الجزائر تضعُ حَدّاً لعلاقاتها مع الجارة الغربية.

الجزائر تضعُ حَدّاً لعلاقاتها مع الجارة الغربية..

أعلن أول أمس الثلاثاء، وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، قطع علاقات الجزائر مع المغرب ابتداءً من نفس اليوم، وذلك في ندوة صحفية عقدها بالمركز الدولي للمؤتمرات، حيث أوضح لعمامرة جملة من الأسباب المتراكمة التي دفعت الجزائر إلى إتخاذ مثل هذا القرار الحاسم.

قرار قطع العلاقات من طرف الجزائر كان متوقعاً، منذ إيعاز المغرب لسفيره لدى الأمم المتحدة عمر هلال، بتوزيع بيان على دول كتلة عدم الإنحياز، يدعو فيها إلى ما سماه بـ: “تقرير مصير الشعب القبايلي”، وهو الأمر الذي ردّت عليه الجزائر عبر الطرق المتعارف عليها دبلوماسياً، باستدعاء سفيرها لدى الرباط للتشاور، مع طلب توضيحات من وزارة الخارجية المغربية حول تصريحات السفير المغربي لدى الأمم المتحدة؛ وهو الأمر الذي تجاهله المغرب وكأنه لم يكن، رغم خطاب الملك المغربي الذي جاء أياما بعد ذلك، والذي طالب فيه الجزائر بالجلوس إلى طاولة الحوار دون شروط مسبقة، لترد الجزائر اليوم بقطع العلاقات رسميا منذ يوم الثلاثاء.

تاريخٌ من العدوان والتآمر المغربيّ على جارته الشرقية..

المغرب لطالما كان يقوم بأعمالٍ عدوانية وغير ودية ضد الجزائر منذ استقلال هذه الأخيرة، مثلما صرّح رمطان لَعمامرة، حيث عاجل المغرب الجزائر بحرب الرمال الخاطفة سنة 1963، التي خلّفت ما لا يقل عن 850 شهيداً جزائريا، لم تكتب لهم الشهادة في قتال المستعمر الفرنسي، ولكنها كتبت لهم برصاص من يفترض أنهم أشقاؤهم الذين لا تفصل بينهم سوى حدود سياسية شكلية موروثة عن الاستعمار، ليتواصل العدوان المغربي مع آمقالا الأولى، ثم تردّ عليها الجزائر بآمقالا الثانية، إضافة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية المفاجئ من طرف المغرب سنة 1976، حتى إعادة تطبيعها سنة 1988، ثم عودتها إلى التوتر غداة فرض المغرب تأشيرة الدخول على الجزائريين بعد تفجيرات الدار البيضاء ، التي ثبت لاحقاً تورط مغاربة وفرنسيين فيها، وردّ الجزائر الصارم بغلق الحدود البرية إلى أجل غير مسمى.

محاولات تلطيف أجواء العلاقات الجزائرية المغربية باءت جميعها بالفشل، ذلك أن هذه المحاولات لم تكن جادّة من الطرف المغربي، الذي كان يكتفي بالأقوال والخطابات دون ترجمتها إلى أفعال وسلوكات، ولعلّ آخرها خطاب العرش الذي ألقاه الملك المغربي محمد السادس، وخصص ثلثه للحديث عن ملف العلاقات المغربية الجزائرية؛ فقد جاء هذا الخطاب قبل أيام من تهجم وزير خارجية الكيان الإسرائيلي على الجزائر من العاصمة المغربية وبتحريض من وزير الخارجية المغربي، وجاء أيضاً بعد أيام من السقطة الدبلوماسية المخزية التي قام بها المغرب في الأمم المتحدة عبر سفيره، والتي يبدو أنها كانت السبب الرئيسي المباشر الذي إتخذت الجزائر بناءً عليه، قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، بعد أن تجاهلت وزارة الخارجية المغربية طلب التوضيحات التي قدّمتها نظيرتها الجزائرية.

دعم الماك ورشاد، فضيحة بيغاسوس؛ من الأسباب المباشرة لقطع العلاقات..

لعمامرة أكد بأن المملكة المغربية قد ثبت ضلوعها في دعم رشاد والماك: الحركتين اللتان تم إدراجهما في وقت سابق كمنظّمتين إرهابيتين من طرف المجلس الأعلى للأمن في الجزائر، هذا الأخير الذي أكّد أيضا تورّط الحركتين المذكورتين في عشرات حرائق الغابات التي مست القطر الجزائري خلال جويلية وبداية أوت الحالي، لا سيما في ولايتي تيزي وزو وبجاية، أين عرفت الولايتان ناهيك عن إلى الخسائر المادية، خسائر بشرية تجاوزت 69 قتيلا بين عسكري ومدني، وعشرات الجرحى والمصابين بحروق بالغة الخطورة؛ هذا إضافة إلى الجريمة الوحشية التي راح ضحيتها الشاب جمال بن إسماعيل من مدينة مليانة، والذي كان ضمن وفود المتطوعين للمساعدة على إطفاء الحرائق، حيث تم سحل وطعن وحرق وذبح هذا المواطن من طرف عشرات المجرمين الذين تم القبض عليهم، والإعلان عن ارتباطهم بحركتي: الماك ورشاد، هاتين الحركتين اللتان تتلقيان دعما كاملاً من طرف المغرب، حسب ما صرّح به لَعمامرة.

فضيحة برنامج بيغاسوس للتجسس، كانت هي الأخرى من الأسباب التي أكدت عدم مصداقية المخزن المغربي في علاقاته مع الجزائر وغيرها من الدول، بما فيها تلك التي يحتفظ معها بعلاقات متميزة على غرار فرنسا وإسبانيا، حيث أشارت هذه الفضيحة إلى تجسس المخابرات المغربية على هواتف مئات المسؤولين السامين بعدّة دول بما في ذلك الجزائر، وهو الأمر الذي زاد من تأزيم العلاقات الجزائرية المغربية ووصولها إلى طريق مسدود.

تجديد إتفاقية أنبوب غاز بيدرو فاران دوران من صلاحيات سوناطراك

وفيما يخص إتفاقية مرور أنبوب غاز بيدرو فاران دوران، الذي يمدّ كلا من المغرب وإسبانيا والبرتغال بالغاز الطبيعي الجزائري، والذي ينتهي عقده خلال أكتوبر المقبل، أكّد وزير الخارجية الجزائري أن هذا الأمر يدخل في صلاحيات شركة سوناطراك، وهي التي ستحسم فيه؛ هذا رغم أن المؤشرات لا توحي بأن الإتفاقية سيتم تجديدها، في ظل قطع العلاقات الدبلوماسية، إضافة إلى مخرجات المجلس الأعلى للأمن الجزائري الذي كانت أبرز قراراته: إعادة النظر في العلاقات المغربية الجزائرية على جميع المستويات، يُضاف إلى ذلك توقيع المغرب لإتفاقية مع نيجيريا لتزويدها بالغاز مروراً بدول غرب أفريقيا في مشروع ضخم من نوعه في القارة الأفريقية.

وكان المغرب قد لمّح في وقت سابق، إلى أنه لن يجدد إتفاقية مرور الأنبوب على أراضيه، رغم الامتيازات التي يجنيها جراء هذا الأنبوب من رسوم عبور واستغلال نسبة من الغاز، وذلك محاولة منه للضغط على إسبانيا والجزائر دون جدوى، فكل من إسبانيا والجزائر كانتا قد افتتحتا في وقت سابق، أنبوبا جديدا يحمل إسم ميدغاز، ويربط بني صاف الجزائرية بآليكانتي الإسبانية مباشرة؛ ليلجأ المغرب منذ أيام إلى مراجعة موقفه، بإعلان مسؤولين مغاربة عن استعدادهم لتجديد إتفاقية مرور أنبوب غاز بيدرو فاران دوران.

الصحراء الغربية؛ حاضرة دون ربطها بملف العلاقات مع المغرب..

قال لعمامرة بأن اعتراف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بما يسمّى: “مَغربيّة الصحراء” هو لا حدث، لأنه مخالف للقانون الدولي واللوائح الأممية وحتى أخلاقيات العمل الدبلوماسي الدولي، وأنه عبارة عن منحِ شيء من طرف ليس له حق لمن لا يستحق، عبر القفز على القانون الدولي وجهود المنظمات الدولية، كما اعتبر لَعمامرة أن “اعتراف ترامب” قد فرض قيودا على الإدارة الأمريكية التي لا يمكنها إلغاء هذا القرار لاعتبارات قد لا تكون مرتبطة بالصحراء الغربية نفسها، لكنها بالمقابل ستسعى إلى التعامل معه، في إشارة إلى عدم تفعيل إدارة بايدن لمحتوى قرار سابقه دونالد ترامب.

قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني غلق القنصليات..

لعمامرة شَدّد على أنّ قطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المغربية، لا يعني غلق القنصليات بكلا البلدين، وذلك حسب لوائح القانون الدولي، لا سيما إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، حيث أن الجالية المغربية بالجزائر، ونظيرتها الجزائرية بالمغرب، لن تواجه أي مشاكل في استخراج وثائق وتسوية وضعياتها الإدارية مع قنصلياتها؛ ويأتي هذا التأكيد لوقف التأويلات التي قد تطلقها أطراف حول أن قطع العلاقات الدبلوماسية ستتبعه مضايقة أفراد الجاليتين وطردهم، على غرار ما فعلت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر مع دولة قطر بعد الإعلان عن قطع علاقاتها معها في يوم واحد.

ويبدو أن المغرب قد كان يسعى منذ مدة إلى قطع العلاقات مع الجزائر، على أن يأتي ذلك بمبادرة من هذه الأخيرة، مثلما فصّلنا ذلك في مقال سابق، لأنّ الوضع السابق للعلاقات الجزائرية المغربية لم يكن يلبّي طموحات المغرب، رغم استفادته من الجانب الإقتصادي لهذه العلاقات، من خلال المبادلات التجارية وأنبوب الغاز المارّ بأراضيه نحو إسبانيا، وبالتالي فإن التصعيد المتعمد والمتسارع الذي جاء من طرف المغرب خلال أقل من شهر ونصف، يكون قد جاء لدفع الجزائر إلى قطع العلاقات، حتى تسعى بعض القوى الدولية للضغط عليها حتى تجلس إلى طاولة الحوار مع المغرب دون شروط، وهو الأمر الذي يُستبعد أن تقبل به الجزائر.

زكرياء قفايفية

%d مدونون معجبون بهذه: