المجاهد الشيخ لحبيب فارس من ثورة التحرير إلي ثورة البناء والتشييد والعمل الدعوي.

المجاهد الشيخ لحبيب فارس من ثورة التحرير إلي ثورة البناء والتشييد والعمل الدعوي.

ثورة التحرير عظيمة بوحدتها وهبة رجالها, خرجت من رحم البساطة والإيمان, أحتضنها الشعب وآمن بها, فكانت شعلة نورانية أتحدت لها القلوب وتراصفت, فكانت قلبا وقالبا على رأى واحد موحد لا يجفل ولا يتحرك , وعاصفة مقتلعة لجذور المستعمر وقدوة لكل الأحرار في العالم, ومن رجالها وفحولها المجاهد الشيخ لحبيب فارس رحمه الله, الذي ربط بين جهادين عظيمين, ثورة التحرير وثورة البناء والتشييد والعمل في المجال الدعوي,  الي غاية رحيله عن هذه الدار الفانية, ليلتحق بخالقه وهو قرير العين, يقول تعالى  (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)، سورة الأحزاب: آية 23.

ولد الشيخ لحبيب فارس سنة 1919 بقرية بحيرة الأرنب بئر العاتر ولاية تبسة , وفي قريته حفظ القرآن في أحضان العائلة على يد شيخ القرية ,وأخذ المبادئ الأولية للعلوم العربية والدينية ,لينتقل إلى تونس وتحديدا لزاوية عزوز الجريدي النفطي بمدينة نفطة بالجارة تونس , حيث درس المرحلة الابتدائية هناك ,بعد إكماله التعليم , زكاه شيوخه ليلتحق بجامع الزيتونة المعمور ,وكان ذلك في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي ,درس به مدة سبعة سنوات , تحصل خلالها على شهادة التحصيل العالمية في العلوم العربية والدينية , ومن الشيوخ الذين تتلمذ على يديهم و كان لهم الآثار الكبيرة على شخصه الشيخ عبد العزيز الثعالبي التونسي.

بعدها عاد إلى الجزائر لينظم مباشرة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد أن اتصل به الشيخ الفاضل العربي التبسي رحمه الله , ودعاه للعمل كمدرس بمدرسة التهذيب بتبسة إبان الحرب العالمية الثانية, ظل الشيخ رحمه الله ينتقل بين مدينة تبسة وبئر العاتر موجها ومحاضرا, ليستقر ببلدة بئر العاتر عدة سنوات بنى خلالها رفقة أصدقائه من المشايخ مدرسة صغيرة سنة 1947 , عين فيها مجموعة من معلمي القرآن لتعليم أطفال القرية بالتنسيق مع إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ,تعد هذه المدرسة أول مدرسة قرآنية و ابتدائية تُأسس بالمنطقة, وقد كان الشيخ لحبيب يزكي التلاميذ المتفوقين بتلك المدرسة ويشرف على التحاقهم بمعهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة لمتابعة دراستهم .

في بداية الثورة التحريرية الكبرى كلف الشيخ بمهمة ممون للمجاهدين بالناحية ,وكذا بتجنيد المجاهدين بعد اختبارهم ,بسبب تحركاته ونشاطه ألقي عليه القبض بمدينة تبسة من طرف الجيش الفرنسي ,وقررت السلطة الفرنسية حرق منزله ومصادر تجارته وأمواله ,وعزله عن أهله ومنعه من النشاط الدعوي ,ومن ثم وضعه تحت الإقامة الجبرية بمنزل الشيخ العربي التبسي ,ثم قررت السلطة الفرنسية اعتقاله في بداية سنة 1955 ,فبدأ رحلة المتاعب في المعتقلات إذ كان ينقل من معتقل إلى معتقل من الشرق إلى الوسط ثم من غرب البلاد ,على مدى 7 سنوات كاملة ضاق فيها شتى أنواع العذاب ,في 20 مارس 1962 أفرج عنه وعاد إلى مدينة تبسة واستقر بها.

في بداية الاستقلال كان الشيخ من الأوائل الذين كلفوا كمسؤولين على منطقة تبسة سياسيا واجتماعيا وثقافيا ,حيث كلف برئاسة قسم جبهة التحرير الوطني المنعقد يوم 16 أفريل 1964 وقد عرض على الشيخ وظائف عدة مثل مفتي بوزارة الشؤون الدينية بالجزائر العاصمة وأستاذ بالتعليم الثانوي بإحدى المدن الجزائري لكنه رفضها , وفضل العمل الدعوي, فعمل كمدير لمدرسة الهداية للتعليم الابتدائي بمدينة تبسة ,وبعد فترة قصيرة فضّل الالتحاق بالمسجد العتيق بالمدينة كإمام خطيب , وفضل الدعوة إلى الله عز وجل بإلقاء الخطب الجمعية و الدروس المكثفة ,والتي كان يحضرها جميع كبير طيلة ربع قرن دون انقطاع , كان للشيخ الفضل في الإفراج عن الشيخ مزهودي حين أعتقل سنة 1964

بالرغم من الأمراض التي أصيب بها الشيخ جراء التعذيب الذي طاله   في سجون الاستعمار الفرنسي , غير أنه واصل عمله في الدعوة إلى الله جل  بنشاط وعزيمة كبيرين ,فكان ينشط داخل المسجد وخارجه , ويوجه الشباب بمواعظه ودروسه القيمة التي كان يلقيها والتي كان لها الأثر الكبير والصدى الواسع في غرس الفضائل في نفوس الشباب المتحمس لفهم دينه فهما صحيحا, من مميزات الشيخ أنه كان يبارك ويسعى لكل عمل دعوي ,فيؤسس النوادي ويتركها تواصل المشوار ,وبناء وترميم المساجد وتسيير وإرشاد الجمعيات , وتوظيف الأئمة و توظيف معلمي القرآن .

كان للشيخ الفضل في إنهاء الصراع بين دعاة الإقليمية ودعاة العالمية في الثمانينيات من القرن الماضي على مستوى الوطن الجزائري ,وساهم الشيخ أيضا في بروز الصحوة الإسلامية بداية الثمانينيات , وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره وفي جو مهيب من الخشوع والتأثر شيعت جنازة الشيخ لحبيب فارس في موكب مهيب هز أحاسيس المشيعين , ودفن بمدينة بئر العاتر بحضور وفود كثيرة وذلك يوم 23 مارس 1994 وبعد 7 سنوات من وفاته قررت السلطات تسمية المركز الثقافي الإسلامي بمدينة تبسة بإسمه, عرفانا له بما قدم لدينه ووطنه.

بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: