الثورة الجزائرية وأبعادها الداخلية والخارجية.

الثورة الجزائرية وأبعادها الداخلية والخارجية.

 من البطولات الخالدة  للثورة التحريرية التي صنعها أبطال الجزائر, نذكر مسدس الحاكم الفرنسي النقيب المجرم موريس دوبوي قائد مركز قنتيس العملياتي بتبسة الذي عاث في المنطقة فسادا وإجراما، والذي تم القضاء عليه في كمين محكم نصبه له المجاهد عون عمر البوقصي رفقة مجموعته، بتاريخ 21 ماي 1955 واستسلام من معه من عساكر على رأسهم ملازم أول ، سلم لقائد الولاية الأولى أوراس النمامشة بالنيابة الشهيد شيحاني بشير الذي بدوره سلمه للرئيس الراحل أحمد بن بلة والذي أهداه للزعيم العربي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر .وبذلك تم تخليد بطولات المنطقة السادسة تبسة في لمسة دبلوماسية تمثلت في هدية وكلمات بين رئيسين ليكتب في سجل الخلود ويبقى شاهدا حيا ملموسا يذكر قنتيس ورجالها.

أحيانا أفرح فرحا لا حد له ولا حيز يحتويه عندما أتذكر أصدقاء الثورة الجزائرية المباركة الذين آمنوا بالقضية العادلة للشعب الجزائري وكفاحه إيمانا لا تشوبه شائبة ولا يعتريه شك, من أجل تحقيق مصيره وانتزاع استقلاله بقوة السلاح,  ومنهم الكاتب والصحفي السويسري شارل هنري فافرو, المولود يوم 21 أبريل 1927 في مونترو, الذي أحيا جوانب مهمة من تاريخ الثورة الجزائرية المباركة,  والتي ظلت قاتمة غامضة في كتابه “الثورة الجزائرية” باعتباره كان شاهدا على الأحداث, كما كانت له اتصالات أيضا بالجزائريين الذين كانوا يترددون على سويسرا لتلقي العلاج في مصحاتها؛ ومن ضمنهم الرئيس الجزائري محمد بوضياف رحمه الله الذي يقول عنه “كانت لي علاقات وثيقة معه خصوصا في الفترة التي سبقت اعتقاله بقليل في عام 1956، أو سعد دحلب, الذي قدم للعلاج بعد معركة الجزائر ومكث لأكثر من أربعة أشهر في مصحة بمنتجع مونتانا، أو محمد سحنون الدبلوماسي المرموق الذي أتى للعلاج في عام 1960، والذي أصبح فيما بعد نائبا للأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية ثم نائبا للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة في وقت لاحق“.

كما تمكن شارل هنري فافرو من الاقتراب من قيادات الثورة الجزائرية بداية من سنة 1956، أمثال بوصوف و كريم بلقاسم في القاهرة، و فرحات عباس وبومنجل في لوزان وفي تونس، حتى أنه نجح، كما يقول، في تطوير “علاقات وثيقة مع شخصية مرموقة في الثورة الجزائرية وهو أوعمران الذي كان مسؤولا في القاهرة عن تمرير الأسلحة، والذي دعاني لمرافقته في رحلة عبر البر من القاهرة إلى تونس مرورا بليبيا على متن سيارة أهدتها السعودية للثورة الجزائرية”.

ومن علامات الثقة التي وضعتها قيادات الثورة الجزائرية في هذا الصحفي السويسري، يتذكر شارل هنري فافرو قائلا ” سمحوا لي بالدخول إلى مقر جبهة التحرير في القاهرة مرفوقا بمصور التقط لأول مرة صورا لهذه القيادات، وهي الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام فيما بعد“.

كما أن هناك ثورات أخرى وقعت أثناء الثورة التحريرية, ربما تجاهلها الكثيرون,  مثل ثورة العفة والشرف, فقد قال أحد الجنود الفرنسيين  في مذكراته”  لما كنا نقوم بعمليات التمشيط ومداهمة القرى والجبال للبحث عن المجاهدين، كان كل مرة يحز في قلبي ويشعرني بالخجل من نفسي ردة فعل النساء، حيث كن يهرولن و يهربن بسرعة البرق نحو اسطبلات الحيوانات عند رؤيتنا ويقمن فورا بتلطيخ أجسادهن بالروث وفضلات الحيوانات لكي نشمئز منهن عند محاولة اغتصابهن ولا نقربهن بسبب الرائحة الكريهة التي تنبعث منهن بفعل الروث”.

وكذلك ظاهرة الوشم على شكل صليب التي انتشرت كثيرا عند النساء  في الولاية الأولى  وباقي الولايات التاريخية, التي جعلت من جنود الاستعمار لا يقربون النساء اللواتي يحملن هذا النوع من الوشم.   حقا  إنها صورة عزة وشرف  لها إبعاد ثورية بامتياز.

وأحزن حزنا عميقا يدخلني في دوامة من التعاسة والقهر عندما يأتي بعض أعداء الداخل المثبطين للعزائم الذين أكلوا مع الذئب وذرفوا الدموع مع الراعي, أبناء الرفاهية التي سخرتها لهم الثورة ورجالها المخلصين,  الطاعنين في تاريخ الرجال الذين ليس لهم أي عذر ويدعوا زورا وبهتانا دون أي حجة أو دليل بأن الثورة الجزائرية اخترقت من طرف الاستعمار الفرنسي, محاولين زرع الشكوك والفتن في أوساط الشباب الجزائري, علما أن جنرالات فرنسا هم الذين كانوا أول من أعترف بشجاعة المجاهدين وقوة عزيمتهم وعددوا مناقبهم و وصفوهم بالخوارق كما قال السفاح مارسيل بيجار, لو كانت لي ثلة من أمثال العربي بن مهيدي لغزوت العالم, وهذا بعد أن يئس هو وعساكره أن يأخذوا منه اعترافا أو وشاية برفاقه بالرغم من العذاب المسلط عليه لدرجة سلخ جلد وجهه بالكامل.

إن الثورة الجزائرية لم تخترق ولم تكن يوما عجينة ملساء في مرمى الذكاء والتكتيك العملياتي الفرنسي الإستعماري وهذا رغم محاولاته اليائسة, لأنها ببساطة عصية منيعة قوية التكاتف مرصوصة الصف نبعت من الشعب المقتنع بالجهاد في سبيل الله والوطن وبفكرة ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، ثورة ولدت من رحم الفقراء البسطاء ولذلك نجحت وكانت هوجاء لوجاء عاتية صرصر جرفت المستعمر البغيض وعملائه مقتلعة إياه من الجذور.زيادة على هذا فقد كان للثورة الجزائرية رجال مخابرات أمثال عبد الحفيظ بوصوف مؤسس المخابرات الجزائرية وأشباله أمثال الشهيد قاصدي مرباح, اللذين كانوا حصنا منيعا تكسرت عليه كل المحاولات التي كانت تهدف لضرب وحدة الثورة.

أن الثورة التحريرية لم تترك شيئا للمفاجأة فقد قامت بإنشاء شرطة خاصة سنة1956 من مهامها مراقبة المجندين الجدد وكذلك التأكد من هوية اللاجئين العائدين من تونس الي الجزائر والتأكد من نواياهم الحقيقية، خوفا من أن يكون جواسيس للعدو، كما أنشأت منظمة خاصة بتتبع الجواسيس والقضاء عليهم ، كما فعل بمورد السمك الجاسوس من صفاقس الي تبسة، صاحب شاحنة من نوع Type 45 في جبل بوربعية بناحية الكويف. كما أنشئت خلية سرية في تونس من طرف عبد الحفيظ بوصوف.

بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: