الذكرى التاسعة والخمسون لحرق المكتبة الجامعية الجزائرية من طرف المنظمة العسكرية السرية (O.A.S).

الذكرى التاسعة والخمسون لحرق المكتبة الجامعية الجزائرية من طرف المنظمة العسكرية السرية (O.A.S).

جرائم فرنسا الاستعمارية لا تنسى ولا تسقط بالتقادم, فقد تنوعت وسائلها وامتدت  همجيتها لتطال كل شئ, فلم يسلم منها لا البشر ولا الحجر, أرادتها أرضا محروقة, لم تترك شيئا إلا وتركت عليه بصمتها الإجرامية,  فمنذ احتلالها للجزائر تفننت  في طمس مقومات الهوية الوطنية وأعلنتها حربا شعواء على  الدين الإسلامي وعلى المساجد والمدارس القرآنية , زيادة على ذلك قامت بتشييد أول مدرسة للتبشير ونشر المسيحية عام 1836, كما قامت بنشر العنصرية وسن قوانين لها  وتسمية الجزائريين بالأهالي وجعلهم خدما للمعمرين بعد سلبها لأراضيهم.  ومن جرائمها  التي لا تنسى مجازر 8 ماي 1945 و جريمة نهر السين  سنة 1957 التي بلغ عدد الشهداء فيها 1500 شهيد القوا في النهر و حوالي 800 مفقود وآلاف الموقوفين, لا لشئ سوى إنهم تظاهروا ضد احتلال بلدهم, كذلك التجارب النووية التي بلغ عددها حوالي 17 تجربة أجريت في الصحراء الجزائرية والتي ما تزال أثارها قائمة لحد الساعة, بحيث تسببت في مقتل 42 ألف جزائري وإحداث عاهات مستديمة بسبب الإشعاعات النووية. كما مارست فرنسا إبادة ممنهجة  على الشعب الجزائري, مستعملة كل الوسائل وأبشع أنواع التعذيب والتقتيل وقد بلغ عدد المفقودين خلال الثورة 2200 جزائري حسب السلطات الجزائرية.

اليوم تمر تسعة وخمسون سنة على حرق المكتبة الجامعية الجزائرية, هذه الجريمة الثقافية الشنعاء التي وقعت في وضح النهار بتاريخ 7 جوان 1962 على الساعة منتصف النهار, حيث أقدمت المنظمة الإجرامية العسكرية السرية ( O.A.S) بتفجير المكتبة الجامعية بالجزائر, التي تعد من أقدم وأهم المكتبات في العالم العربي و إفريقيا  لما كانت تحتويه من رصيد ثري و غني وكتب قيمة في مختلف العلوم و من مخطوطات نادرة بالعربية و بالأحرف اللاتينية والتي بلغ  عددها 600.000 كتاب و مخطوط,  وهذا  قبل  اقل  من شهر على استقلال الجزائر الذي تحصلت عليه بعد ثورة تحريرية عظيمة  دامت سبعة سنوات كانت كافية لتلقن الاستعمار درسا في البطولة  والاستماتة في الدفاع عن الدين و الوطن.

للعلم أن  الهدف الرئيسي من إحراق مكتبة جامعة الجزائر هو حرمان الجزائر من هذا الصرح العلمي و الثقافي و من أداة لتكوين إطارات يتولون تسيير الجزائر مستقبلا, لكن مساعي فرنسا خابت وبفضل الله وعزيمة الشعب الجزائري والرجال المخلصين تخطت الجزائر هذه المأساة ونجحت في إعداد أجيال كانوا أهلا للمسؤولية الملقاة على عاتقهم.

فرنسا بفعلتها الشنيعة هذه  التي طالت العلم والثقافة فضحت نفسها  و أكدت  للعالم كله أنها استعمار لم يسلم منه لا الإنسان ولا الحيوان ولا الثقافة وستبقى جرائمها وصمة عار تلاحقها عبر العصور والأزمنة والتاريخ لن يرحمها,  فوحشيتها كانت محل انتقادات المجتمع الدولي وحتى من أبنائها, فحربها التي شنتها على المساجد والكتاتيب كانت تهدف إلى طمس الهوية الوطنية ولكنها فشلت فشلا ذريعا لأنها وجدت رجالا وقفوا لها بالمرصاد واستماتوا لتحيا الجزائر ومن أمثال هؤلاء المخلصين للدين والوطن رائد النهضة العربية الإسلامية في الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين و شيوخها الأجلاء أمثال الشيخ العربي التبسي والشيخ بشير الإبراهيمي والطيب العقبي  ومحمد الأمين العمودي ومبارك الميلي وإبراهيم بيوض و غيرهم.       

وقد شهد شاهد من أهلهم, فقد أكدت رئيسة مخبر بالمدرسة التطبيقية بباريس، فاني كولونا، أن عدم تمكن الثقافة الفرنسية من النفوذ إلى العمق الجزائري، وتوقف العملية الاستعمارية في الجزائر، مردهما إلى الكتاتيب القرآنية، إذ أنها رسخت مفاهيم أساسية ورؤية كونية في الصغار بحيث  لم تتمكن البرامج الاستعمارية من القضاء عليه.

للعلم فقد كان بالجزائر قبل الاحتلال الفرنسي سنة 1830 أكثر  من مائة مدرسة بمدينة الجزائر و86 بقسنطينة و50 بمدينة تلمسان، كما كان يوجد  بكل من العاصمة وقسنطينة من 6 إلى 7 مدارس ثانوية وحوالي  عشر زوايا وهي بمثابة  الجامعة اليوم, ومن الحروب التي شنت على المكتبات عبر التاريخ وبشاعتها  حرق مكتبات بغداد من طرف المغول الذين أحرقوا و أتلفوا وألقوا بالمخطوطات في نهر دجلة الذي تحول لونه إلى اللون الأسود, وكذلك إحراق مكتبة الإسكندرية وغيرها, فهناك شواهد سجلها التاريخ لتبقى وصفة عار على جبين المستعمر الغاصب.

و بترسيم يوم 7 جوان يوما وطنيا  للكتاب والمكتبات المصادف لحرق المكتبة الوطنية الجزائرية تكون الجزائر قد أعطت قيمة للكتاب والمكتبات و للثقافة  وخلدت هذا التاريخ وذكرت العالم أجمع بجريمة الاستعمار الفرنسي  الشنعاء  التي لا تغتفر في حق العلم والثقافة.

بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: