اللغة السردية في رواية صهيل مدينة للكاتب مصطفى النبيه

اللغة السردية في رواية صهيل مدينة للكاتب مصطفى النبيه

 

 

مقدمة..

تعتبر اللغة أساس الجمال في العمل الإبداعي, فهي التي يتحدث بها السارد في متن النص الروائي, حيث يقدم السارد الشخصيات والأماكن والأحداث والزمان من خلال اللغة, تعكس اللغة ثقافة الكاتب وقدرته على انتقاء الكلمات وتوظيفها في التعبير عن مكونات الرواية وتعكس رصانة الأسلوب لدى الكاتب, كما يقول د. عادل الأسطة: (وهي لغة واحدة يفترض أن تكون صحيحة, وأن تليق بصاحبها)( ), لغة السرد أكثر العناصر التي تُظهِر شخصية الكاتب الحقيقية (إن لغة الرواية هي التي تجعل منها فناً متميزاً وتجعل قراءتها عملاً عميقاً على صعيد الفكر والروح فالرواية لا تجذب القارئ بعناصر فلسفية أو تاريخية أو اجتماعية أو فنية إنما هناك شيء آخر إضافي يجعل من العمل الروائي عن طريق عبقرية اللغة أو عن طريق التفجر اللغوي والوهج اللغوي شيئا قائما بحد ذاته كعمل تنظر إليه وتتأمل وتتعلق به وتتغنى روحا وفكرا)( ), (اللغة هي الدليل المحسوس على أن هناك ثمة رواية موجودة يمكن قراءتها وبدون اللغة لا توجد رواية أصلا كما لا يوجد فن أدبي بدونها على الإطلاق)( ).

تبقى العلاقة بين اللغة وعناصر العمل الروائي علاقة جدلية، فمن خلال اللغة يقف القارئ على أعماق الشخصيات الروائية التي تحمل الأفكار والرؤى التي هدف الكاتب إلى طرحها، حيث يتعرف القارئ على الملامح الخارجية للشخصيات وسماتها ومواقفها من الأحداث، فاللغة هي التي تكشف عن المكانة الاجتماعية للشخصية الروائية.

لذا يتناول الباحث في هذا الدراسة اللغة السردية في رواية صهيل مدينة للكاتب مصطفى النبيه، سيتناول المبحث الأول مستوى السرد المباشر، وفي المبحث الثاني اللغة الشعرية، والمبحث الثالث خصائص لغة السرد.

أولا: مستوى السرد المباشر:

يُعنى بها السارد وصف شخصياته، والأماكن التي يذكرها في روايته، وسرد الأحداث وعرضه لها باستخدام الوثائق التسجيلية وشهادة الشخصيات، والتعبير عن تجربته ورؤيته، بلغة مباشرة بعيدة عن الألفاظ والتراكيب المجازية حيث يصف الواقع المأساوي أو يصف مكاناً معيناً وما يعتريه من معالم بلغةٍ بسيطة مباشرة، فيكون دور اللغة إخبارية تبليغية يقول السارد ص21:

(غزة الحاضرة المنسية كانت في عهد الاحتلال شقة مفروشة أنثى سريرها عفن رائحتها قذرة ملامحها كئيبة شوارعها رملية).

يصف السارد غزة أثناء الاحتلال الاسرائيلي لها باستخدام لغة بسيطة مباشرة وكلمات توحي بالواقع المأساوي والحياة المريرة الصعبة التي كانت تعيشها غزة، كما يشير السارد إلى عهد الاحتلال وفيها دلالة على أن هناك عهود عبرت على غزة كلها مضت كما مضى عهد الاحتلال وغزة صامدة.

في نموذج آخر يصف لنا السارد المخيم الذي قد وجد الناس أنفسهم يحيون فيه فجأة، بعد أن كانوا يعيشون في بيوتهم آمنين قبل أن تغشاهم قذائف الاحتلال ويطمرونهم بالقنابل المتفجرة، يقول السارد ص29:

(“خيام بألوان مختلفة تكبر فتصبح بيوتاً من القرميد ونوافذ صغيرة من الخشب والزينكو تصطف متلاصقة تفضح أسرار ساكنيه).

استخدم السارد لغة بسيطة تتناسب مع بساطة المخيم وبساطة الحياة فيه، وجاء وصفه للمخيم واقعياً لا خيال فيه ليعبر عن حالة المخيم ويبرز واقعيته للقارئ.

يسعى السارد في السرد إلى وصف وتقديم الشخصيات معبرا عن مواقفها وشعورها إزاء أوسلو يخبرنا عن موقف د. حيدر عبد الشافي وما صدر بعد مفاوضاته من اتفاقية أوسلوا التي بدا على أثرها ينزف قهرا يرفض أن يشهد زورا على نضال شعبه، يقول السارد ص32:

(“تنسمنا خيراً حينما علمنا أن قائد الوفد الدكتور حيدر عبد الشافي فلم نعهد إلا مقاتلاً شرساً حازماً صادقاً لم نرَ منه يوماً اعواجاً).

ثم يصفه في الصفحة التالية ص33 من الرواية:

(“بطلنا الهادئ ينزف قهراً يرفض أن يكون شاهد زور).

يقدم السارد وصفا حقيقيا وواقعيا لشخصية وطنية، برزت من خلاله مواقف الشخصية الوطنية الثابتة تجاه قضية شعبه ووطنه دوما مدافعا صادقا، لكنه نزف قهرا ورفض أن تكون له بصمة زور في سيرته الوطنية الطويلة.

يترك السارد السرد لشخصياته الروائية أن تسرد الأحداث بلسانها وتقدم وصفا لنفسها حتى يوهم القارئ بواقعها، نجد فايزة وهي أحد الشخصيات الروائية تصف نفسها يقول السارد ص39:

(سحرت أهل المخيم فلم يروني إلا باسمة الثغر فارعة الطول فراسة دقيقة مجدلية الحسن رشيقة وجهي حديقة ياسمين يزينه الجوري).

تصف فايزة نفسها وتبرز شدة جمالها لكن حياتها لم تكن بشدة جمالها، بل كانت مؤلمة مليئة بالحزن والأسى، استشهد أخوها وتعرضت للسجن بعد أن عملت مناضلة مع المناضلين من أبناء شعبها، وتركها حبيبها بعد وعود جميلة بحياة هنية رائعة وذلك بسبب تعرضها للسجن، وفي شخصية فايزة التي لم تنل من اسمها حظا رمزا للمرأة الفلسطينية المناضلة التي قدمت اخيها وناضلت وتعرضت للسجن.

يقدم السارد الشخوص في الرواية على لسان شخصياته الروائية أيضا، حيث يقدم على لسان فايزة أخيها عبدالله يقول السارد ص39:

(أخي عبد الله جندي مخلص يزرع في أرواحنا المعرفة من أن فلسطين تحتاج لعاشقين يبصرونها بعين واعية نظيفة يدركون معنى الحب).

يقدم لنا السارد أنموذج الشباب المثقف الواعي الذي يدرك معنى الوطن وحب الوطن، وهنا تظهر رسالة الكاتب في أن فلسطين تحتاج إلى المثقف الواعي الذي يدافع بإخلاص عن بلاده ويزرع في الآخرين عشق الوطن.

وفق الكاتب في استخدام لغة بسيطة ومباشرة تعتمد على التصوير الواقعي المباشر للأشخاص والأحداث مما أضفى صفة الموضوعية على الرواية

ثانيا: الأسلوب التسجيلي الوثائقي:

يعتمد السارد على الأسلوب التسجيلي الوثائقي الذي يتخذ من تقنية التلفاز والرسائل والمقالات لتسجيل الأحداث والواقع، يقول السارد ص32:

(فأبصرنا ثورة الغضب في ملامح د. حيدر عبر شاشة التلفزيون من واشنطن وهو يقول: إن القدس الفلسطينية عاصمة وطننا ودولتنا المنشودة هي بوصلة الوجود الفلسطيني).

أبدع السارد في تسجيل خطاب د. حيدر عبد الشافي بأسلوب وثائقي وكأنه وضعنا أمام التلفزيون نشاهد خطاب د. حيدر.

في أنموذج آخر يقول السارد ص34:

(قبل قليل وقعت في يدي مقالة للمفكر الفلسطيني (إدوارد سعيد) صدمتني اسمع ما يقول: منظمة التحرير حولت نفسها من حركة تحرر وطني إلى ما يشبه حكومة بلدية صغيرة إنه قيادة منظمة التحرير مقابل دهاء إسرائيلي).

لجأ السارد إلى استخدام الأسلوب السرد الوثائقي لإضفاء صفة الواقعية على الرواية خاصة أن الرواية تتحدث عن أحداث ووقائع تاريخية تدعم فكر الكاتب وتؤيده.

وفي استخدام السارد للأسلوب التسجيلي الوثائقي استخدم الرسائل ومن ذلك ما جاء في رسالة غسان لأمه, غسان الذي قتل أخاه لوقوعه في وحل العمالة يقول السارد صص110:

(يا غاليتي فقدنا الحواس وشاخت أنفسنا نسينا شكل الأطفال والنساء يقولون الدجاجة نبتت لها قدم ثالثة هل هذا صحيح أرسلي لنا صورتها لتطمئن قلوبنا).

يعرض الكاتب حجم المعاناة والألم الذي يتعرض له الأسرى في سجون الاحتلال فقد تعرضوا لأقصى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي.

وفي مقطع آخر, جاء في رسالة والد شكري الرجل المناضل الذي التحق للمنظمة وتغرب عن وطنه وأرضه وأهله وعمل فدائيا مدافعا عن حقه, يقول السارد ص130:

(فوجدت في صندوق أمي رسائل قديمة أرسلها أبي ما جاء فيها “سلام عليك يا فاطمة يا سيدة الأحرار يا أجمل وأطيب نساء الكون حبيبتي زوجتي الغالية أم غسان ألف الحمد لله على سلامتك وصلني خبر إنجابك شمس التي ستنير حياتنا).

يبرز الكاتب المعاناة والتشتت والبعد عن الأهل والعائلة فمن من تغرب عن وطنه وبيته وأهله والتحق بالعمل العسكري ضمن المنظمة، مروا بحياة قاسية وظروف صعبة بعيدا عن الوطن والأهل وخذلان عربي أصابهم في الأردن ومن النظام السوري.

وفق الكاتب في توظيف الأسلوب التسجيلي الوثائقي من تلفزيون ورسائل ومقالات في سرده الروائي ليقنع القارئ أن ما يقدمه من أحداث وسرد ليس صوته كما يبعد عن نفسه النزعة الذاتية التي لم تظهر في الرواية، وبهذا يتسم السرد بالموضوعية.

ثالثا: أسلوب شهادة الشخصيات:

استخدم السارد أسلوب شهادة الشخصيات التي تقدمها الشخصيات عن الأحداث والمواقف التي حدثت أمام أعينهم حيث يترك السارد السرد للشخصيات الروائية التي مرت بالأحداث تعبر عن موقفها أو رأيها أو تسرد وتروي لنا الأحداث بلسانها وبشهادتها.

ترك السارد السرد للشخصيات الروائية ليسجلوا شهاداتهم على أحداث عاشوها فقد ترك السارد السرد للكفيف يوسف يسرد حدثا من أحداث النكبة حصل مع عائلة مسيحية في يافا كانت قد آوته وتكفلت برعايته يقول السارد ص57:

(كان بيتهم مرتع لجيرانهم اليهود قبل المسلمين لم تتخيل أنها ستعيش ليلة حالكة قاتلة وحشية تخرج ثعالبها لتفتك أرواح الأبرياء وهربت العائلة المسالمة من غرفة إلى غرفة يحتمون بالأثاث والجدران… علينا أن لا نخش خفافيش الليل حتما ستأتي الجيوش العربية وتنصرنا ضاع الكلام سحقه صوت الانفجارات اضطراب وقلوب تخفق سبحوا فوق الأرض يبحثون عن مكان آمن).

جسّد السارد شدة القلق والخوف وقسوة تلك الليلة التي لم تفرق بين مسلم ومسيحي, وصر لنا العلاقة الطيبة والمعاملة الحسنة من العائلة المسيحية لليهود وكيف قابلها اليهود بالقصف والقنابل, عبر السارد عن حدث من خلال شهادة شخصية يوسف على الحدث فجعل القارئ يستشعر الحدث وكأنه يحدث أمامه من خلال سرده على لسان شخصية عاشت ذلك الحدث.

وفي أنموذج آخر يصف السارد يافا على لسان يوسف يقول السارد ص58:

(تحرق يافا بقذائف الهاون تنسف المنازل والمباني على رؤوس ساكنيها, ترقص على جثث الأبرياء لتزرع الخوف في العامة).

قدم السارد وصف لمدينة يافا وهي تقصف وتدمر منازلها ويقتل سكانها، وهذا على لسان الشخصيات الروائية التي شهدت الأحداث ليضفي على الراوية صفة الواقعية والموضوعية.

سجل السارد المعاناة التي مر لها الفلسطينيون من الإدارة المصرية يقول السارد ص61:

(سحبتنا الإدارة المصرية للقنطرة الشمالية وضعنا في حجر صحي يسمى كرنتينا مقبرة عفنة رطبة غرفها كهوف جافة صيفا شديدة البرودة شتاء ممنوع الخروج من سجننا القسري إلا بتصريح, فرضت علينا إقامة جبرية أيام وشهور طويلة ونحن ننزف, عرقنا تجمدنا, تمددنا انكمشنا, شممنا روائح كريهة رجمنا بشتائم قبيحة).

جعل السارد السرد على يوسف مما جعل السرد أكثر واقعية وكأننا نعيش الحدث مع الشاهد على هذه الأحداث والمعاناة التي تعرض لها الفلسطينيون الذين هجّروا من بلادهم لينالوا كل أشكال الذل والإهانة على أيدي الإدارة المصرية وما كانت هذا المعاناة لتصل إلينا إلا بسرد من كان شاهدا عليها فيسرد لنا وكأنه كاميرا تسجيلية تعرض لنا ما حدث لهم في الكرنتينا.

لم ينته مسلسل المعاناة والقهر الذي تعرض له اللاجئون بدء من النكبة واغتصاب أرضهم وبيوتهم وفقد عائلاتهم ونزوحهم لدول أخرى نالوا فيها قسطا كبيرا من الإهانة والمعاناة ومنهم من عاش في المخيم يقول السارد ص72:

(حدثتني عن عائلات مهجرة فتحت لهم البيوت وزودتهم بكل ما لذ وطاب وعن ذئاب حاولت استغلال النساء اللاجئات وهي واحدة منهن وسردت لي قصص الرجال اللاجئين الذين ذاقوا ألوان العذاب ونزفوا عرقا وهم يعملون بالبيارات حتى امتصت دماؤهم وأهينت كرامتهم).

يعرض السارد على لسان يوسف ما حدّثته به أم صابر المرأة التي تحن عليه وتطعمه وتسقيه، معاناة اللاجئين والواقع المرير الذي مروا بهم بعد أن كانوا في بيوتهم وبياراتهم يعملون بعز وكرامة.

يعرض السارد لقضية الأسرى في سجون الاحتلال يقول ص109:

(تحاك ضدنا في صحراء النقب جرائم بشعة تفترسنا الطبيعة تلدغنا العقارب تستعبدنا الأمراض الجلدية).

صور السارد معاناة الأسرى الأبطال الذين يقضون زهرات شبابهم في السجون من أجل الدفاع والنضال ضد من احتل بلادهم وبين حجم الأذى الذي لحق بهم من إدارة سجون الاحتلال وذلك على لسان غسان الذي سجن في سجون الاحتلال بعد أن وقع في الأسر.

أبدع الكاتب بشكل كبير في استخدام أسلوب شهادة الشخصيات في تقديم الأحداث ما أضفى جانب الموضوعة والواقعية على الرواية.

ثانيا: المستوى الغير مباشر (اللغة الشعرية):

اللغة الشعرية الخروج عن المعنى المعلوم الواضح إلى معاني أخرى يقول د. عبد الرحيم حمدان (تعتمد اللغة الشعرية على التصوير الاستعاري واستخدام الألفاظ والرموز الموحية المتعددة الدلالات واللغة النابضة بالإيقاع والتلوين البياني والبديعي بقصد خلق الوظيفة الشعرية والجمالية واستغلال المفارقة الفنية بين زمن الأحداث وزمن السرد) ( ).

المتأمل في رواية صهيل مدينة يجدها تميل إلى الطابع الوصفي الذي يستعين بالمجازي الاستعاري إلى حدٍ ما، حيث نجد المجاز الاستعاري ماثلا في الرواية يقول السارد ص41:

(هبت عاصفت الموت أكلت الأخضر واليابس زخات النار تحصد الهواء المتحرك).

استخدم السارد المجاز الاستعاري والصور الاستعارية فقد شبه وحشية الاحتلال وبشاعته في القتل بالنار التي تأكل الأخضر واليابس، فقتلوا كل من استطاعوا قتله، وشبه الرصاص والقذائف بزخات المطر من كثرتها وكثرة مرات سقوطها على الفلسطينيين، هذه الصور الاستعارية كونت في مجلها صورة كلية توشحت بوشاح واحد وهو دموية ووحشية الاحتلال الاسرائيلي.

في أنموذج آخر يقول السارد ص144:

(أفك قيد أحلامي أهز قلبي بعنف لينبض سلاماً أنتظر أن يتساقط رطباً شهياً، كبدرٍ يكتمل تشرقين من بين الغيوم عصفورة تغرد حباً تحيي داخلي عشقاً معتقاً, أرقص هائماً بين الأفئدة المشرقة).

في هذا المقطع صورا استعارية كثيرة, فقد شبه السارد الأحلام بالسجين الذي يكون مقيدا, وشبه القلب بالنخيل الذي يهتز فيتساقط رطباً, كما شبه سوزان بالبدر الذي يشرق من بين الغيوم كعصفورة تغرد حبا وعشقا, هذه الصور في مجملها شكلت صورة كلية توشحت بوشاح الحب والشوق لحبيبته مطلقا العنان لأحلامه ينتظر الأمل القادم, كما اعتمد السارد على استخدام الفعل المضارع عشر مرات (أفك أهز ينبض أنتظر يتساقط يكتمل تشرقين تغرد تحيي أرقص) ليوحي بالنشاط والاستمرارية وإعطاء نفسه محاولات عديدة لينتفض من غبار الماضي ويتطلع للمستقبل.

 

بنى الكاتب الجمل التعبيرية في الرواية بناءً قائماً على الجمل القصيرة التي تتوافق مع الرؤية التي يريد أن ينقلها الكاتب إلى القارئ، يقول السارد ص34:

(استقبلني الدكتور وانكسار الكون في صوته، خرج حسون حزين ليتلو الوصية الأخيرة… خفت صوته.. المقدمات العظيمة، تجر وراءها خيبات، انتشرت رائحة جيفة أوسلو, خريف اغتصب ما تبقى لنا, أصاب صوته غصة وهو يشرح المهزلة).

عمد السارد إلى استخدام جمل قصيرة ذات دلالات موحية تتناسب مع الحال النفسي لدى دكتور حيد عبد الشافي من شعور بالانكسار والهزيمة وشعور بالإرهاق حيث بدا ذلك من صوته الخافت وقد أصابه غصة أن خفت الصوت والغصة التي أصابته دليل على عدم قدرة الدكتور حيد على الحديث لهذا استخدم السارد الجمل القصيرة التي تناغمت مع الحال النفسي لدى دكتور حيدر، حيث إن خفت الصوت والغصة التي أصابته لا يناسبها جمل طويلة.

في أنموذج آخر يقول السارد ص 36:

(تركت شكري وطفت بين الكتب لم أدر سر دموعي المنبعثة من ناظري سألت نفسي هل ستتكرر مأساتي).

لجأ السارد إلى استخدام جمل قصيرة لإحداث تناغم مع الشعور بالألم والحزن على شكري الذي ستتكرر مأساتها معه.

استخدم السارد الجمل القصيرة التي تثير الهمم وتشحذ المعنويات وهذا يتطلب جمل قصية لا طويلة يقول السارد ص69:

(كبر الوجع خرج الشعب من نومه الثقيل اشتعلت المخيمات والقرى والمدن انتفض المغيبون).

انتفاض الشعب واشتعال الثورة في المخيمات يناسبه الجمل القصيرة التي تزيد من الاصرار وإقناع الشعب ومخاطبة وجدانهم ومشاعرهم وهذا ما يحدثه استخدام الجمل القصيرة.

عبر السارد عن حال الحزن والأسى والألم الذي مر به الفلسطينيون يقول السارد 83:

(سيول الدم تواصلت جمعوا الشيوخ والأطفال في الساحة العامة عصبوا أعينهم امتصت البنادق رحيقهم حصدتهم الدبابات ساوتهم بالأرض مذابح مرعبة لن تموت).

عبر السارد عن كمية الوجع والألم الذي أصاب الفلسطينيون من قتل ومذابح جماعية للأطفال والشيوخ، تناغم قصر الجمل مع شعور الألم فلو استخدم جمل طويلة لتناسى هذا الشعور ولفقد بسبب إطالة الجمل، فقد ركز السارد على قصر الجمل ليتناسب مع أهمية الحدث وغرضه من إيصاله بسرعة للقارئ.

استفاد الكاتب من التشكيل الصوتي فقد اعتمد على أدوات التشكيل الصوتي لا سيما ما تكتنز به الحروف من قيم صوتية غنية خاصة أصوات الصاد والراء والخاء والقاف محدثة تناغماً إيقاعياً يعكس الحالة النفسية التي يريد التعبير عنها ونقلها إلى القارئ.

كثف السارد من حضور حرف الصاد يقول السارد ص36:

(جفاف امتص صباي رحل صوتي فمي مجرد آلة صامتة تتحرك بشكل عشوائي انفجرت بالصراخ صرخت وصرخت فاختنق صوتي ناديت شكري… واصلت الصراخ لم أسمع نفسي أصابني الصم).

عمد السارد إلى تكثيف حضور حرف الصاد ليبرز حال القلق والتوتر والاضطراب وهذا ما يتناغم مع الحال النفسي لفايزة, كما تناسب صوت الصاد مع الانفجار الذي بداخل الكاتب وغضبه على من احتل أرضه ووطنه ومن شرّد أهله وأصحاب الحق, كما عمد السارد إلى استخدام التكرار في تكرار حرف الصاد الذي يؤدي دوراً مهماً في الوصف والتصوير ويهدف هذا إلى كسر رتابة السرد كما ويضفي التكرار على النص جمالية عالية حيث وظف الكاتب تكرار صوت الصاد أحد عشر مرة حيث يهدف السارد للوصول إلى نفس القارئ والتأثير عليه وجذب انتباهه, اتكاء الكاتب على الإيقاع السريع من خلال استخدام الجمل القصيرة والتناغم الصوتي والتكرار ليعبر عن الحال النفسي الذي عاشته شخصيات الرواية وتتناغم مع شعورهم بالقلق والاضطراب.

ثالثا: خصائص لغة السرد:

1- غلبة الجمل الفعلية:

المتأمل لرواية صهيل مدينة يلمس كثرة الجمل الفعلية وغلبتها على الجمل الاسمية بشكل واضح, وفي هذا دلالة على أن السارد معني بسرد الأحداث بجزيئاتها الدقيقة ويعرضها من وجهة نظره, حيث توحي الجمل الفعلية بالتجدد والحيوية والنشاط والحركة وهذا ما يتناسب مع الأحداث ويجعل القارئ في حال جذب لانتباهه وتعطيه الشعور بالمتعة وهو يقرأ يقول السارد ص33:

(هذا هو الجندي الذي قتل واغتصب وشرد وخيرك بين أن تموت أو تبصق في بوجه رجل عجوز وقور).

عمد السارد إلى استخدام الأفعال الوحشية التي تتنافي مع قيم الإنسانية والتي يمارسها جنود الاحتلال، ويبرز صورة الاحتلال وجنوده الذين أقاموا أشنع الجرائم وأبشعها من قتل وتهجير للفلسطينيين، استخدام الأفعال بالحركة وتشكيل هيئة الحدث في ذهن القارئ وجعل الحدث متخيلا أمام ناظريه، من خلال استخدام الأفعال ذات دلالات موحية تزيد من الانفعال لدى القارئ.

ثمة أنموذج آخر يقول السارد ص41:

(ابتسمت ذبت توهج الجودي خجلت رغم أني خلقت لهذه اللحظة).

لجأ السارد إلى استخدام الأفعال لرسم حالة من الفرح والسرور على وجه فايزة, وبعث شعور يوحي بالتجدد والنشاط والحيوية, حيث تجعل الأفعال حال الفرح والسرور ماثلا في ذهن القارئ.

2- التكثيف الدلالي:

استفاد الكاتب من استخدام تقنية التكثيف الدلالي، حيث نجد هذه التقنية ماثلة في الرواية بشكل واضح حيث يركز السارد على اللغة الصادرة عن الشخصيات مع تكثيف دلالات اللغة والأحداث, المفترس لرواية صهيل مدينة يجد مقاطع كثيرة تعتمد على التكثيف والإيجاز دون الاهتمام بالتفصيلات والجزئيات الدقيقة, وهذا يؤكد قدرة الكاتب على استخدام اللغة والتكثيف الدلالي لها لتعطي مدلولا يتناسب مع الحدث الروائي يقول السارد ص51:

(غزة لمن لا يعرفها.. هي امرأة مشاغبة جدا جدا.. أنثى كونية شيدها الكنعانيون، خرجت حافية القدمين, لم تتزين يوما للغزاة, سيدة الجنون, تعشق المطر, أسقطت الألوان الفرعونية, الإغريقية, الرومانية, البيزنطية, العثمانية, تمردت على البريطانيين, وتحدت القوات الإسرائيلية, لم تحمل في بطنها مسخاً).

وظف الكاتب التكثيف الدلالي والوصفي في وصف غزة، فهي مشاغبة، شيدت منذ الحضارة الكنعانية، لم تخضع للغزاة وتمردت على أوجه الاحتلال والاستعمار، كما وظف السارد بالإضافة لتكثيف الصور الوصفية تكثيف استخدام الأفعال التي شكلت مشهد القوة والصمود والتمرد وعدم الخضوع للمحتل، كما عملت الأفعال على اظهار أهمية الحدث فقد استخدم الأفعال التالية (يعرفها شيدها خرجت تتزين تعشق أسقطت تمردت تحدت تحمل)

ثمة أنموذج آخر يقول السارد ص 99:

(انهرت سقطت أرضاً فقدت التركيز تهت ما بين مفردات أحلاها مر).

لجأ السارد اظهار أهمية الحدث من خلال تكثيف استخدام الأفعال التي تشكل مشهد السقوط وإلا لكان السقوط عاديا ولم يمثل في ذهن القارئ، لكن استخدم السارد اللغة المكثفة من الأفعال التي توحي بمعاني السقوط التي تجعل القارئ مشدوداً يشعر بأهمية الحدث.

أذكر نموذج آخر استفاد من خلاله السارد من التكثيف الدلالي في استخدامه للغة في تجسيد حال الحياة الصعبة والمعاناة التي مرت بها أم شكري، يقول السارد ص135:

(أمي امرأة الشموخ لا طاقة لي بصبرها، ذبلت هرمت شاخت وتبخر شذى عطرها).

جسد السارد حال أم شكري المرأة الصابرة التي لا أحد له بصبرها بصور توحي بالضعف والهزل وفقدان القوة وانقضاء ريعان الشباب من خلال قوله ذبلت ولم يكتف السارد بالذبول فأكد ذبول أم شكري بأنها هرمت بعد أن تمكن منها الإرهاق كبرت بالعمر ثم رسخ في ذهن القارئ ذلك بقوله شاخت، هنا تجسد للقارئ الحال الذ1ي تمر به أم شكري، ثم أكد تبخر شذى عطرها أي ضاع نسيمها وجمالها وعنفوانها، ورغم ذلك لا أحد له بصبر تلك المرأة الفولاذية.

أذكر أنموذج آخر يعبر الكاتب عن حال الفرح والسرور بخبر نجاة الرئيس ياسر عرفات بعد سقوط طائرته يقول السارد ص143:

(الرئيس حي يرزق, أنهار الناس تطوي الشوارع, بعثوا من العدم يكبرون يهللون يغنون يرقصون ويوزعون صواني الحلويات).

عبر السارد عن حال الفرح والسرور بنجاة الرئيس بعد سقوط طائرته في ليبيا, حيث وظف السارد الافعال الموحية بالفرح والسعادة التي تعبر عن الحال الانفعالي الذي عاشه الشعب الفلسطيني فرحا بنجاة رئيسهم.

3- الألوان:

وظف السارد عنصر اللون ودلالاته الغير مباشرة في التعبير عن رؤيته للواقع, اللون له خصائص انفعالية يستجيب لها البصر ويغذّيها الخيال فتثير المتلقين, حيث يتم التفاعل مع اللون ليس من خلال النظر وإنما من خلال التخيل, وهو وسيلة للتعبير عن المشاعر والأحاسيس والانفعالات الداخلية واللون “أحد أبرز العناصر الجمالية في الفنون إذ يشكل حضوراً واسعاً يمكن أن يغير مسار الشكل الإبداعي سلبا أو إيجاباً”( ).

1- اللون الأحمر:

يقول السارد ص59:

(اللون الأحمر هو سائل لزج مقرف يعني الدم الحريق العطش حرمانك من الأحباب نار تأكل أهلي مشاعر متناقضة انفعالات صادقة حب اشتياق حنين).

ربط السارد اللون الأحمر بالدم وتحريك الانفعالات المؤلمة التي أصابت أبناء الشعب الفلسطيني من قتل وحرق وشعور بالعطش وحرمان من الأحبة من الأهل والأقارب، كما ارتبط اللون الأحمر بانفعالات الحب والإثارة من حب واشتياق وحنين للوطن وللأهل، نستطيع القول هنا أن اللون الأحمر ارتبط بمدلولين هما:

– انفعالات أليمة قتل وحزن ومعاناة

– انفعالات صادقة حب وشوق وحنين

2- اللون الأبيض:

يوحي اللون الأبيض بالاتساع والامتداد، كما يرتبط في أغلب الأحيان بالجوانب الإيجابية كالوضوح والطهارة والنقاء يقول السارد ص66:

(الأبيض شيء لم أبصره يوما يسبح خارق واقعي غمامة تغلق ناظري التقيت به حين سردت أمي قصة جبينة ناصعة البياض حيث جسدت القصة في مخيلتي الجمال والمحبة.. أصبح الوهج الأبيض سر سعادتي).

يوحي اللون الأبيض بطهارة قلب يوسف ونقاء قلبه ووضوحه وفي هذا دلالة رمزية في يوسف للشعب الفلسطيني النقي الطاهر.

3-اللون الأسود:

يقول السارد ص 56:

(ماذا يعني اللون الأسود لإنسان كفيف لم يبصر يوما الألوان؟ الأسود… هو ألا تبصر شيئا وتشعر بالوحدة وتخشى المجهول، أن تشم رائحة شواء عائلتك محترقة وأنت تلقى في الجحيم فتسقط فوق عربة مهجرين فروا من أشباح ترقص وتهلل على جثث الأبرياء).

يشير اللون الأسود إلى الظلام والظلم وإلى الموت، وهذا ما حصل مع يوسف حياته ظلام دامس ففقد بصره وسار غلى المجهول وحده، لم يبصر شيئا لا عائلته ولا من تبناه وآواه ولكن أبصر الظلم الذي وقع عليه فقد صور لنا احتراق عائلته وسقوطه فوق عربة مهجرين فروا من الموت ليفر معهم، يوحي اللون الأسود بواقع القهر والظلم الذي وقع على أبناء الشعب الفلسطيني.

وفق الكاتب في تنويع خصائص السرد من استخدام الجمل الفعلية والتكثيف الدلالي والألوان ودلالاتها المباشرة والايحائية الجمالية، وقد أضفى هذا جمالية على الرواية وجعل منها رواية مليئة الحركة والحيوية والنشاط، كما تخلصت خصائص السرد من الكلمات الزائدة، فكان التكثيف الدلالي حاضرا وبقوة ولا يمكن الاستغناء عن أي كلمة من وصف المشهد أو الحدث، وهذا يعبر عن مدى إبداع الكاتب في انتقاء الكلمات التي إذا حذفت منها كلمة لا يصل المعنى مكتملا.

المصادر:

  • مصطفى النبيه، رواية صهيل مدينة، دار خطى للنشر والتوزيع، غزة، فلسطين, 2018, ط1.

المراجع:

1- عادل الأسطة، قضايا وظواهر نقدية في الرواية الفلسطينية، عكا، مؤسسة الأسوار,2002, ط1.

2- ماجدة حمود، النقد الأدبي الفلسطيني في الشتات، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، نيقوسيا, 1992, ط1.

3- آمنة يوسف، تقنيات السرد بين النظرية والتطبيق، دراسات/أدب، ط2, المؤسسة العربية للدراسات والنشر، اليمن, 2015.

4- عبد الرحيم حمدان، اللغة في تجليات الروح للكاتب محمد نصار، مجلة الجامعة الاسلامية سلسلة الدراسات الإنسانية، م16, ع2, 2008, غزة- فلسطين.

5- علي إسماعيل السامرائي، اللون ودلالاته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي, الأردن, دار غيداء, 2008, ط1, ص14.

 

قراءة /أحمد سليمان البسيوني