الـملك الـمغربي يدعو الجزائر لإعادة فتح الحدود دون شروط !

الـملك الـمغربي يدعو الجزائر لإعادة فتح الحدود دون شروط !

في خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى الثانية والعشرين لتولّيه العرش المغربي، دعا الملك المغربي محمد السادس الجزائر إلى إعادة فتح حدودها البرّية مع المغرب، وهي التي بقيت مغلقة منذ صيف 1994، بعدما أمر الملك الراحل الحسن الثاني بفرض التأشيرة على الجزائريين، غداة تفجيرات الدار البيضاء التي إتهم المغرب المخابرات الجزائرية بالضلوع وراءها، لترد الجزائر بقرار غلق الحدود البرية المشتركة، مع الإبقاء على الرحلات الجوية بين البلدين، والتي لم تتوقف حتى بداية انتشار وباء كوفيد 19 مطلع العام الماضي.

الملك المغربي كان قد وجه دعوات سابقة إلى الجزائر لفتح الحدود المغلقة منذ ما يزيد عن 27 سنة، لكن هذه الدعوات كانت تتجنب الحديث عن الملفات العالقة بين البلدين، والتي يأتي على رأسها ضرورة تقديم اعتذار رسمي من طرف المغرب، على فرض التأشيرة على من يفترض أنهم أشقاء لا تفصلهم عن المغاربة سوى حدود سياسية موروثة عن الاستعمار، وذلك في ذروة أكبر فترة حرجة عرفتها الجزائر المستقلة، إضافة إلى قضية مئات أطنان المخدرات المغربية التي يتم تهريبها عبر الجزائر، تحت تغاضي مصالح الأمن وحرس الحدود في المغرب، بل وتقنين الاتجار بالمخدرات في المغرب مؤخرا، وهو الأمر الذي يعني وقوف المخزن المغربي وراء اغراق الجزائر وبقية الدول بأطنان الحشيش المغربي.

دعوات الملك المغربي؛ أقوال تعكسها الأفعال..

ربما يعتقد الملك المغربي ومستشاروه وطاقم الدبلوماسية المغربية، بأن مجرد تخصيص بضع دقائق للحديث عن ملف العلاقات مع الجارة الشرقية في خطاب عيد العرش، هو تنازل كبير ينبغي على الجزائر أن ترد عليه بفتح الحدود دون قيد أو شرط.

فعندما يؤكّد العاهل المغربي في خطابه على أن الجزائر والمغرب هما توأمان متكاملان، يمكن أن نتساءل بدورنا: هل توزيع ممثل المغرب لدى الأمم المتحدة منذ أيام لبيان على دول كتلة عدم الانحياز يعلن فيه عن دعم المغرب لما يسمّى بـ: “استقلال منطقة القبائل” دليل على توأمة المغرب مع الجزائر ؟

وحين يقول في ذات الخطاب، بأن المغرب لم ولن يكون مصدرا للشر والمشاكل ولا تهديدا أو خطرا للجزائر، من حقنا أن نتساءل أيضاً: هل تورُّط المغرب في قضية برنامج بيغاسوس للتنصّت على هواتف عشرات السياسيين والصحفيين والحقوقيين في عدة دول من بينها الجزائر، دليلٌ على ارتباط أمنَي البلدَين ببعضهما وأن المغرب ليس مصدر تهديد وخطر للجزائر ؟

وقبل ذلك حين صرّح القنصل المغربي في وهران خلال العام الماضي لمواطنين مغاربة بأن الجزائر دولة عدوّة، ليتم طرده اياما بعد ذلك دون إثارة زوبعة دبلوماسية من طرف الجزائر، هل يعني ذلك أن المغرب لم ولن يشكّل تهديدا أو خطرا للجزائر وأن أمن البلدين الشّقيقَين مرتبطين ببعضهما حسب خطاب العاهل المغربي ؟ 

الأجوبة عن هذه الأسئلة واضحة ولا تحتاج إلى تفصيل.

الحدود الجزائرية المغربية المغلقة؛ وضع منطقي ومعقول..

محمد السادس قال في خطابه أنه ليس هناك أي منطق معقول يمكن أن يفسر الوضع الحالي للحدود الجزائرية المغربية؛ في حين أن هذا الوضع أكثر من منطقي، فهو ردّ مناسب للجزائر على فرض التأشيرة على الجزائريين من طرف الملك الراحل الحسن الثاني، التي كانت طعنة في الظهر حاول الحسن الثاني توجيهها للجارة الشرقية في ذروة العشرية السوداء التي كانت تعيشها في تلك الفترة.

الملك المغربي يريد فتح الحدود البريّة دون قيد او شرط، تحت ذريعة أنه لا هو ولا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ولا حتى الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة مسؤولون عن غلق الحدود، وبالتالي يجب أن تفتح الحدود دون تقديم اعتذار من طرفه، وكأنه ليس مسؤولاً عن سياسة والده الملك الراحل الحسن الثاني؛ بهذه “القاعدة الدبلوماسية” التي ابتدعها العاهل المغربي، ستكون فرنسا معفية من تقديم اعتذارات عن استعمارها، وألمانيا معفية أيضا من الاعتذار عن جرائم الفترة النازية في أوروبا، وكل طاقم مسيّر لدولة في فترة معينة سيكون غير مسؤول عن ممارسات الطاقم السابق له؛ وهو أمر لا يستقيم في العلاقات الدولية، إذ لا يحتاج الملك المغربي لتذكيره بأن الدول ليست مثل الأفراد، والخلافات بينها  ليست خلافات بين أشخاص أو بين عائلات؛ لذلك ليس خفيّاً أن المغرب كان يريد التملص من تقديم اعتذار، باستغلال تقادم الخلافات.

قضية الصحراء الغربية ليست مرتبطة بمسألة الحدود الجزائرية المغربية.. 

الإعلام المغربي لطالما روج لفرضية أن الحدود الجزائرية المغربية مغلقة بسبب ملف الصحراء الغربية، في حين أن سبب غلق الحدود لم تكن له أية علا’قة بالقضية الصحراوية، التي شهدت تللك الفترة توقيع اتفاق وقف اطلاق النار بين البوليساريو والمغرب، بعد قبول هذا الأخير بإجراء استفتاء تقرير المصير تحت رعاية أممية، ليتملص لاحقا من هذا الالتزام؛ وهو الأمر الذي أكد عليه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، حين انتقد ربط وسائل الإعلام المغربية لقضية الحدود البرية المغلقة بقضية الصحراء الغربية المحتلة.

فالجزائر أكدت مرارا على أن قضية الصحراء الغربية هي قضية أممية تحت خانة تصفية الاستعمار، وأن دعمها اللامحدود للصحراويين هو التزام بأهم مبادئ السياسة الخارجية الجزائرية في دعم الحركات التحررية في العالم وحق الشعوب في تقرير مصيرها عن الاستعمار، لكن المغرب وفي إطار محاولاته العديدة لابتزاز الجزائر وإحراجها في المحافل الدولية، يحاول كل مرة ربط قضية الحدود بقضية الصحراء، في حين أن الحدود كانت مفتوحة بشكل عادي، في ذروة حرب التحرير التي شنتها قوات البوليساريو ضد الاحتلال المغربي إبان ثمانينيات القرن الماضي.

التجاوب الجزائري مع الدعوة المغربية؛ مثل التجاوب مع الدعوات السابقة..

يبدو أن فداحة الكوارث الدبلوماسية الأخيرة التي ارتكبها طاقم السياسة الخارجية المغربية، عبر الاضرار بعلاقات المغرب مع كل من ألمانيا وإسبانيا وفرنسا والجزائر، جعلت المغرب يلجأ إلى هذه الخطوة، محاولة منه لإصلاح ما يمكن إصلاحه، بدءأ بجارته الشرقية التي لم تعرف علاقاته بها استقرارا إلا خلال فترات قصيرة ومتباعدة.

لذلك يُستَبعد أن تردّ الجزائر بالايجاب على دعوة محمد السادس، لأن مسألة إعادة فتح الحدود ليس بالسهولة لدرجة أن يُعادَ فتحُها بمجرد خطاب سنوي للملك المغربي، بل تحتاج الجلوس إلى طاولة الحوار، بعد تقديم اعتذار رسمي من طرف المغرب عن فرض التأشيرة على الجزائريين في فترة حرجة، وإتهام الجزائر زوراً وبهتاناً بالوقوف وراء تفجيرات الدار البيضاء، إضافة إلى إتخاذ اجراءات ملموسة لوقف مئات أطنان المخدرات المغربية المهرّبة نحو الجزائر، ذلك أن النوايا الحسنة لم تكن يوما رهينة مقاطع من خطابات سياسية، بل تتجاوزها إلى الافعال والمبادرات.

زكرياء قفايفية

%d مدونون معجبون بهذه: