التطبيع “الوباء المتحور” وتأثيره على القضية الفلسطينية.

التطبيع "الوباء المتحور" وتأثيره على القضية الفلسطينية.

سياسة التطبيع خيانة كبرى مهما حاول المهرولون تنميقها وتزينها بمساحيق تجميلية, ستبقى خنوعا و انبطاحا وهرولة لعقد علاقات  سياسية واقتصادية وثقافية مع العدو الصهيوني وخاصة في مجال  بناء جسور أمنية يكون لجهاز الموساد “المخابرات”  الجزء الأكبر منها, الذي يستعمل الأنشطة السياحية والثقافية  معبرا للتسلل باستعمال المجندات في مجال الاختراق , واكبر دليل الجارة المغرب التي انتقلت  العلاقات فيها مع العدو الصهيوني من السر إلى العلن, وأصبح مخزنها بين براثن جهاز الموساد.  فمع كل هذا التقارب العربي الصهيوني تنسى القضية الفلسطينية,  ويميع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره, خاصة حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض حسب قرار الأمم المتحدة رقم 194، وقرار مجلس الأمن رقم 2334 الذي طالب إسرائيل بوقف الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وهذا اعتراف صريح  لا غبار عليه من الأمم المتحدة بعدم شرعية وجود  الاحتلال الصهيوني على الأراضي الفلسطينية. علما أن السيد الرئيس عبد المجيد تبون  قالها صراحة لا لبس فيها إن الجزائر لن تبارك ولن تشارك في “الهرولة نحو التطبيع“.

ومن أخطار التطبيع مع العدو الصهيوني الذي أصبح وباءا متحورا منذ عام 1979  عندما وقع الرئيس المصري أنور السادات  “معاهدة السلام” بين مصر وإسرائيل بعد زيارته لإسرائيل وبعد مفاوضات مكثفة نتج عنها توقيع معاهدة السلام التي تتلخص بما جاء بالمادة الثالثة من المعاهدة، التي نصت على ” يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التي ستقام بينهما ستتضمن الاعتراف الكامل والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية وإنهاء المقاطعة الاقتصادية والحواجز ذات الطابع التمييزي المفروضة ضد انتقال الأفراد والسلع“.

وقد غول التطبيع  الأنظمة المطبعة  فقامت بتغيير منهجية سياسة نظامها,  مما أدى إلي تدني  هويتها الفكرية والثقافية  وقيم ثوابتها العربية  التي صارت لزجة, بحيث أصبح العدو الصهيوني وحليفه الولايات الأمريكية يمارسون سيطرة على المنطقة العربية, وأصبح البعض منهم يروجون علنا على أن التطبيع حل “سحري”  كما قال أحد الكتاب السعوديين  “سلام مع إسرائيل ودعم للقضية الفلسطينية، أصبح هذا هو الحل السحري والعملي في الآن ذاته للمعادلة الصعبة في الصراع العربي – الإسرائيلي المستمر منذ سبعة عقودٍ وأكثر، وهو حل تمّت صناعته خليجياً من قادة ذوي رأي ورؤية واستشراف للمستقبل”

بعد ها يتم خداع الزعيم الراحل أبو عمار والضغط عليه  وإيهامه بوعود كاذبة  عنوانها “السلام الفلسطيني الإسرائيلي” الذي لم يتحقق لحد الساعة,  بحيث جاءت الخطوة الثانية من منظمة التحرير الفلسطينية عند توقيع إتفاق “أوسلو “عام 1993، الذي نص أن تعترف إسرائيل بمنظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، مقابل اعتراف منظمة التحرير بالدولة العبرية على 78% من الأراضي الفلسطينية، ولاقت هذه الاتفاقية رفضا كبيرا في الشارع الفلسطيني والعربي، حتى بين أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية التي وصفوها بأنها اهانة للقضية الفلسطينية.

كما يرى البعض أن السبب المباشر الذي دفع الرئيس الراحل ياسر عرفات للتوقيع على اتفاق أوسلو كان هدفه  لم شمل منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة توحيدها بعد أن  كانت مشتتة بين الجزائر والمغرب ولبنان وسوريا، وفي نفس الوقت هي الجهة الوحيدة التي تدافع وتتكلم باسم الشعب الفلسطيني، فكان لابد من إعادة توحيد صفوفها والاعتراف بها إقليمياً ودولياً.

بعد ذلك تتوالى السقطات والمعاهدات بين العدو الصهيوني والدول العربية، ومنها معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، أو ما يعرف بإتفاق “وادي عربة”، التي تضمنت اعتراف كلا الطرفين بسيادة الأخر، وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الطرفين، وتوزيع مياه نهر الأردن وأحواض وادي عربة الجوفية بشكل عادل بين البلدين، بالإضافة إلى حرية تنقل الأفراد والسلع بين البلدين.

ثم تتوالى الانتكاسات  بفتح العديد من المكاتب التمثيلية والتجارية بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، وكلها كان الرابح فيها العدو الصهيوني,  فقد حققت إسرائيل هدفين في آن واحد من تطبيع علاقاتها مع الدول العربية، الهدف الأول هو:  التمكين الإسرائيلي بالمنطقة العربية وقتل الروح التضامنية و العمل من أجل تخلي الدول العربية على القضية الفلسطينية, والهدف الثاني  هو الأرباح التي تحققها إسرائيل نتيجة العلاقات التجارية مع الدول العربية، على سبيل المثال بلغت قيمة الصادرات الصناعية الإسرائيلية إلى الدول العربية عام 2008 أرقاماً ملفتة للنظر، بعد مصر والأردن، جاءت الإمارات بالمرتبة الثالثة، حيث بلغت حجم الصادرات الصناعية الإسرائيلية للإمارات 25,5 مليون دولار، يليها المغرب ب17,2 مليون دولار، هذه الأرقام لم تتضمن صادرات إسرائيل من المجوهرات والمصوغات الذهبية، التي بلغت ما صدر  لسوق دبي فقط 200 مليون دولار، ناهيك عن صفقات الأسلحة السرية.

إن مخاطر التطبيع مع العدو الصهيوني هو إضعاف لموقف القضية الفلسطينية و استهداف للأمة  العربية الإسلامية, فبعد أن كان التعامل مع العدو الصهيوني  خيانة للفكر الإسلامي وللأمة الإسلامية والعربية، أصبحت الدول الإسلامية والعربية نفسها من يسعى للتطبيع والهرولة للظفر بعلاقة مع الدولة الصهيونية.

للعلم أن الولايات الأمريكية  هي من قامت بدور الراعي الرسمي للتطبيع العربي متخذة بذلك  جملة من الخطوات التي أضعفت  القضية الفلسطينية. فقد أقدمت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على تنفيذ العديد من القرارات التي تدعم إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية ومن هذه القرارات:

ـ 6ديسمبر2017،  الإعلان عن أن مدينة القدس عاصمة لدولة الاحتلال

ـ  14 ماي 2018، نقلت السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة.

ـ 2أوت 2018، تم وقف المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية.

ـ  3أوت 2018، تم قطع كامل المساعدات عن الأونروا.

ـ 10 سبتمبر 2018، أغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن.

ـ 25مارس 2019، تم الاعتراف بسيادة دولة الاحتلال على مرتفعات الجولان السوري المحتل.

ـ 18نوفمبر2019، تم شرعنة المستوطنات القائمة على أراضي الضفة الغربية، وأعلنت الإدارة الأمريكية موافقتها على ضم وفرض سيادة إسرائيل على الأغوار والبحر الميت وتوسيع المستوطنات في الضفة، لضم 33% من الضفة الغربية مما يؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية وإنهاء حق العودة وحلم إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967؛ وكل ذلك يأتي في ظل إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شعار “السلام مقابل السلام” وهذا ما حصل بعد قيام دولة الإمارات العربية بالتطبيع مع إسرائيل في ظل استهداف القضية الفلسطينية فلابد من تعريف هذه الخطوة بأنها خطوة لفتح البوابة العربية لمزيد من التطبيع المجاني مع إسرائيل، بدون حل جذري للقضية الفلسطينية والتنصل من مبادرة السلام العربية المشهورة، مما ينهي القضية الفلسطينية كقضية العرب المركزية لتصبح قضية الفلسطينيين المحاصرين.

 

 

بلخيري محمد الناصر