السياسة والفكر وما بينهما من جفوة وتراخٍ ٠

انعدام الثقافة الصحية وتهاوي الوعي المجتمعي.

المناقشة البيزنطية العقيمة الروتينية أصبحت مصطلحا يختصر حالنا اليوم وخاصة في المجال السياسي الذي ينتعش في الحملات الانتخابية ثم يخمد إلي ما يليه  بعدة مدة تعتبر بالطويلة, ليتحول إلي نقاشات هامشية مكتبية, لا تتعدى حيز الصدى, يغلب عليها طابع الجدل الذي لا ينتهي بنتيجة توافقية, ليبقى الحال على ما هو عليه, عقم يتبعه سبات وركود, لا القاعدة استفادت وانتعشت  ولا القمة تمخضت لتخرج جديدا يستفاد منه, وهذا ما أدى إلي عزوف الشباب الشبه كلي في المجال السياسي وعدم انخراطهم في الأحزاب السياسية, لأن الجمود الحاصل الآن على مستوى الأمانات الولائية لمختلف الأحزاب الحزبية وما أكثرها, والمتمثل في قلة النشاطات واللقاءات والندوات الفكرية والعلمية وإحياء للتظاهرات التاريخية وبرمجة زيارات ورحلات لتفقد أحوال المواطنين ومناطق الظل, زاد للهوة إتساع و للشرخ تباعد و للتصدع تمدد, بين المواطن والأحزاب السياسية, زيادة على الممارسات السابقة لأحزاب الموالاة التي  زادت الوضع تعفنا.  

إن السياسة أفكار وأخلاق قبل أن تكون ممارسات ومناصب وأغلبية تحتكر القرار أو تسعى للتأثير والإنفراد بالواجهة السياسية, أو السعي للاستفادة من مصلحة  مادية أو معنوية, فهي تعتبر من الاجتهادات العقلية التي تنبثق منها الآراء والمبادئ  والأفكار لتشكل برامج مستقبلية توجه لخدمة الأمة, وتتولد عنها مناهج تقويمية إصلاحية تحسيسية توجه لخدمة الصالح العام ومحاربة الإيديولوجيات الدخيلة التي يبثها المتربصون الذين يقفون بالمرصاد في طريق نمو الجزائر منذ الاستقلال, تسيرهم أجندات خبيثة تخدم الغرب ومصالحه, ولولا حفظ الله ودماء الشهداء الطاهرة التي سالت على هذه الأرض العزيزة لأصبحنا مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن, علما أن الخطر ما يزال محدقا بهذه الأمة التي لم تستطع أي قوة ذات أطماع اقتصادية أو توسعية تركيعها, لذلك  فالخطر ما يزال قائما والعدو متربص يشتهي تمزيق الجزائر, فلا نتغابى,  إن الأمثلة حولنا كثيرة والعاقل من أعطاها حقها من التمعن والتحليل واستبيان أبعادها وحاول أن يجد لها حلا ومخرجا. كما فعل أعلام الجزائر رحمهم الله مع المستعمر الغاشم وأذنابه, بل تعدوا القضية الوطنية إلي القومية العربية ومشاكل الأمة العربية الإسلامية وصاروا مضربا للأمثال في العالم كله, وقد لقب الشيخ عبد الحميد أبن باديس برائد النهضة العربية الإسلامية في الجزائر.

إن الفكر السياسي يعتبر من الأصول العريقة التي جذبت اهتمام الخبراء والمفكرين ورجال السياسة البارزين والناجحين حول العالم, وأصبح من العلوم والتوجهات الإنسانية التي تنبثق عنها برامج تحافظ على تطور الأمة واستقرارها, بحيث أصبح يعرف بالعلم الذي يبني الدولة ويضمن لها ديمومة السلطة  ويفرض قوة نفوذها, وقد أرتبط بالعلوم السياسية, ويمكن القول أنه المدخل العلمي الفلسفي لفهم مشاكل السياسة  سواء من الجانب القياسي أو الجانب التجريبي, كما يتوافق الفكر السياسي مع الجانب المعياري للعلوم السياسية ويوضح أبعادها, وينقسم إلي ثلاث مجالات دراسية, أولا تاريخ الفكر السياسي و ثانيا الفلسفة السياسية  و ثالثا الإيديولوجيات السياسية والتي تهدف للمقاربة بين الفكر السياسي والواقع وإعطائه شمولية هادفة, تسخر لخدمة البشرية وما ينفعها لترتقي و تواكب عصرها وتتحصل على رفاهية سياسية  علمية يؤطرها الفكر.

واقعنا السياسي أصبح يسير ارتجاليا وبطريقة لا تمت للفكر و أصوله بأي صلة, فالصمت والحياد اللذان تنتهجهما العديد من الأحزاب السياسية تجاه ما يحدث من تكالب على الجزائر لا يبشر بالخير, كما لا يرفع هذه الأحزاب إلي مصف سامي أو إلي هيئات تستطيع تمثيل نفسها داخليا فما بالك بالشأن الخارجي, وعليه فمن المفروض أن تقف هذه الأحزاب وقفة رجل واحد في وجه الدعايات المغرضة و الهدامة والسموم الفكرية التي تبث هنا وهناك و تتجند مع رئيس الجمهورية الذي قال بصريح العبارة  الكبيرة العميقة  في حواره الأخير مع قناة الجزيرة “‎حجم الفساد في الفترة السابقة كان كبيرا وإلى اليوم ما زلنا نكتشف امتداداته الظاهرة وغير الظاهرة” كما أن من أهدافه  التي بينها في عديد تدخلاته هو  إخراج الجزائر إلي بر الأمان وإرساء قواعد الديمقراطية والنهوض باقتصاد البلاد, لأن الجزائر وأمنها فوق الجميع, كما يعتبران واجبا مقدسا مثل الجهاد.

 لقد جاهد الأجداد والإباء من أجل تحرير البلاد من براثن المستعمر, وكذلك يجب على الجميع سواءا  أحزابا سياسية أو منظمات جماهيرية أو جمعيات خيرية, الوقوف  جنبا لجنب مع رئيس الجمهورية ومساعدته في هذه الفترة الفاصلة بين الحق والباطل لإخراج البلاد من أزمتها وبعد ذلك يكون لكل حدث حديث.

إن دور الجزائر المحوري و المهم  كوسيط لا غنى عنه من أجل تحقيق السلام والاستقرار في شمال أفريقيا والساحل؛ ففي هذا الوقت بالذات  الذي تعاني فيه المنطقة انعدام الأمن، والتدخل الخارجي والاستقطاب، ما فتئت الجزائر تشجع على الحوار لإخراج جيرانها من أزماتهم، ومن ثم ضمان أمنها على المدى القريب و البعيد, وهذه سياسة رشيدة متعددة المنافع ولكنها أيضا تثير أحقاد من لا يريدون الخير لها, ولهذا على عناصر المشهد السياسي الداخلي أن يكون فاعلين في التأثير والتأطير داخليا وخارجيا والإسهام في تسوية جادة للتوتر الداخلي أو التخفيف من حدته حتى يتسنى للإصلاحات أن تصل مداها أو أهدافها المنشودة  وبالتالي يسهل التصدي لأعداء الداخل والخارج وفضح مخططاتهم, لأن التضارب  وتضادد الآراء  الحاصل الآن على مستوى القاعدة الشعبية يعتبر غوغائية  تزيد من طول مدى التأزم وهذا ما يعرقل تطور البلاد ونموها في ظل التحديات والأزمات العالمية.

الكاتب : بلخيري محمد الناصر    

%d مدونون معجبون بهذه: