الخبير الاقتصادي مختار علالي يؤكد من منبر الوسيط المغاربي: ” منحة البطالة جسر لاسترجاع الثقة بين الشباب والسلطة “

الخبير الاقتصادي مختار علالي يؤكد من منبر الوسيط المغاربي: " منحة البطالة جسر لاسترجاع الثقة بين الشباب والسلطة "
  • “نحو البدائل الإستراتيجية خارج المحروقات لخلق الثروة وتوفير مناصب العمل”
  • “على الحكومة إحداث التغيير الإيجابي نحو تقليص نسبة البطالة وإنعاش الدورة الاقتصادية وإحداث التغيير في الادخار والاستثمار”
  • “على الحكومة الإقتداء بالتجربة الهولندية والبريطانية والألمانية لتقليص نسبة البطالة”

 

يرى الخبير الإقتصادي مختار علالي أنّ منحة البطالة التي أدرجت في اجتماع مجلس الوزراء أريد بها استرجاع الثقة بين الشباب والسلطة، إلى جانب وفاء رئيس الجمهورية بالوعود التي أطلقها في حملته الإنتخابية، فهذه المنحة كانت مخصصة فقط للذين أحيلوا على البطالة بعد غلق المؤسسات العمومية وحلها وتصفيتها، لكن المنحة الحالية هي موسعة لكل بطال لا يملك دخلا ولا سجلا تجاريا، كما أكد الخبير في معرض حديثه للوسيط المغاربي على ضرورة إستفادة الحكومة الجزائرية من مختلق التجارب الناجحة للقضاء على البطالة، باعتبارها بلغت نسبا قياسية في بلادنا.

منحة البطالة تكلف الدولة نفقات ضخمة لكنها ستساهم في إنعاش الدورة الإقتصادية

نوّه الخبير الاقتصادي بالإجراءات المتخذة بخصوص منحة البطالة، فعلى الرغم من أنّها ستكلف الدولة نفقات ضخمة، فهي من الناحية الاقتصادية عامل مهم في إنعاش الدورة الإقتصادية، حيث أن هذه المنحة هي عبارة عن شبه أجرة قد تحوّل مباشرة إلى الاستهلاك، وهذا ما ينتج نشاط جديد للمؤسسات المنتجة، كما يعطي إمكانية اقتراض البطالين من رجال المال والأعمال بضمان هذه المنحة لأجل إقامة مؤسسات، وهذا ما يزيد من فعالية الدورة الاقتصادية، من جهة أخرى تعطي أملا للشباب في الحصول على مناصب عمل، وهذا باعتبار أن الحكومة تصبح مضطرة للتحول نحو البدائل الإستراتيجية خارج المحروقات عن طريق استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية بالصيغ القانونية، وهذا لخلق الثروة وتوفير مناصب العمل، مما يدفع حتما للتفكير في تقليص نفقات الدولة إنطلاقا من هذه المنح المؤقتة إلى حين توفير مناصب عمل للبطالين، وهذا ما يرفع من مستوى نشاط الحكومة لخلق ديناميكية سريعة في الاستثمارات.

أكثر من مليوني عاطل عن العمل في الجزائر بسبب تداعيات كورونا 

إنطلاقا من ارتفاع نسبة البطالة بسبب تدهور الاقتصاد بعد إنهيار أسعار النفط وتجميد المشاريع، زادت تداعيات كورونا في رفع نسب البطالة التي فاقت في الجزائر مليونين عاطل عن العمل أو أكثر ونسبته فاقت 11٫5 بالمائة، في الوقت الذي قطعت فيه دول أخرى أشواطا كبيرة لتقليص نسب البطالة فيها مثل بريطانيا وهولندا وألمانيا بأوروبا، وإثيوبيا ورواندا في إفريقيا.

بريطانيا حققت المعجزة الاقتصادية في سوق العمل لأنّها أقل بيروقراطية وأكثر ليبرالية.

وبناءا عليه يتساءل الخبير عن مدى إمكانية الحكومة الجزائرية الجديدة الإستفادة من تجربة هاته الدول في مجال تقليص نسب البطالة؟

وانطلاقا من هذه الإشكالية يحاول الأستاذ مختار علالي إبراز خصائص التجارب الناجحة لوضع لوحة القيادة في إمكانية الاستفادة من هذه التجارب والنماذج، فمثلا بريطانيا التي عانت من مشكلة البطالة المتفاقمة إلا أن فكرهم المبني على نظام الجدارة بمنح مراكز القرار والتسيير والاستشارة العالية لأهل الاختصاص، حيث أن البريطانيين استطاعوا تحقيق معجزة اقتصادية في سوق العمل خلال خمس عشرة سنة تدرجا، فقد استطاعوا خلالها تخفيض نسبة البطالة إلى أقل من 5 بالمائة خلال عام بعدما كانت أكثر من 10 بالمائة عام 1993. 

وعلى خلاف ذلك تزيد النسبة المذكورة في الجزائر إلى 11,5 بالمائة، مثلما كانت ألمانيا قبل تخفيض النسبة 9.5 بالمائة في وقت مضى وكل إجراءاتها كانت تتماشى وخطوات بريطانيا الناجحة حيث كانت بريطانيا أقل بيروقراطية وأكثر ليبرالية.

وأهم ذلك تم عبر تحفيز المؤسسات المساعدة على تقليص البطالة على غرار شركة “ايزي جيت” عنوان النجاح البريطاني في مجال الخدمات حيث واجه البريطانيون مشكلة البطالة في التسعينيات وللقضاء على المعضلة اتجهوا للاستفادة من التجربة الأمريكية الناجحة، لذلك يوصي الخبير بإتباع خطوات الناجحين للابتعاد عن هذه الأزمات، حيث اتخذت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر إجراءات راديكالية قلّصت بموجبها المساعدات الاجتماعية وتعويضات العاطلين عن العمل. كما قامت بالحد من سلطة البيروقراطية من خلال تسهيل قوانين أنظمة الاستثمار، وجعلها أكثر ليبرالية اتجاه المستثمرين ورجال الأعمال.

الحرب على البيروقراطية أهم طريق للقضاء على البطالة

وكذلك تستطيع الجزائر حذو هذه الإجراءات، لكن قبلها لابد من تفعيل الرقمنة الحقيقية حتى يتوجه الدعم لمستحقيه فقط، كما لابد.من إتباع نظرة العالم “هولغر شيفر” خبير اقتصاد سوق العمل في معهد الاقتصاد الألماني بمدينة كولونيا أن تحجيم سلطة البيروقراطية من أهم الأسباب التي ساعدت بريطانيا على النجاح في تخفيض نسبة العاطلين عن العمل إلى النصف. وذلك فإنّ الحرب على البيروقراطية أهم طريق وجب علينا أن نسلكه لذلك وضعناه في برنامج الحصن المتين إتباعا لنظرة خبراء العالم الذين اتفقوا على أنها المرض القتال للإدارة وسبب أزمات الدول.

الإصلاحات في ألمانيا ركزت على قطاع الخدمات والبناء لخلق فرص العمل الجديدة

كما أن الإصلاحات التي قامت بها ألمانيا في إطار ما يُسمى “هارتس 4” كانت شبيهة في كثير من جوانبها بالتجربة البريطانية التي كانت أهم أسباب نجاحها تركيزهم على قطاع الخدمات الذي ينمو بوتيرة سريعة، واستطاعوا من خلالها خلق مئات الآلاف من فرص العمل الجديدة. أما الألمان ركزوا على قطاع البناء والتضخم بشكل يزيد عن حاجة السوق، مما تسبب في خسائر كبيرة ساهمت في تراجع أداء القطاعات الأخرى.

ولذلك على الحكومة الجزائرية الجديدة الاستفادة من التجربتين عبر تشجيع قطاع الخدمات لاسيما السياحة المتنوعة الدينية والترفيهية والعلاجية وربطهم بالأسواق، كما يجب استغلال مجال القطع الأرضية التي تم توزيعها على المستفيدين، ووضع مراقبة الدولة لهم لتشييد السكنات ووضع الدعم في مجال مستحقات المقاولين مع وضع اتفاقية صارمة بين المستفيدين والمقاولين برقابة الدولة، إما استكمال مبلغ تشييد السكنات أو ربطهم بالبنوك التي تعتمد على الصيرفة الإسلامية في مجال القروض مع توسيع ذلك، وبعث طرق جديدة في توزيع الأراضي على أساتذة الجامعات والموظفين الذين لهم أجور تفوق 80 ألف دينار حتى يتم توسيع مجال القضاء على أزمة السكن. وهذا لتنشيط مجال البناء إتباعا للتجربة الألمانية التي زادها تفعيل دور وسطاء العمل مثل ما كان في منطقة أمستردام أكبر مرافئ أوروبا وأكثرها حركة وديناميكية.

الأمر الذي أكده الأستاذ “انغو كولف” خبير سوق العمل في اتحاد نقابات العمال الألمانية حيث اعتبر ما يسميه في نظريته “إستراتيجية تفعيل الأداء في مكاتب العمل” إنه هو السبب الرئيسي وراء النجاح البريطاني، حيث كان في بريطانيا مثل هذه المكاتب أعداداً أكبر من الموظفين العاملين على التوسط لإيجاد أماكن عمل مقارنة بألمانيا. وهكذا يمكن مكافحة مشكلة البطالة هناك بشكل أفضل. وهنا رأى العديد من الخبراء ومن بينهم “كولف” أنه يمكن الاستفادة من التجربة البريطانية، ولذلك كانت رؤية كولف بالنسبة لتجربة ألمانيا نظرة أخرى، حيث قال “فيما عدا ذلك ليست تجربة بريطانيا مثالاً يُحتذى لألمانيا.” وهذا نسبة لاختلاف مناهجهم.

على الحكومة الجزائرية أن تضيف التجربة الهولندية إلى تجربتي بريطانيا وألمانيا لتقليص نسبة البطالة

أما في الجزائر لا يمكن مقارنة عدد العاطلين عن العمل فيها بألمانيا أو بريطانيا، حيث بلغ عدد الذين خرجوا من سوق العمل وما يزالون دون سن التقاعد ضعف عدد العاطلين، ذلك لأسباب من بينها التقاعد المبكر أو العطل المرضية. وإذا أُضيف عددهم لعدد العاطلين يصبح مجمل العدد 2.5 مليون. ومما يعنيه ذلك أن الفروق بين ألمانيا وبريطانيا تصبح صغيرة فيما يتعلق بنسبة البطالة وتتفاوت مع الجزائر بنسب معينة، ولهذا على الحكومة الجزائرية أن تضيف التجربة الهولندية إلى تجربتي بريطانيا وألمانيا، حيث أن هولندا نجحت عن طريق العمل الجزئي حسب مؤشر داكس في فرانكفورت، حيث حققت هولندا نتائج مشابهة لما حققته بريطانيا، إذ تراجعت نسبة البطالة فيها إلى أقل من 5 بالمائة

وعلى الرغم من أن الأرقام تجمّل الواقع بعض الشيء، فإنّ التجربة الهولندية جعلت الألمان أكثر اهتماما بها لنجاح تجاربهم حسب الخبير كولف الذي ركز كثيرا على ضرورة توفير جو من المرونة في مجال إيجاد فرص تشغيل جزئية وموسمية، على غرار تجربة هولندا التي كان يستفيد 40 بالمائة من العاملين من هذه الفرص. 

لابد من تفعيل دور شركات الوساطة في سوق العمل ودعمها للنجاح بالجزائر 

ومن أجل تحقيق مثل هذا النجاح بالجزائر لابد من تفعيل دور شركات الوساطة في سوق العمل ودعمها، لكن بشروط قانونية ردعية لقطع الطريق على الانتهازيين، كنا نوصي بخلق مناصب العمل الرخيص ليكون حلا للبطالة في الجزائر، حيث أوضح الخبير “شيفر” أن سر النجاح الهولندي كان يكمن أيضاً في الأجور المنخفضة. بدليل أنه في عام 2003 اتفق ممثلو العمال وأرباب العمل والحكومة في هولندا على القبول بأجور تراعي ضعف معدلات النمو، وبموجب ذلك التزمت النقابات بالتنازل عن مطالبها بزيادة الأجور لمدة سنتين، مقابل ذلك تراجعت الحكومة عن خططها الرامية إلى تخفيض الدعم الاجتماعي. وقد انعكس هذا الحل بشكل إيجابي على سوق العمل الهولندي بشكل ملموس خلال أقل من سنتين.

تجارب يمكن تفعيلها بمحاربة مصدر المضاربة والغش والتحايل

تجربة يمكن تفعيلها في الجزائر لاسيما إذا حزمت الحكومة أمرها في محاربة مصدر المضاربة والغش والتحايل، وقطع دابري الوسطاء المتحايلين المتسببين في رفع الأسعار، كما يجب تركيز الحكومة من الانطلاقة على الرقمنة بداية من قطاع المالية لاسيما الضرائب والأملاك الوطنية لوضع لوحة القيادة في مجال تطوير الاستثمار.

وكذا معرفة المستحقين الحقيقيين للدعم الاجتماعي، وهذا لتقليص فاتورة الاستيراد، مع تشجيع الصناعة الصغيرة التي ويمكننا تصنيعها محليا، على شاكلة الكثير من الأدوية وأدوات التجميل التي فاقت فاتورة وارداتها 1٫5 مليار دولار، كما أن تخفيض الدعم الإجتماعي بعد تحديد مستحقيه وتوجيهها إليهم فقط، حتما تنخفض إعتماداته المالية التي نوجهها لدعم إنشاء مؤسسات ناجحة، ولذلك يمكن أن يشكل خطوة إيجابية نحو تفعيل الاستثمار الحقيقي المنتج للثروة والموفر لمناصب عمل، على أن يساير ذلك خطوات أخرى مثل تخفيض ضرائب أرباح الشركات، والتحفيزات الأخرى تشجيعا للاستثمار.

إقامة التوأمة بين بلديات جزائرية وأخرى بريطانية وألمانية وهولندية للتقليص من حجم البطالة

وانطلاقا من التجارب والنماذج العالمية الناجحة لاسيما التي ذكرناها وجب التفكير حاليا بإقامة التوأمة بين بلديات جزائرية وأخرى بريطانية وألمانية وهولندية، وشراكة بين شركاتهم وشركاتنا والإستفادة من تجاربهم الناجحة، لتجد الحكومة الجديدة منفذا لإحداث التغيير الإيجابي نحو تقليص نسبة البطالة ومنها إنعاش الدورة الاقتصادية وإحداث التغيير في الادخار والاستثمار، مما يؤثر ايجابيا على انخفاض نسبة التضخم ورفع الإنتاج من أجل المشاركة في الأسواق الدولية، ورفع مداخيل الدولة، ومنها رفع سعر العملة المحلية ليقفز الدينار الجزائري إلى مراتب متقدمة كما يرفع من القدرة الشرائية للمواطن الذي ينتظر في مثل هاته الخطوات الإيجابية.

 

السيدة نسيمة شرلاح