السواد في رواية “رائحة النوم” مازن سعادة ٠

السواد في رواية "رائحة النوم" مازن سعادة

لا يمكننا بترالإنتاج الأدبي والثقافي عن واقع الحياة، فالأدب  كان  دوما مرآة تعكس بصورة ما حالة الكاتب ومجتمعه، ومن هنا جاءت رواية “مازن سعادة” لترسم لنا حقبة أساسية من ماضينا القريب، ورغم أن الكثيرين من الروائيين تناولوا هذه الحقبة من الزمن، إلا أن “مازن سعادة” استطاع أن يستخدم لغة روائية تميزه عن أقرانه من الروائيين، ونعتقد أن البعد الزمني، بين الحدث وكتابة الرواية ـ منح الكتاب فسحة والمقدرة على الخروج من الإنفعالية والمباشرة والكتابة من خارجها وبحيادية نسبية، والمسألة الأخرى أن رواية “رائحة النوم ” هي نسخة مطورة عن الرواية وضع هيكلها العام منذ أكثر من عقد ونصف، وبذلك يكون السارد قد تخطى حالة الانفعالية والمباشرة في الطرح الأحداث، ومن خلال استخدامه لغة روائية تناسب الأدب أكثر مما هو ساسي/تاريخي.

تناول الرواية أحداث أيول الأسود، ولا نغفل ونحن بهذا الصدد التنويه بأن الأدب الفلسطيني استطاع أن يؤسس  (أدب الحرب)  على الصعيد العربي وقد برز هناك مجموعة من الشعراء والروائيين وكتاب القصة القصيرة، ونجح هؤلاء في تصوير جحيم الحرب، وما فيها من  بطولة وبسالة، وتقهقر  وانهزام، وأيضا تحدثوا عن الحالة الإنسانية ضمن كتاباتهم، وبعد ولادة ” رائحة النوم ” انضم مازن سعادة إلى هؤلاء الكتاب، فالرواية تذكرنا بأن هذا الشعب مورس عليه كل أشكال وأساليب القهر والبطش والموت، ومع ذلك ما زال موجودا وفاعلا .

العنوان: “رائحة النوم”

بداية نود طرح عنوان الرواية ” رائحة النوم ” و علاقته بمضمونها، هذا الاسم – باعتقادنا – كان بعيدا عن مضمون الرواية، ولم يخدم أحدأها لا من قريب ولا من بعيد، وإذا ما توقفنا عند فعل الشم في الروية، لوجدناه يمتاز بروائحه الكريهة، فكما أخبرتنا الرواية، نجد الأرض التي تواجد عليها البطل “كرعوش” ذات رائحة عنفه . ” تحسست الأرض تحتي باغتتني رائحة عفنة ونتنه ” ص 11 “وانتظرت خمس دقائق أخرى على الأرض الباردة دون أن اعرف بالضبط جهة عفن تنسمته في الموقع ” ص110 كما أن المكان الذي تواجده فيه أبطال الرواية كان يسرب رائحة عفن “كانت المخيمات عابقة بروائح كريهة ” ص54 ، هذا عدا ذكر هذه الروائح بصورة متكررة ، وكأن  السارد يؤكد بان هذه الرائحة هي مواكبة لسير حياة الفلسطيني، وهذه بعض الصور التي تطرق لها: “ازكمته رائحة كريهة ” ص 17، ” كان صحن على طاولة خشبية وسط الكوخ عليها أكوام من العفن تخمر حتى فاحت رائحة النتنة الفاقعة” ص24 ” ، “رائحة قرنبيط نتن وبيض فاسد” ص 47 “، لحم يحترق في نار زرقاء ” ص 49 ” ، أزكمته رائحة نتن متخمر” ص57 ” ، رائحة أكياس قمامة ” ص 3 ” ، رائحة دم متخثر ورائحة صحراء الجفر” ص131. وإذا تنسمنا فعل التنسم العطر في المقابل، فنكاد لا نجده إلا في موضع أو موضعين، من هنا وضمن هذه المعطيات، يمكننا القول: أن “رائحة العفن أو الموت” عنوان أكثر تناسبا مع مضمون الرواية من رائحة النوم، فلا يمكن النوم  أن يكون فيه روائح كريهو وعفنية.

المكان

هذا على صعيد  الرائحة أما المكان الذي تواجد فيه بطل الرواية “كرعوش” فنجده: “مغارة , كهف , كوخ , قبر , زريبة , سرداب ” وهذا المكان حاضرا في كافة أجزاء الرواية، وكأن تلك الروائح الكريهة تنبعث منه، فتزكم بطلها أبداية،  ثم القراء ثانيا.

 والمكان الرديء جاء يتناسب مع روائحه الكريهة، ومع مكان آخر ـ يمهد ـ ليكون مقدمة الموت، وتتناسب قذارته مع القبول بالخالص منه بواسطة الموت، وهذا التزاوج بين المكان والرائحة، يؤكد ما تطرقنا له، فكان المكان يوحي للقارئ بالموت والرائحة العفنة معا.

  وإذا تتبعنا أجزاء الرواية، نجد أن الجزء الأول والرابع، يتحدثان عن حالة غيبوبة أو حالة الإقتراب من عالم الموت، فكان “كرعوش” في هذين الجزأين عالق بين الحياة والموت، وكان مسار السرد يوحي لنا بأنه يقترب من الموت ويبتعد عن الحياة، وهذا دليل أخر يؤكد رأينا حول عدم انسجام العنوان مع مضمون الرواية وأحداثه.

واعتقد هذين الجزأين هما فقط اللذان تميزا عن أجزاء الرواية، أولا لأنهما  يتحدثان عن حالة ليست محسومة أو معلومة عند الجميع حتى يتم تبرر أو تفسر على أنها  (لا معقول)، ولأنها أكثر شفافية في التعبير  وأعمق لغة، فلو وضع الجزء الرابع في نهاية الرواية، لكانت قد أغلفت بغالفين لغويين، وحالة ـ اللا حياة ـ والأقتراب من الموت، وبذلك تكون نهايتها وبدايتها منسجمين تماما، ويكونان قد ضما أحداث الرواية والتي تعبق بصورة وأشكال شارحة للموت.

 إذن نذهب إلى ترسيخ ما تحدثنا عنه حول العنوان: “رائحة الموت / العفن”.

الصور الأدبية

أن الصورة الأدبية التي رسمها السارد تجعلنا نصاب بالضيق والاضطراب، حيث هناك جنود يتمركزون في جزاء الرواية، ويصوبون بنادقهم، والمخبرون ينتشرون ويراقبون كل شيء :”ملئت عينيه سيارتان عسكريتان وبنادق مشرعة” ص 74 ” رأى جنديا يافعا يصوب إليه فوهة بندقية طويلة” ص88 ” وهؤلاء الجنود كانوا يقومون بالضرب وإطلاق الرصاص ”  ،”سحبوها وجروها من يديها ثم ضربوا زيدون بأعقاب بنادقهم وحشروه بالسيارة ” ص74 ” شاهد طلقات الرصاص الخمس مائة الخارقة الحارقة وقذائف المورتر تمر فوق رأسه موقنا أن خطة الجيش تستهدف مخيم الوحدات بعد الانتهاء من جبل الحسين” ص126، بهذا الوصف للجنود وأفعالهم يتماثل السارد مع الروائيين الفلسطينيين الذين يبغضون الجنود مهما كانوا، وأينما تواجدوا، حيث كان الجنود في الأدب الفلسطيني هم أداة من أدوات القمع والبطش، ولم يصفوا إلا على أنهم أدة قهر وقمع وتشريد.

تطرق السارد إلى الأطفال ووصفهم من خلال  الملاعب أو ألعاب، وهذا من ابسط حقوقهم،  “أطفال يلعبون كرة القدم في الشارع الرئيسي” ص25 ، كما أعطانا صورة عن شيخوختهم ” داهمته أصوات ضعيفة رقيقة أطفال كانوا ينادون مع آذان الفجر  (كرابيج حلب) ” ص 28، فبعد هذا الشقاء أكمل السارد الصورة بالموت: “طفل أخذته قذيفة وألقته عاريا من كل ثيابه” ص 126، فلم يقتصر الأمر على رسم صورة البطل كرعوش وهو في طريق الموت، بل أكمل المشاهد الأخرى التي رسمها، فكانت الرواية لوحة سوداء داكنة بكل من ما فيها، من هنا جاء حدث الموت للطفل .

المرأة

تطرق السارد في روايته إلى المرأة فكانت فاعلة ولها دور في المعارك التي خاضتها المقاومة، وبهذا استطاع السارد أن يتخطى النظرة السلبية المرأة ودورها: “بدت في بدلتها الكاكية صغيرة وغير مبالية بما يجري، بدت هادئة تشارك في الحرب … أشارت إلى بناية عالية يتمترس فيها قناص يصوب فوهة بندقيته من طرف النافذة ويصطاد كل من يلوح له الشارع … احذر قالت له / وأوضحت / هؤلاء لا يرحمون / وأكدت كخبيرة حرب / أي شيء يتحرك لهم هو هدف” ص ً 19، فهذه المرأة الرقيقة والناعمة قامت بدور صعب وشاق، وخدم المقاومة كما خدمها الرجل تماما، من هنا ونستطيع قول بأن هذه الرواية من الأعمال الروائية العربية الفريدة التي تعطي المرأة ـ نظرة ايجابية ـ وتتخطى المفاهيم السلبية وغير الناضجة عنها، وقد رسم لنا السارد صورة المرأة وهي ترضع طفلها وكأنه يومئ لنا باستمرارها في تكوين الحياة، ولا نغفل عن الدور الآخر للمرأة إلا وهو الجنس، فهذه الرواية تعج بالحديث عن الجنس أو المرأة الفاتنة، فهناك جزء كامل يتحدث عن المضاجعة والإغراءات إن كان على لسان المرأة أو الرجل، وهنا نذكر أن هذا العمل من الأعمال القليلة التي تتحدث عن فعال الجنس بهذا الإسهاب والوضوح، فقد جعل السارد بطلات الرواية يمارسن الجنس أو يبدين مفاتنهم باستثناء أم كرعوش.

فبدا وكأن الجنس ردة فعل ـ ثورة/تمرد ـ على حالة القمع والبطش التي تعرض لها أبطال الرواية، من هنا  لم يحمل شخصيات الرواية أي شعور بالإثم أو الخطيئة، وكأن ـ الجنس ـ مسلكية اجتماعية يتقبلها المجتمع الفلسطيني، حسب مات جاء في الرواية.

السرد ولغة الشخصيات

السارد في الرواية انطق كافة شخصيات، وكان لكل منهم جزء أو أكثر تحدث فيه عن نفسه، إلا أن هناك بعض الإخفاقات وقعت في لغة بعض الشخصيات، على سبيل المثل ما جاء في  الجزء السابع من الرواية، حيث تتحدث “مريم” عن “كرعوش” ومضاجعته ثم تغزلها بنفسها وصف حالة “كرعوش” النفسية والجسدية، جعل القارئ يشعر أن المتحدث ذكر، وتأكد بان المتحدث رجل يتكلم نيابة عن الأنثى، وترسخ هذا التأكيد أكثر بعد أن أخذت “مريم” تصور لنا حركاتالإغراء  التي قامت بها أمام “كرعوش، فكانت بمثابة ـ عارضة جسد، بغي ـ وليست امرأة شرقية تحمل من الحياء والخجل  ما يمنعها عن إظهار اقل عضو من جسدها، إن هذا الجزء من الرواية ـ السارد ـ يبدو فيه شكليا هي امرأة، وفعليا هو رجل يتقمص وضع أنثى، فكان واضحا للقارئ الهوة الساحقة بين مسلكيه المرأة الشرقية ـ رغم ثوريتها ـ وما كتبت مريم عن نفسها،.

وإذا عدنا إلى زمن فعل المضاجعة والإغراء التي قامت بها “مريم”، نجد بأنه زمن كان فيه المجتمع الفلسطيني موصدا تماما أمام هذه الصور الإباحية والفاضحة، فكما هو متعارف أن فترة الستينات من القرن الماضي  لم تكن هناك مظاهر جنسية ـ حتى  عالميا ـ كالتي حدثت في الثمانينات والتسعينات، واعتقد أن صورة مريم بهذا الوصف ما هي إلا إحدى صور لعارضات الجسد وليست امرأة (فلسطينية) في زمن محافظ والرواية تحمل بعض الهفوات ـ المرأة والجنس ـ عندما قلب السارد المفاهيم الاجتماعية للشخصيات وذلك عندما تحدث عن شعور “كرعش ـ الرجل الذي يعيش في  مجتمع ذكورى ـ وشعوره بالإثم بعد المضاجعة، بينما مريم ـ الأنثى ـ فلم تكن تحمل أي شعور أو إحساس بالأثم أو الخطيئة، وجعلها تتحدث خارج الواقع الذي تعيش فيه.

 وكذلك هناك إخفاق وقع فيه السارد، في الجزء الثامن والعشرون عندما بدأ الحديث “زيدون” الذي انتقل ليصور لنا حالة “كرعوش” وهو يندس قرب المرأة:  “بدأت صورته قريبة من حالته في تلك الليلة الماطرة قبل سنوات وهو يتسلل على رؤوس أصابعه ليندس قرب امرأة” ص 106. فهنا كان خلط في السرد ما بين زيدون وكرعوش والراوي.

 وفي الجزء السابع عشر يتجاهل السارد ان المتحدث هي “فرح” ـ أنثى ـ ويبدأ الحديث على لسان “كرعوش”، وفي الجزء الخامس عشر كان السارد “زغلول وزيدون” إلا إنهما استخدما لغة الراوي، وبذلك يكون سرد الروائي قد اخفق في تحديد لغة خاصة لشخصياته الروائية، ولو انه أستخدم لغة الراوي ـ لغة وحيدة ـ لكانت الرواية أكثر نجاحا مما هي عليه.

شكل تقديم الرواية

أما الشكل العام للرواية فهو منسجم تماما، باستثناء الخطأ الذي وضع فيه السارد، وجعله يكتب مقولة العرافة بخط متميز في أكثر من فصل، فلو كان كتبها بنفس الخط الذي كتب فيه الرواية، لكان ذلك أكثر تناسبا مع ـ عقلية وذهنية ـ القارئ، حيث أنه يستطيع تمييز أهمية قولها  من خلال تكراره، ومن النص الروائي الذي أوضح أن “كرعوش” ما زال حيا حتى الآن، وما هو إلا السارد نفسه.

هناك عبارة وردت على لسان الراوي ” يتلاسنون ويتحدثون مع ربهم الذي اتهموه بالنسيان ” ص 63 اعتقد أن هذا يمس مشاعر القارئ  ويستفز معتقداته الدينية، وهذا الأمر تخلى عنه الكثير من الأدباء والكتاب، فليس المطلوب إثارة المتلقي، بقدر تقديم مادة أدبية ممتع، توصل الفكرة له، ودون استفزاز ودن أن يصاب بالتوتر.

أما الحديث عن الحيوانات والحشرات، فقد ذكرها السارد وجعلها تنتشر في أجزاء الرواية، عنكبوت، الكلب، عصفور، بوم، جرذان، فئران، ذبابة، فهذه الحيوانات والحشرات لم يكن ينظر إليها في الرواية نظرة تفاؤلية وإنما تشاؤمية، فالعنكبوت كان يوحي بالأفتراس في معظم أجزاء الرواية ـ القتل ـ، والفئران التي قضمت الكتب ـ حجب المعرفة ـ، أما العصفور والقطة فقد رسمهما السارد بالون الأسود: “شاهد فوضى تعم المكان وهيكل عصفور كان هوى من عطشه بفعل ضغط الصوت تراءت له فيه رائحة قطة هرستها عجلات سيارة مسرعة في الشارع الرئيسي ” ص13 فكما كانت شخصيات الرواية وصورها سوداء قاتمة، كانت حيواناتها كذلك .

رائد محمد الحواري

%d مدونون معجبون بهذه: