“الصحافة الفلسطينية قبل سنة 1967” للكاتب والمؤرخ جهاد أحمد صالح‎‎

"الصحافة الفلسطينية قبل سنة 1967" للكاتب والمؤرخ جهاد أحمد صالح

أصدرت وزارة الإعلام الفلسطينية والكلية العصرية الجامعية كتاب “الصحافة الفلسطينية قبل سنة 1967″ للكاتب والمؤرخ جهاد صالح، في رام الله – فلسطين 2021م، ويقع الكتاب في مئتين واثنتي عشر صفحة من المقطع الكبير، ركّز فيها على ظاهرة الفكر المقاوم في الصحافة المكتوبة، فيقول: ” منذ ظهور الأنظمة الدكتاتورية المحلية من ناحية، ومنذ ظهور الاحتلالات الخارجية من ناحية أخرى، وقد عرفت الدول الأوروبية، مؤسس الصحافة المكتوبة، بداية هذا الظهور منذ قيام الأنظمة الدكتاتورية في الكثير من بلدانها، ومحاولة فرض النسيج الموحّد لأبناء الشعب المؤيد للسلطة التي يرتضيها النظام، ومع بداية هذا النظام في التمدّد إلى الدول الأخرى، القريبة والبعيدة لفرض نظامه هذا، في ظاهرة عرفت بالاحتلالات الاستعمارية. ففي الوقت الذي لجأت فيه إلى الصحافة لتعبئة الرأي العام حول صوابية طروحاتها السياسية، وأطماعها الاستعمارية من وراء الاحتلال، ظهرت صحف الرافضة الداعية إلى تأسيس فكر المقاومة عند أبناء الشعب المنكوبين من الأنظمة الدكتاتورية والاحتلال، الداعية في النهاية إلى المناداة بالثورة الشاملة.

لكن هذا الظهور لفكر المقاومة كان ظهوراً مؤقتاً من ناحية، ويعتمد على وجود حاضنة تقف وراءه، تدعمه وتتحمل نتائجه من ناحية أخرى، هكذا برزت ظاهرة الفكر المقاوم في الصحافة المضادة للتمدد الهتلري في دول أوروبا، وللأفكار الفاشية الإيطالية، وللدكتاتورية الملكية الإسبانية وغيرها”.

ويضيف الكاتب والمؤرخ جهاد صالح: “هكذا أصبحت هذه الظاهرة، هي سلاح حركات التحرر في جميع دول العالم، ولسان حالها في التعبئة والتحريض، التي تستلهم من فكر المقاومة، ما يدعو أبناء الشعب إلى الثورة على النظام الدكتاتوري والرجعي من ناحية، والدعوة إلى الثورة ضد الدول الاستعمارية التي تجتاح بلاده، وتنهب خيراته، وترغم أبناء شعبه على الاستسلام والخضوع نهائياً لجميع مطالب الدول المستعمرة”.

وحول انتقال هذا الفكر المقاوم إلى الصحافة العربية يقول: “وشهدت منطقتنا العربية بكافة ساحاتها مثل هذا الظهور الذي يمثل فكر المقاومة في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، في أثناء التصدي لمحاولة الدول الاستعمارية تجزئه الوطن العربي منذ اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916م، وخضوع غالبية الدول العربية للاحتلالات الأوروبية قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، وما أفرزته من أنظمة دكتاتورية متعاونة معها بشكل أو بآخر”.

وحول انتقال هذه الظاهرة إلى الصحافة الفلسطينية، يقول الباحث في دراسته: “وشهدت فلسطين أبشع هذا التواجد الاستعماري وأكثرها ضرراً وبؤساً وعنفاً وضراوة، ليس فقط في أثناء وقوعها تحت الانتداب البريطاني بل باختيارها وطناً قومياً يهودياً صهيونياً، أرضاً وشعباً، محلّ سكانها الأصليين، ذلك المشروع الذي جاء وليد الانتداب البريطاني، منذ وعد بلفور عام 1917م، وما زال يكرّس وجوده حتى الآن، ويشكل ظاهرة عدوانية لا تتوقف ضد الدول العربية المجاورة، وضد حركات التحرر العربية والإسلامية والعالمية.

ومنذ وعد بلفور، عرف الشعب الفلسطيني أنه أمام احتلالين متعاضدين، الاحتلال البريطاني المؤقت، وأمام الاحتلال الصهيوني اليهودي الكولونيالي “الاستيطاني” ما أدّى إلى وقوف الشعب الفلسطيني برمته أمام هذين الاحتلالين، والاحتجاج أولاً على مواجهات الهجرة اليهودية السرية والعلنية، ثم تعاقبت الثورات الفلسطينية الواحدة بعد الأخرى، وسقط آلاف الشهداء والجرحى، وأودع آلاف المواطنين سجون الانتداب البريطاني في مختلف الأنحاء الفلسطينية. وفي حين جاءت ظروف وأحداث محلية وعالمية لصالح الصهيونية ومشروعها الاستيطاني، فإنها جاءت أيضاً في غير صالح الفلسطينيين الذين تآمرت عليهم الأنظمة الرجعية المحيطة بفلسطين، بالإضافة إلى التآمر الدولي الذي أيد قيام دولة “إسرائيل” في 15 أيار 1948م، على الرغم من فداحة الثمن الذي دفعه الفلسطينيون، أصحاب الأرض، من تشريد وبؤس ومخيمات انتشرت في الوطن الفلسطيني وخارجه، أولئك النازحون الذين هربوا من المجازر الإسرائيلية المتتالية وقد سيطر عليهم الهلع والخوف من المجهول، وقد  أمنّت سلطات الانتداب البريطانية كل وسائل الدعم والاستمرار لمثل هذه المجازر”.

وهكذا، يضيف المؤلف جهاد صالح: “لعبت الصحافة الفلسطينية التي انتعشت متزامنة مع بداية الدستور العثماني عام 1908م، وتزايد نشاطها وتنوعها خلال فترة الانتداب البريطاني حتى عام 1948م، دوراً بارزاً في تأسيس فكر المقاومة للمشروع الصهيوني، وإقامة الوطن القومي البديل، ومواجهات الهجرة اليهودية، بعد أن اكتشفت حيثيات المشروع الصهيوني من قبل الصحفي العريق نجيب نصار، الذي بادر بتبني التصدي لهذا المشروع بفكر عربي مقاوم، انضم إليه الصحفيون كافة في كل فلسطين، ولم يكن صعباً علينا، معرفة موقف سلطات الانتداب البريطاني إلى جانب هذا المشروع بدء بوعد بلفور الذي جاء قبل موجات الهجرة العارمة، والإجراءات القمعية التي اتخذتها ضد الثوار الفلسطينيين من ناحية، ومن ناحية أخرى ضد الصحافة والصحفيين والكتّاب والشعراء والسياسيين المعارضين لفكرة إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وغصّت السجون بهم، وطورد الكثير منهم، ونفيوا خارج البلاد، وأغلقت عشرات الصحف والمجلات، وهكذا تأسست الصحافة الفلسطينية وانتشرت منذ بداية الانتداب على فلسطين عام 1920م، وهي تحمل فكر المقاومة للمشروع الصهيوني، ورفض الاحتلالين، الصهيوني – البريطاني على أرض فلسطين”.

ويضيف أيضاً: “وبعد وقوع النكبة وتوزّع الصحفيين والكتاب والشعراء في الدول المجاورة، ودول الخليج وغيرها، وبعد انهيار القيادة الرسمية الفلسطينية، وعدم تمكنها من تلبية احتياجات النكبة التي يعاني منها أبناء الشعب، وقف الصحافيون والكتّاب والشعراء في طليعة هذا الشعب يبحثون عن حل لقضاياه المتعددة، ويبحثون عن الوسائل للخروج من الأزمة نحو فكر مقاوم يعيد للشعب الفلسطيني مسألة استلام قضيته، والتحدّث باسمه في كل المحافل الوطنية والإقليمية والدولية”.

ويستعرض المؤلف التطوّرات الإيجابية التي شهدتها المنطقة العربية انعكست على الساحة الفلسطينية، الأمر الذي أدّى إلى ظهور المنظمات الفلسطينية، وظهور الفكر المقاوم في صحافتها، وظهور الأقلام الكثيرة التي تدعو لذلك، ومن هذه التطورات:

 

  1. قيام الثورة الجزائرية في تشرين الثاني “نوفمبر” 1954م وتصاعدها وتأثيرها في الجماهير العربية بشكل عام، والجماهير الفلسطينية بشكل خاص. وإمكانية تحقيق المواجهة والانتصار في ظروف شبه متوافقة.
  2. بروز التيّار القومي العربي، خاصة بعد ظهور الزعيم المصري “جمال عبد الناصر” وتبوءه قيادة التيار القومي (نسبياً) ، مقروناً بالإنجازات الآتية: اشتراكه في مؤتمر باندونغ في نيسان (أبريل) 1955م، وتشكيله منذ آب” أغسطس” 1955م وحدات فدائية فلسطينية ضربت في عمق (إسرائيل)، وعقده في الشهر ذاته صفقة الأسلحة السوفيتية، وتأميمه قناة السويس في تموز (يوليو) 1956م، ووقوع العدوان الثلاثي الاستعماري ابتداء من 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1956م على مصر وقطاع غزة، وما رافقه من مواجهة شعبية مصرية عارمة، وتضامن كفاحي شعبي عربي مع الشعب المصري في معركته.
  3. قيام الوحدة المصرية – السورية في 22 شباط (فبراير) 1958م، ما ألهم التيار القومي بوادر نهوض جديدة في الوحدة والحرية.
  4. قيام الثورة في العراق في 14 تموز (يوليو) 1958م.
  5. نمو خطر (إسرائيل) المتمثل بشروعها بتحويل مجرى نهر الأردن، ما ترك بصماته على التفكير العربي بأن هذا المشروع الصهيوني لا يمثّل خطراً على الأرض الفلسطينية وشعبها فقط، بل يمثل تحدّياً للأمة العربية واستقلال حدودها وسيادتها”.

ويؤكد المؤلف جهاد صالح: “أن هذه التطوّرات دفعت بالجماهير الفلسطينية وقواها النخبوية التنظيمية إلى التفكير بإبراز الشخصية الفلسطينية وتجديد دورها في عملية التحرير، فنشأت منظمة التحرير الفلسطينية 1964م، وظهرت الصحافة الناطقة باسمها، قبل حرب 1967م.

ويؤكد أنه “في البداية لا بُدّ من التمييز بين نوعين من صحف المقاومة ظهرت في هذه الفترة.

الأولى: صحف سرّية، وتشمل صحف المقاومة السرّية التي صدرت في الأراضي العربية المحتلة، وفي بعض البلدان العربية في فترات متفاوتة، وهي خارج نطاق دراستنا الحالية هذه.

الثانية: صحف ونشرات علنية، أصدرتها منظمات فلسطينية في فترات مختلفة، وهي موضوع دراستنا، وتشمل الصحف أو النشرات التي صدرت خارج الأرض العربية المحتلة عام 1948م. وهي على النحو الآتي:

  1. صحف حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” ممثلة في صحيفتين: 

 

الأولى: صحيفة “فلسطيننا – نداء الحياة” التي أصدرتها منذ بداية تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، وقد أصدرتها في بيروت.

الثانية: صحيفة “العاصفة” التي أصدرتها بعد توقف صدور صحيفة “فلسطيننا – نداء الحياة”.

  1. صحف حركة القوميين العرب أو الناطقة باسمها، وهي:

الأولى: نشرة “الثأر” فعلى الرغم من كونها منشوراً سرياً، إلاّ أننا أدرجناه في هذه القائمة، على اعتبار أنها أولى النشرات التي تدعو الشعب الفلسطيني للمقاومة.

الثانية: صحيفة “الرأي” الأسبوعية التي صدرت في الأردن أولاً، ثم انتقلت إلى سوريا بعد تعطيلها في الأردن. 

الثالثة: صحيفة “فلسطين – ملحق المحرر”، التي أشرف عليها غسان كنفاني وصدرت في بيروت.

  1. الصحف الناطقة باسم منظمة التحرير الفلسطينية، بعد الإعلان عن تشكيل المنظمة عام 1964م،  والمعارضة لها وهي:

الأولى: صحيفة “أخبار فلسطين” الصادرة في غزة.

الثانية: صحيفة “فلسطين – الناطقة بلسان الهيئة العربية العليا لفلسطين” في لبنان.

الثالثة: صحيفة “جبل الزيتون” تصدرها الهيئة التنفيذية للاتحاد العام لطلبة فلسطين في القاهرة”.

ولأن هذه الصحافة هي امتداد للصحافة الفلسطينية التي عرفت جذورها العميقة، والمتنوعة، في فلسطين قبل النكبة عام 1948م، رأينا – يقول المؤلف جهاد صالح – أن نضع الجزء الأول من هذه الدراسة، للتعرّف على الجذور التاريخية الحقيقية لتطور الصحافة الفلسطينية قبل النكبة عام 1948 م ومؤثراتها في جميع المجالات، والجزء الثاني حول توزّع الأقلام الفلسطينية على الصحافة العربية، ومدى تأثيراتهم في جعل القضية الفلسطينية ماثلة فيها، في جميع أحوالها وتداعياتها بعد النكبة.

جهاد أحمد صالح