سجن، لذلك نرى أن الحل لهذه المشكلة هو إجبارية استعمال الفاتورة أو سند التسليم لدى الفلاح، ثم النظر إلى تاريخ الفاتورة، فعندما يكون تاريخها قديماً نسبياً مع كون السلعة ضرورية للسوق، فهنا يمكن إثبات تهمة المضاربة والعكس صحيح. 

 

شرلاح نسيمة