المنطق ذو الاتجاهين والواقع

المنطق ذو الاتجاهين والواقع

في بعض الأحيان ينتابنا الخوف من أفكارنا فننكمش, فتتعطل بوصلة تفكيرنا ويتوقف الانهمار الفجائي لبنيات أفكارنا, لننزوي وتجرفنا هواجس متنوعة يدعمها الشك,  تكبل الطموح الفكري فينا ويصبح الفضاء ضيقا وتقل نسبة الأكسجين لندخل في حيز الخمول الروحي, خمول لثقله يساعد الجاذبية على رصنا رصا, لتضمنا الأرض إليها وتمارس علينا طقوس الانشطار, لتتفرق طاقتنا بين ما يحيط بنا من أشياء,    وفي بعض الأحيان من قلة حيلتنا نتحاشى حتى مجرد الخوض في فكرة غير كاملة المعالم سافرة, راودتنا لتزيد للمعاناة أوجاعا, مع أن الصمت يدثرنا وانحداره  يجذبنا و متاهات الأحلام تغازلنا, نصعد وننزل , نراوح بين حقها وباطلها ومواطن الداء والشفاء فيها , فنرى أن هناك  وهجا يخرج من جوانبها, ولكننا لا نثق به, قد يصبح سرابا يزحف مرتجفا فوق التراب, كلما قرب بريقه زاد العناء واحتكم الغباء وزاد القيد صلابة, في خضم كل هذا الشتات  نحتكم للمنطق لتتشبث به عقولنا , لأننا ندرك  عين اليقين أن  الحياة الإنسانية أصبحت في العالم العربي بؤرة بؤس وموطن داء وشقاء , ورغم الحقيقة المنطقية الظاهرة للعيان الا أننا لم نهتدي إليها والتي نراها تتآكل يوما بعد يوم ويزيد من تسارع نهايتها ضعفنا الذي لم يعد له وصف في كتبنا المهترئة.

عدونا ظاهر للعيان يلاعبنا نهارا جهارا  وفي ضح النهار, يداعبنا بمخالبه فنبتسم,  نعرفه ويعرفنا منذ أمد بعيد, ومنذ أن كانت للامبريالية أنياب طويلة تتقاطر دما, وكنا نحمل صورها وشعاراتها على أنغام الاشتراكية الصاخبة حتى أخذتنا العزة بالإثم,  العدو الصهيوني يمارس إجرامه ومذابحه واغتيالاته وطقوسه الروحية الكاذبة المتمثلة في الحفريات منذ الأربعينات,  والشعب الفلسطيني الأبي الحر يعاني الأمرين  في صمت, قهر الأعداء وخنوع الأشقاء,   وعلى مهل والعرب ينددون  وينددون  ويكتبون الأشعار ويرفعون الشعارات  ومع التنديد وطول التنهيد انقرضت القومية العربية  ولم يعد لها جذور ولا  لحاء والجامعة العربية  تجتمع وتجتمع ومع الوقت لم يعد لها تأثير ولا حتى مجرد نبض, عرف العدو طرق التدجين التي تتماشى وسلوكنا  فروضنا, حطم وحدتنا فأصبحنا فرادى,  ومن هنا  أنقض  علينا مفترسا  والنتيجة  شتات  ووهن, قلاقل وفوضى وحروب  طائفية وتناحر هنا وهناك, جعلوا من شبابنا  وبناتنا إرهابا و مرتزقة, يخوضون بهم حروبا بالوكالة للدفاع عن مصالحهم الإستراتيجية وعلى المدى البعيد,   والمؤسف المؤسف أننا مازلنا  نتشدق بمعرفة المنطق وندعي فك الطلاسم والمعرفة  المبدعة في اكتشاف الثغرات.

مع العلم أن المنطق هو الغوص في مناهج الفكر ودراستها دراسة عميقة  والوصول إلي  كنهها وكيفية الاستدلال الصحيح أو القريب منها و كيفية تقييم الحجج والدلائل المنطقية، كما أنه يساعد على التفريق بين الغث والسمين, المنبت السيئ والطيب,  الخطأ والصواب,  والتمييز بين الأفكار  المنطقية و الهشة, حتى يتسنى لنا الوقوف على المنطق الحقيقي الذي لا تقبل ماهيته النقاش أو الطعن فيها,  وبدون المنطق الثابت القوى فإننا لا نستطيع الوصول إلي الحقائق التي أصبحت ضامرة وسط هذا الكم  الهائل من الإيديولوجيات الدخيلة والأفكار المسربة السامة  والمعتقدات والاتجاهات التي ظهرت على شكل أنماط سلوكية معادية  تريد أن تجد لها حاضنة  لتتكاثر وتنمو وسط الحراك السلمي العظيم  المتحضر الذي عرفته الجزائر والذي أبهر العالم أجمع بالمستوى الأخلاقي والحضاري  وقمة الوعي الشامل الذي وصل إليه الشباب الجزائري.

الجزائر رغم تكالب الأعداء القديم الجديد, هاهي اليوم  تقف وحيدة في مفترق الطرق, تواجه فكرا مسموما, تبثه فئات قليلة مغرر بهم,  لقلب الموازين وضرب العقول لتصدح بما يثير الفتن والقلاقل, وتزرع وسط  المسيرات السلمية فتيلا قابلا للاشتعال إن وجد البيئة المساعدة له , وهذا  بعد أن لغمت بعض دول الجوار وحدودها مع الجيران  لم تعد آمنه,   فرنسا ظاهريا تحارب الإرهاب في مالي, و باطنيا  تمتص الخيرات وتزرع القلاقل والعيون  وتحصن مسارب نشاطها  وتمهد لبناء أرضية آمنة وإستراتيجية  تكون منطلقا لمشاريعها المخابراتية المستقبلية  المتعددة, سياسيا واقتصاديا, وبما أن المؤسسة العسكرية واعية بالخطر على الحدود , قائمة بمسؤولياتها على أحسن وجه, في تحصين أمن الجزائر وعلى أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارئ لا قدر الله , إلا أن هذا يبقى نجاحا نفتخر به ويزيدنا عزة,  و يجب أن يتعزز بتضافر الجهود والدعم المعنوي واليقظة وأخذ الحيطة  والحذر من طرف كل فئات المجتمع  وخاصة يوم الجمعة أثناء الحراك السلمي المبارك.     

وبما أننا مسلمون فالمنطق لدينا  يجب أن يكون واحد  لا دخل للنسبية فيه, كما أن طريقة تفكيرنا تخضع لوازع الخير والشر داخل ذواتنا, وبناءا عليه يجب أن نجعل من أنفسنا نجوم هدى وهداية وأن نكون منارات للخير, أينما حللنا زرعنا الخير وأبطلنا نوابض الشر وكنا الحصن الحصين الذي تتكسر عليه كل محاولات الأعداء, التي تسعى لشيطنة الفكر وضربنا بأبنائنا وشبابنا وإن حصل هذا لا قدر الله, سنصبح في نظرهم (زومبي) الذي يطلق على الشخص المنوم المجرد من الوعي الذاتي , وقد اكتسبت شخصية الزومبي شعبية كبيرة عند المراهقين, أيعقل أن نرضى لأنفسنا أن نصبح يوما في نظر الأعداء مسخا , هذا لن يكون أبدا ولن يتحقق وستبقى الجزائر قوية بأبنائها متماسكة , جميلة بحراكها السلمي, فخورة بالتعددية السياسية  التي ستكون بداية لمكاسب أخرى من حرية الرأي إلي صحافة حرة تكون سلطة رابعة يأتم معنى الكلمة.

الكاتب : بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: