الدبلوماسية الجزائرية تقتحم أزمة سد النهضة..

الدبلوماسية الجزائرية تقتحم أزمة سد النهضة..

في ظل العودة الاخيرة للدبلوماسية الجزائرية لنشاطها في الدائرة الافريقية، قام رمطان لعمامرة وزير الخارجية الجزائري، بأداء زيارات واجراء اتصالات حثيثة مع أثيوبيا من جهة، وكل من مصر والسودان من جهة أخرى، بهدف الوصول إلى حل للخلاف المتصاعد حول مسألة سد النهضة الأثيوبي، الذي تعترض كل من مصر والسودان على ملئه، نظرا لما يسببه من انخفاض كبير في حصصهما من مياه النيل، وهو الأمر الذي ترفضه أثيوبيا التي تعتبر ملء السد شأناً داخليا، ولا يمس بالحقوق المائية لمصر والسودان، رافضة في نفس الوقت، الالتزام بإتفاقية تحدد حقوق كل دولة يمرّ النهر على أراضيها.

الضوء الأخضر الذي أعطته أطراف الخلاف حول مسألة سد النهضة للدبلوماسية الجزائرية، يشير إلى حجم ثقتهم بالخبرة العالية للجزائر، والتي تعكسها عقود من حل النزاعات والأزمات داخل وخارج القارة الإفريقية، حيث دعت أثيوبيا الجزائر، في بيان أصدرته وزارة الخارجية الأثيوبية، للقيام بوساطة بينها وبين مصر والسودان، حول مسألة سد النهضة، ليباشر وزير الخارجية بسلسلة زيارات ليطرح خلالها المبادرة الجزائرية على الأطراف المعنية بالخلاف.

ففي أدبيات الدبلوماسية، أبرز شروط نجاح الوساطات لإنهاء الخلافات، هو ثقة أطراف الخلاف أو النزاع بالوسيط، وهو الشرط الذي لم يتوفر في كافة الوساطات السابقة، إما لتحيزها الواضح لأحد طرفي الخلاف، أو لمصالحها الواضحة في استمرار الخلاف لغايات جيوسياسية في المنطقة.

وكانت أثيوبيا أولى المحطات، التي استهل بها لعمامرة جولته بين دول الخلاف قادما من تونس، حيث التقى في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، كلا من نظيره الأثيوبي دمقي مكونن، والرئيسة الأثيوبية سهل ورق زودي، التي سلمها رسالة من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، حول تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، لكن غرض الزيارة لم يكن مجرد تعزيز العلاقات الجزائرية الأثيوبية التي لم تعرف توتّرا، بل طرح المبادرة الجزائرية لحل الخلاف.

ثم عرّج بعد ذلك على العاصمة السودانية الخرطوم، ليلتقي كلا من وزيرة الخارجية مريم الصادق المهدي، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح برهان، لنفس الغرض من زيارته إلى أثيوبيا؛ ليختتم جولته في القاهرة، حيث التقى نظيره المصري سامح شكري، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؛ ورغم أن مصر ربطت حل الخلاف حول سد النهضة، بتراجع أثيوبيا عن تعنتها، إلّا أنها رحبت بالمبادرة.

المبادرة الجزائرية – حتى كتابة هذه الأسطر – لم يتم الاعلان عن فحواها، ولا حتى تسريب بعض محاورها لوسائل الإعلام، ربما ليتسنى الوقت لطرفي الخلاف لدراستها دون تشويش وضغط من قوى إقليمية أو دولية، ليس من مصلحتها إنهاء الخلاف بين أثيوبيا من جهة، ومصر والسودان من جهة أخرى؛ وإن كان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، قد صرّح في لقائه الدوري مع وسائل الإعلام بأن المبادرة قد لقيت تجاوبا كبيرا من طرف اثيوبيا ومصر والسودان، متوقعا أن تنجح في إنهاء الخلاف بينها، بما يحفظ الحقوق المائية لكل دولة.

أثيوبيا كانت قد رفضت عدة وساطات أوروبية وخليجية لتقريب وجهات النظر بينها وبين كل من السودان ومصر، كما انتقدت المقترح الذي طرحته تونس باعتبارها عضوا مؤقتا في مجلس الأمن، والقاضي بإلزام أثيوبيا بالجلوس إلى طاولة التفاوض لعقد اتفاقية ملزمة، حيث اعتبرت أن هذا المقترح يعني إضفاء صبغة أمنية على مسألة ليست أمنية أصلا.

الدبلوماسية الجزائرية ستستغل في إدارتها لحل هذا الخلاف حيادها الإيجابي، إضافة إلى رصيد العلاقات التاريخية المتجذرة بين أثيوبيا والجزائر، والتي تعود إلى فجر الاستقلال، حين تدخل الإمبراطور هيلاسيلاسي لايقاف حرب الرمال بين الجزائر والمغرب، لتعرف العلاقات الجزائرية الأثيوبية تطورا كبيرا، ميزه التقارب الكبير في العديد من وجهات النظر والمواقف من القضايا الدولية؛ كما كان للجزائر الدور الرئيسي في إنهاء النزاع المسلح بين أثيوبيا وجارتها الصغرى أرتيريا، حيث ضغطت الجزائر بثقلها الدبلوماسي لإنهاء النزاع بعد سنتين فقط من إندلاعه، وذلك في اتفاقية الجزائر سنة 2000.

زكرياء قفايفية

%d مدونون معجبون بهذه: