الحوار الجاد و ثقافة الوسطية.

انعدام الثقافة الصحية وتهاوي الوعي المجتمعي.

الوسطية هي  وعي قبل أن  تكون ثقافة وتوازن عقلي وفكري, وقد تصبح فلسفة تشمل  مفهوم  الاعتدال في  جميع أمور الحياة من  مواقف ومناهج وتصورات,  وقد تتعداه لتشمل الأخلاق الحسنة وما يليها من توجهات واختيارات ناجحة  صائبة، فالوسطية ليست ارتكاز  بين التطرف والتفسخ , بل فكر  وسلوك حضاري يجمع كل أخلاقيات الاستقرار الحقيقي للفرد والمجتمع , كما إن الحياة الجميلة الهادئة لا تعتدل إلا بالوسطية, والتوافق بين الدين والدنيا أمر محسوم بالقدرة المادية والجسدية على التكيف بينهما, وللوصول للكمال المعرفي والسلوكي يجب طلبها وجعلها فكرا ومنهجا لأنها تعتبر بوابه الرقي البشري والحافز الذي به يطلب العلى, لذلك من واجبنا الدعوة لها وجعلها ثقافة نواجه بها المتناقضات التي تدور في فلك حياتنا اليومية, فالوسطية قد تفسر بالبساطة التي تجنبنا الكثير من التعقيدات التي لا طائل منها و التي قد تسقطنا في فخ الخروج عن جادة الصواب, وبالتالي ندخل متاهة انفصام الحوار وركوب موجات الغلو الفكري والديني والسياسي ونصبح عرضة للتصادم وتكفير بعضنا البعض, عندها يتسلل حولنا وفي وسطنا أعداء الأمة ليجعلوا منا حطبا ونارا نلتهم بعضنا البعض, لنسقط تباعا في مستنقع الفوضى لتذهب ريحنا وريح أجيالنا القادمة.

الوسطية قد تصلح لكل الميادين السياسية والاجتماعية والثقافية, فهي التبسيط والتيسير وأخذ الأمور بقبلة الأنظار لا غلو يبعدها ولا انحلال يرديها,  يقول الله تعالى في محكم تنزيله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ….), ففي السياسة الوسطية تعتبر قوة سياسية متميزة عن اليمين واليسار, وقد أصبح ينظر لها على أنها الحل في مواجهة التطرف السياسي, لأنه أصبح واجهة لكل المصائب والفتن , كما سياسة التهريج التي أصبحت تمارس اليوم,  التي هوت بأصحابها إلي درجة التفسخ الفكري والخروج عن جادة الصواب, وفي بعض الحالات الخروج عن الشرع  لمصلحة يريدون  تمريرها.

الوسطية هي  لا إفراط ولا تفريط   وهذا يعني لا تطرف ولا تفسخ , أو بمعنى أصح  لا تنازل عن القواعد الشرعية الإسلامية، وقد شهدت الجزائر في السنوات الأخيرة سقوطا حرا في القيم السياسية وخاصة الخطاب السياسي, الذي أصبح شعبويا, بعيدا عن الجدية تستخدم فيه ألفاظ بعيدة كل البعد عن الرقي وفن الخطابة الهادف, ليتشتت الوضع السياسي بكامله ويتخذ منحنى نحو التزمت والتعصب والإنفراد بالرأي والبعد عن الحوار الجامع الذي يخدم ديمومة النهج السياسي الفاعل والقويم, الذي يحافظ على ترابط  وتماسك اللحمة الوطنية, حتى وإن اختلفت الآراء دائما هناك توافقية الهدف التي يحتكم لها الجميع من أجل مصلحة الوطن.   

إن الحوار البناء يعتبر في مفهومة  إيمان بالديمقراطية  الراقية التي تكرس لغاية  نبيلة وهدف يخدم الصالح العام للوصول لحل توافقي يرضي جميع الأطراف, يستعمل فيه العقل لاستعراض حجج وبراهين يعطى لها حقها لفائدتها لفك اللبس واختصار أنجع الطرق للوصول إلي أرضية الوفاق الوطني, ويجنبنا التشرذم والتصادم اللفظي العقيم الذي لا طائل منه, ومن ميزات الحوار أنه ثقافة لفك الطلاسم السياسية والفكرية والخروج من بوتقة السواد إلي نور التوافق المؤدي إلي الإتحاد الذي يعود بالخير على البلاد سواءا على المدى القريب أو البعيد.  

ولو تفطن العقلاء لأهمية ثقافة الوسطية والحوار منذ التعددية الحزبية وما نتج عنها من سلبيات, ما زالت أثارها قائمة لحد الساعة, لجنبنا الجزائر التطرف والغرور السياسي وسلبيات  العشرية السوداء وتبعاتها  ومن نحن عليه من ركود سياسي وتهريج خطابي زاد تعقيدا للوضع, إن الوضعية الحالية التي  توصف بالمستنقع السياسي الراكد هي التي أدت إلي عزوف الشباب عن خوض غمار السياسة.

إن ثقافة الوسطية وإعطاء أهمية للحوار هي التي  ستوحد أبناء الجزائر وتجعلهم يرون الحق حقا والباطل باطلا, ليكونوا يدا واحدة على الأعداء المتربصين والمتسللين ودعاة الأفكار المسمومة والحاملين لشعارات الانفصالية التي تدعو لتقسيم الجزائر وضربها بفكر اللهجات والعروشية و تقزيم دورها الدبلوماسي وجعلها تتخلى عن القضايا العادلة, لأن موقع الجزائر ومكانتها في المغرب العربي ودورها المحوري عربيا  ومغاربيا وإقليميا أصبح يقلق بعض الدول ويقلل من شأنها ويهدد مصالحها مع الغرب وما وراءه من تأثير صهيوني.

نحن اليوم بحاجة إلي فكر جامع بعيدا عن النبش في حفريات الماضي وترصد العثرات لأبطال الجزائر الذي سعوا واجتهدوا وأدوا دورهم كاملا غير منقوص, ونبتعد عن السب والتجريح وأحادية الرأي, لأن لكل حديث جواب والجواب لتفرعات سلبية, ونلتفت لمصلحة الجزائر التي يراها الكل فوق الجميع, السيد الرئيس قطع بتدخلاته الأخيرة وتصريحاته قول كل خطيب وسياسي وأجاب بصراحة شافية كافية عن انشغالات هامة, أهمها أنه لا ينوي الترشح لعهدة ثانية وأنه يكرس كل شغله واهتماماته لإخراج الجزائر من أزمتها ووضع القاطرة في الطريق الصحيح وإعادة للجزائر دورها الفعال في المحافل الدولية, كما جدد وقوف الجزائر مع القضايا العادلة وخاصة القضية الفلسطينية, وهذا هو الأهم, لذلك يجب أن يكون توجهنا توجها حكيما وسطيا مشبعا بالحوار ومخرجاته بمفرداته الهادفة الراقية للتوجه جملة وتفصيلا لمصلحة الجزائر وما أدراك ما الجزائر    

بلخيري محمد الناصر    

%d مدونون معجبون بهذه: