الجوانب الإنسانية في “احترقت لتضيء” للأسيرة المحررة نادية الخياط.

الجوانب الإنسانية في "احترقت لتضيء" للأسيرة المحررة نادية الخياط.

 

 

من الجميل أن يعثر المرء خلال بحثه في الأدب ، على كاتبة بحجم أسيرة فلسطينية ، عانت كما يعاني الرجل في سجون الاحتلال الصهيوني ، من تعنت وجبروت وقهر السجن والسجّان ، لتقوم بكتابة وتدوين كل ما تعانيه الأسيرات من ظلم وقهر بروح الصمود والتحدي ، والإصرار على الانتصار على قيد الزنزانة ، وظلم السجّان .

احترقت لتضيء ليس كتابا من حروف ، بل هو مشاعر وإحساس وتحد وصمود ، يشع نورا مضيئا بقضايا إنسانية كثيرة ، أشارت لها نادية الخياط ، في كتابها الأول الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية ، في طبعته الأولى عام 2021. قدّمت للكتاب الكاتبة ابتسام أبو ميالة ، وقد شكرت الخياط ، للكاتبة العراقية المناضلة هيفاء زنكنة ، التي قامت بتدريب وتشجيع الأسيرات المحررات ، على كتابة مذكراتهن في السجن ، بشكل أدبي . وقمن بكتابة مذكراتهن في كتاب معنون باسم حفلة لثائرة . كما قدمت الخياط شكرها في كتابها احترقت لتضيء ، لكل من ساهم وشجّع على كتاب الخياط .

سؤال يطرح نفسه دائما : هل يوجد أدب الأسرى في سجون الاحتلال ؟ وهل يمكن لما ساهم فيه عائشة عودة ، وكميل أبو حنيش وهيثم جابر وأسامة الأشقر وباسم خندقجي وشاهين ، وغيرهم الكثير مما يصعب حصرهم في هذه العجالة ، من أدب الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال تمايزا وصبغة أدبية في التاريخ الأدبي العربي الحديث ، أم سينضوي تحت مفهوم أدب السجون في العالم ؟ لربما يكون من المبكر الإجابة على مثل هذا السؤال ، وإن كنت أعتقد أن ما يقوم به الأسرى والأسيرات ، سواء الذين مازلوا خلف قضبان سجون الاحتلال ، أو ممن تمّ اففراج عنهم نتيجة تبادل الأسرى ، قد بدأوا بالتأسيس لمثل هذه المدرسة الأدبية الفلسطينية ، الخاصة بأسرى سجون الاحتلال الصهيوني .

ليس خفيا من دلالات العنوان ( احترقت لتضيء ) ، لكني سأعرج على بعض الجوانب الإنسانية ، التي أشارت لها الخياط ، بعيدا في مقالي هذا عن الجوانب الإنسانية الشخصية والفردية التي يعاني منها الأسرى من ظلام الزنازين ، والطعام الرديء ، وقنابل الغاز والمسيلة للدموع في زنازين ضيقة ، ما سبب من حروق واختناقات تحدثت عنها الخياط بشكل تفصيلي .

( لهزم هدف الإدارة من العقوبة وهي عزل المناضلات عن كل ما له علاقة بالإنسانية ، هم يبحثون عن كل أساليب القمع والاضطهاد لهزيمتا وثني عزيمتنا وقتل الروح المعنوية وطمس هويتنا النضالية، ونحن نجد دائما أساليب احباط كل النوايا الهادفة لتحطيمنا ) . ( ص 127 ) ، وفيها تتحدث عن الطريقة المهينة التي يتم فيها تقديم الطعام للسجين / ة ، في الزنزانة ، وفي مواقع أخرى من الكتاب ، تتحدث فيها الخياط ، عن تحدي الأسيرات وصمودهن . كما أشارت أن ليس الأسيرة الفلسطينية ، بل ويقع العقاب نفسه وبشكل قاس أكثر في بعض الأوقات على الأسيرات العربيات المناضلات العربية ـ كتريز هلسة وغيرها من

المناضلات العربيات ، والأجنبيات أيضا ، فهي تتحدث عن بريجيت المناضلة الألمانية ، التي تم اعتقالها إثر اختطاف طائرة إلى مطار عنتيبي عام 1976 ، وما مارسه السجّان الصهيوني من همجية في التعامل معها . تقول الخياط ((في أيامي الأولى من التحقيق قاموا بكل وحشية بإحضار آلة حلاقة يدوية

يستخدمونها لحلاقة الرجال ومقص، بدأوا بجز شعري كما يجز صوف الخروف بشكل عشوائي ، يتضاحكون ويتسابقون في إنجاز مهمتهم الهمجية، ثم استخدموا آلة الحلاقة، سالت بعض الدماء من جلدة رأسي وهم يتلذذون بهذه العملية دون أن يرف لهم جفن، إنهم بلا شفقة أو رحمة أو أخلاق

وما فعلتهم تلك إلى من أجل الانتقام وكسر شوكتي وتدمير معنوياتي ) . ( ص 133 ) .

حنين أم ثائرة ؟

ــــــــــــــــــــ

قلبت الخياط ميزان المنطق في قصة حنين الثائرة ، قصة تبدأ بسميحة الأم الحامل على وشك الولادة ، لأم رضيع تدخل الأسر مع أم زوجها وأخته الأسر ، بفترات حكم مختلفة . يبقى الزوج والرضيع وحدهما .

تعاني سميحة ألآم الولادة ، يماطل السجّان في نقلها للمشفى من أجل الولادة ، وبعد فترة ليست قصيرة من الآم الوضع ، يتم نقلها مكبلة اليدين والقدمين ( صورة مكبرة قريبة للشاشة ) كي يرى العالم عنجهية دعاة الديموقراطية . تبقى لفترة قصيرة في المستشفى ، لتعود إلى الزنزانة مع طفلتها الرضيعة . الطعام لا يكفي الأم الأسيرة . تضطر رفيقاتها باقتصاد حصتهن من أجل الأم ورضيعتها . الرضيعة ترضع من أمها . لا مكونات غذائية للرضيعة . ( يهرسون ) حبة بطاطا مسروقة أو مقتصدة من الرفيقات ، مسلوقة للرضيعة .

تستمر حركة الكاميرا ببطء مع تكات الساعة الميتة … تنمو الطفلة ، تحتاج حتين للرضاعة ( ماما بث ) ، العسكري الصهيوني يوجه البندقية نحو حنين وأمها والرفيقات في الفورة . تظل الطفلة حنين تراقب أن يزيح الصهيوني نظره عنهن من برج مراقبته . تعود حنين طلب الرضاعة من أمها . ( تقترب الكاميرا من شفتي حنين الظامئتين ، وصدر الأم . هل شاهد العالم وراقب . هل أحس العالم بطفلة قضت سنتي عمرها بالسجن بلا ذنب . هل راقبت جماعات حقوق الطفل في العيش في أسرته ويمارس طفولته ، في الحدائق وليس في السجن ؟.. ماذا لو ولدت قطة في السجن هل كان العالم وحقوق العالم سيصمت ؟ وهل سيصمت حين تنتزع طفلة يتيمة الأب سجينة الأم لتعيش مع عمتها ؟ أي حقد وأي قهر وأي عهر في هذا العالم .

وماذا عندما عادت لتزور حنين أمها في أول زيارة لها ، عادت ترفض الحرية خارج السجن ، وترغب بالعودة للعيش في السجن . أية موازين هذه التي انقبلت ، وكم حجم حزن سميحة التي ستقضي بقية مدة الحكم عن حنين الثائرة ؟ … هل عرف العالم الآن لماذا يثور الفلسطيني على المغتصب الصهيوني ؟ تنتقل الخياط بعد ذلك للحديث عن حقد السجّان على الكتاب ، ومحاربة العقل للحر والحرّة في الأسر . حين قاموا بإتلاف كتب المكتبة ، وما فيها من صدمة نفسية غير إنسانية.أخيرا تعرض الخياط في مشهد سينمائي مؤلم حين تمّ الإفراج عنها وعن مجموعة من الأسرى والأسيرات ، من ضمنهن المناضلة الأردنية تيريز هلسة ، ليتم إبعادهم عن فلسطين التي نضالهن وأسرهن من أجل فلسطين .

 

 

* إصدارات وزارة الثقافة الفلسطينية (5)

شكرًا لوزارة الثقافة على الإصدار وشكرًا على الإهداء

“احترقت لتضيء” أدب معتقلات للأسيرة المحررة ناديا الخياط.

 

 

بقلم الدكتور: محمد عارف مشّه