العلاقة الجزائرية الفلسطينية موغلة في القدم.

الذكرى التاسعة والخمسون لحرق المكتبة الجامعية الجزائرية من طرف المنظمة العسكرية السرية (O.A.S).

 العلاقة بين الجزائريين والفلسطينيين  قوية  و موغلة في القدم, إنه تاريخ حافل بمواقف روحية وجهاد امتزجت فيه الدماء وتعانقت على شرفه القلوب متصافحة قبل الأيادي, مشكلة شراكة حقيقية ومحبة في الله وبالله ولله وهذا منذ الأيام الأولى لدخول الإسلام إلى بلاد المغرب، فبالإضافة إلى زيارة الجزائريين لفلسطين بعد أداء مناسك الحج ، كانوا يشدوا الرحال إلى بيت المقدس، لإتمام تلك المناسك, الذي يعتقد المسلمون أنّ الصلاة فيه تُعادل خمسمائة صلاة في غيره .   وقد شهدت مدينة القدس خلال العهد الفاطمي، زيادة في أعداد المهاجرين المغاربة، إذ شكلوا الغالبية في الجيش الفاطمي الذي دخل بلاد الشام، وقد استوطن بعضهم في مدينة القدس، واستقر المقام بهم هناك، إلى أن شيدوا ما عُرف بـ “حارة المغاربة”، الواقعة في الجهة الجنوبية في القدس بجوار الحرم القدسي الشريف, وهو الحيّ الذي هدمته قوات الاحتلال بعد أيام قليلة من احتلال الشطر الشرقي من القدس في شهر جوان 1967.

ولد كان  للجزائريين والمغاربة نصيب كبير في الدفاع عن بيت المقدس، فقد شارك الجزائريون في جيش صلاح الدين الأيوبي، ومن قبله في جيش نور الدين زنكي، في حروبهم مع الصليبيين لتحرير بيت المقدس، ومن أشهرهم: «عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن باديس» أحد القادة العسكريين للسلطان صلاح الدين الأيوبي الذي كان له شهرة واسعة في محاربة الصليبيين، وهو من العائلة الباديسية التي كان منها إمام النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس.

كما شارك في عام 1187 م الفقيه والمتصوّف والشاعر أبو مدين شعيب الغوث (أشبيلية 1115 – تلمسان 1198) في الصفوف الأمامية، لمعركة حطين الشهيرة التي قادها الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي لتحرير القدس، وقد أدت إلى إصابة أبو مدين في ذراعه إلى أن تُوفي ودُفن بالقدس، فقد حرر صلاح الدين القدس بمشاركة وتضحيات أهل الجزائر، الذين استماتوا في المعركة، ولم يدخروا جهدًا في الدفاع عن مقدساتهم الإسلامية، فارتوت بدمائهم الأرض المقدسة.

وفي العهد الأيوبي وبعد أن حرر صلاح الدين مدينة القدس، أذِن لمن أراد من المغاربة الذين شاركوا في هذا التحرير بالعودة إلى ديارهم، ولكن الكثير منهم فضَّل البقاء في المدينة المقدسة ,ومما يدل على كثرة المغاربة في هذه المدينة المقدسة أن عين لهم شيخ يتولى أمورهم ورعاية مصالحهم، ويمثلهم في المحكمة الشرعية، وكان شيخ المغاربة يمثل رابط الوصل بين السكان المغاربة من جهة، وسلطات المدينة من جهة أخرى ممثلة بالوالي، وقد أطلقت عليه سجلات المحكمة الشرعية “شيخ السادات” وفي بعض الأحيان “شيخ المشايخ” و”شيخ المغاربة”.

في العصر الحديث، ومع حلول الثلاثينات من القرن العشرين أصبحت مواقف الجزائريين واضحة تجاه القضية الفلسطينية، فقد اتصل “مصالي الحاج” أحد قادة الحركة الوطنية الجزائرية بقادة العمل الفلسطيني، حيث أكد لكل من الشيخ أمين الحسيني، الذي التقى به في أكتوبر عام 1931، وأحمد حلمي باشا، رئيس حكومة فلسطين، الذي التقى به في نوفمبر من نفس العام، وقد أكد لهما دعم الجزائريين لهم، وبحث معهما طرق دعم القضية الفلسطينية.

وقد شارك الجزائريون في المؤتمر الإسلامي الأول في القدس، الذي عقد في ديسمبر عام 1931، كما أكد المؤرخ الإنجليزي “توينبي” أن المؤتمر الإسلامي الجزائري الذي عُقد عام 1936، جاء نتيجة لمؤتمر القدس رغم الفارق الزمني بين انعقاد المؤتمرين.

ومع اندلاع الثورة الكبرى بفلسطين (1936-1939)، نظمت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وحزب الشعب حملات تعبئة ومساندة وحملات لجمع الأموال لدعم الثوار الفلسطينيين، كما نظمت الحركة الوطنية مهرجان شعبي ضخم بالعاصمة الجزائرية، أشرف عليه الزعيم مصالي الحاج، ودعا فيه لوقف المجازر، وأسس النواب المنتمون لحزب الشعب الجزائري “الهيئة الجزائرية لمساعدة فلسطين العربية“، وفي هذا الإطار استطاع الحزب إرسال بعض الأموال لدعم الفلسطينيين.

وقد أدى المهاجرون الجزائريون دورًا بارزًا في ثورة 1936، فقد شاركوا بثلاثة فصائل، وقد اختص كل فصيل بمهمة عسكرية، ففصيل “صفد” اختص بالهجوم المباغت، وفصيل “حيفا” اهتم بنقل السلاح، وفصيل “طبرية” اختص بنسف أنابيب البترول، فضلاً عن الأمور الأخرى فيما يتعلق بعلاج المصابين وإطعام المجاهدين وتزويد الثوار بالمعلومات, وقد انتقمت بريطانيا من الجزائريين الذين شاركوا في الثورة، فقد أحرقت دورهم واعتقلت أبناءهم.

ومع اندلاع حرب 1948، تضافرت جهود العلماء والزعماء الوطنيين الجزائريين في تشكيل “الهيئة العليا لإعانة فلسطين“، وقد استطاعت الهيئة في مدة وجيزة، من تجهيز 100 مجاهد و أرسلتهم إلى ميدان الجهاد المقدس بفلسطين، هذا بالإضافة إلى المئات من المجاهدين الذين تطوعوا و تكفلوا بأنفسهم، فضلاً عما جمعته هذه اللجان من أموال.

وشارك الجزائريون في عشرات المعارك ضد الصهاينة خلال حرب 1948، وتعد معركة قرية “هوشة” أشهر هذه المعارك حيث استشهد فيها 35 شهيد، ودامت المعركة من السادسة صباحًا من يوم 15 إفريل 1948، إلى منتصف الليل. وبلغ عدد الجزائريين الذين شاركوا في حرب 1948 قرابة 260 شخصاً.

في دراسته للباحث والأكاديمي أحمد شنتي يورد تفسيراً تاريخياً للعلاقة العاطفية التي تربط الجزائريّين بالقضية الفلسطينية؛  رابطا  إياها بأسبابً تاريخية، منها إصدار سلطات الاحتلال الفرنسية “مرسوم كريميو” الذي أدمج يهودَ الجزائر، وكانوا وقتها في حدود 35 ألف نسمةٍ، ضمن المجتمع الكولونيالي، وهو ما فتح الباب على مواجهاتٍ عنيفة بين الطرفَين كانت تتجدّد طيلة سنوات.

بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: