الباحث في التاريخ “أسامة طيب جعيل” ل الوسيط المغاربي منطقة بريكة والأوراس تزخر بكمٍ تاريخيٍّ هائلٍ مغيب.

الباحث في التاريخ "أسامة طيب جعيل" ل الوسيط المغاربي منطقة بريكة والأوراس تزخر بكمٍ تاريخيٍّ هائلٍ مغيب.
 إن التاريخ هو مدرسة الحياة ومفتاح ولوج الحضارة، و من تاريخ المغيب في الجزائر تاريخ منطقة طبنة ودور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فيها، ومن أجل ذلك كان لنا هذا الحوار مع أبن مدينة بريكة و دكتور في التاريخ الوسيط وباحث في تاريخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مدينة بريكة وضواحيها  “أسامة طيب جعيل”
الوسيط المغاربي: في بداية عرف نفسك للقراء الكرام؟
  أسامة الطيب جعيل، طالب للعلم وباحث في التاريخ، من مواليد مدينة بريكة شتاء عام 1991، متحصل على شهادة دكتوراه في التاريخ الوسيط من جامعة الجزائر  02 أبو القاسم سعد الله، ناشط جمعوي ومؤلف لكتب تاريخية في تاريخ منطقة “طبنة وبريكة” أعمل أستاذا مؤقتا بجامعة باتنة01، و المركز الجامعي بريكة منذ خمس سنوات.
الوسيط المغاربي: كيف كان عناقك الأول لعالم الكتابة؟
  كان ولوجنا لعالم الكتابة وليد عدة ظروف، أهمها تأثير المحيط العائلي الذي تميز بنشاط الجد – رحمه الله – إبان الثورة التحريري،  وما تعرض له من طرف المستعمر، ثم نشاط الوالد – رحمه الله – في الجانب الدعوي والتعليمي رفقة أفراد الأسرة، إضافة مواظبتنا على الحلقة التعليمية القرآنية بمسجد الرحمة، سببا في ميولنا وبحثنا في التاريخ.
الوسيط المغاربي: حدثنا باختصار عن رحلتك في البحث عن تاريخ مدينة بريكة؟
حبانا الله في صغرنا بمرافقة الجد إسماعيل – رحمه الله – في نشاطه التجاري، وتقربنا منه في مجالسته للكبار وقصصهم عن بطولات رفاق الكفاح في الثورة التحريرية، وجاءت الفرصة بتنظيم فوج المنار الكشفي لمسابقة أول نوفمبر 1954 بدار الشباب الشهيد رابح جفار سنة 2002، وكنت حينها تلميذا بالسنة السادسة ابتدائي، فشاركت بالمسابقة بما سمعته وسجلته عن الكبار بتعبير بسيط مقابل لسني، وكان النجاح بتقدير الرتبة الأولى وكان عنوان المشاركة ” مدينة بريكة وثورة التحرير” ومن هنا كانت الانطلاقة في البحث عن تاريخ المنطقة، خاصة بدعم من جار العائلة الأستاذ الدكتور موسى لقبال- رحمه الله – الذي يزور بيته كل عطلة عائدا من عمله بجامعة الجزائر محملا بالكتب والمجلات، وبعد التدرج في الجامعة تخصص تاريخ بجامعة باتنة01، زاد اهتمامنا بتاريخ المنطقة خاصة أننا كنا نسمع حكايات عن تاريخها ولا نرى  ما كتب عنها إلا القليل.
الوسيط المغاربي: حدثنا بشكل مفصل عن كتابك المنشور حديثا تحت عنوان ” دور جمعية العلماء المسلمين في منطقة بريكة”؟
جاء كتابنا الثاني المعنون “بدور جمعية العلماء المسلمين في منطقة بريكة”  ما بين 1931-1962 نظير جهود ومتابعة للحفاظ على ما بذله رجال الإصلاح في هذه الفترة العسيرة على الشعب الجزائري، الذي واجه طغيان المستعمر في مئوية احتلاله للجزائر، وما بذله المستعمر وأعوانه من سياسات لتجهيل الشعب الجزائري وتجويعه فكريا، فكان ظهور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ظل هذه الظروف وبذلها لجهود كبيرة في سبيل تكوين نشء جديد يكون مجابها للمستعمر، وهذا ما تحقق في اندلاع الثورة التحريرية المظفرة، تطرقنا في هذه الدراسة إلى سبعة محاور كبرى:
المحور الأول: لمحة تاريخية عن مدينة بريكة، منذ ظهور طوبونيم بريكة بين المصادر التاريخية المخطوطة في القرن الرابع عشر إلى غاية تأسيس بلدية بريكة أيام الاستعمار الفرنسي، وأهم الأعراش المقيمة بمحيط المدينة.
المحور الثاني: الزوايا والطرق الصوفية في منطقة بريكة ما بين القرنين 19-20، وتم التعريف بأهم الطرق والزوايا في محيط المنطقة، ودورها التعليمي والتكويني وإشعال فتيل الثورات الشعبية مثل: ثورة ابن الأحرش، ثورة بوخنتاش، ثورة العيدون الهيدوق، وثورة الأوراس.
المحور الثالث: تأسيس جمعية العلماء المسلمين 05 ماي 1931، وتم التطرق فيه للإرهاصات الأولى لتأسيس الجمعية وجهود رجال الإصلاح على رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي في هذا التأسيس رفقة إخوانهم من شيوخ الإصلاح.
المحور الرابع: الحركة الثقافية بمنطقة الأوراس والحضنة مطلع القرن العشرين، وتم التطرق فيه إلى أهم المظاهر الثقافية بالمنطقة نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين و ما عرفته المنطقة من نهضة بعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وزيارات شيوخ الإصلاح إلى مدن وقرى المنطقة.
المحور الخامس: تأسيس مسجد بريكة (العتيق)، حيث تعرضنا بالتفصيل إلى ظهور مسجد بريكة من خلال الوثائق الفرنسية والمخطوطة.
المحور السادس: الحركة الإصلاحية في منطقة بريكة ما بين 1931-1962، وفيها ذكر لجهود شيوخ الكتاتيب قبل تأسيس جمعية العلماء ، ثم إرسال التلاميذ النجباء إلى قسنطينة لاستكمال دراستهم بالجامع الأخضر ومسجد سيدي قموش على يد مشايخ الجمعية، وقد كانت بريكة ومنطقة الحضنة عرضة للبدع التي عمل الاستعمار الفرنسي على بثها بين المجتمع، فتصد رجال الجمعية لمثل هكذا بدع وحاربوها بشتى الطرق، ويعود الفضل في ظهور الحركة الإصلاحية ببريكة إلى الشيخ موسى زقاق الذي اعتبر رائد النهضة البريكية، حيث أسهم رفقة أعيان المدينة بعد تأسيس شعبة الجمعية سنة 1934، إلى تأسيس مدرسة وهبها لهم أحد أعيان المدينة عام 1935 إلا أن الشيخ تعرض لمضايقات عملاء فرنسا لكنه استمر في الدور التعليمي بفتح قسم للإناث، فلم تسع حجرات المدرسة التلاميذ، فتقرر فتح مدرسة جديدة تسمى مدرسة السنة تتلمذ بها زهاء 250 تلميذا في عام 1937، وبالموازاة مع ذلك تأسست جمعية دينية بالمدينة، وتأسس نادي الإصلاح، سرعان ما تعرضت المدرسة لقرار الغلق لمدة 05 أشهر، مع عودة تلاميذ المنطقة من قسنطينة فأسهموا في استمرار المدرسة ونشاطها، وكانت تبرعات تدفع في صندوق الطلبة بقسنطينة تم إحصائها من خلال أرشيف جريدة البصائر و مجلة الشهاب.
المحور السابع: رواد الحركة الإصلاحية في منطقة بريكة، وهنا تم التعريف بثمانية عشر شخصية من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من منطقة بريكة، بذكر سيرتهم ومآثرهم وأهم آثارهم، ثم التعريف بتلاميذ مدرسة بريكة لمختلف السنوات، والتعريف بالشهداء منهم من التحق بالثورة التحريرية، والتعريف بإطارات الدولة الجزائرية بعد الاستقلال معليش ملحق صوري لشخصيات الحركة الإصلاحية، وتلاميذ مدرسة بريكة.
الوسيط المغاربي: بما أن والدك رحمه الله كان أحد رجال دعوة في مدينة بريكة ، هل تأثرت به مما جعلك تهتم بتاريخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين؟
كان الشيخ عمّار جعيل أبا لجميع من تعلّم على يديه، كان حبّ مساعدة الغير والسعي في الخير هدفه الدائم، متبعا منهجا وسطيا في فترة حساسة مرت على البلاد، كي لا وهو تلميذ الشيخ محمد الغزالي وأول دفعته بالجامعة الإسلامية بقسنطينة مختصا في الفقه والمواريث، بالإضافة إلى التدريس بالمتوسط والثانوي لمادة العلوم الإسلامية، كان نشطا بالإمامة متطوعا ومدرسا بالمدرسة القرآنية لمسجد الشيخ عيسى يحياوي ( العتيق )، وأول ما تبادر إلى أذهاني حول جمعية العلماء المسلمين كان بفضله، حيث كان يسعى أن يدون تاريخ مسجد العتيق ومدرسته القرآنية وإعداد بطاقية شاملة معرفة برجال الإصلاح وكثيرا ما قدم دروسا وخطبا حولهم، فكانت هذه الانطلاقة الحقيقية وراء سبيل إخراج هذا العمل إلى النور.
الوسيط المغاربي: هل تحدثنا عن بدايات تشكيل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مدينة بريكة أثناء العهد البائد ، أي عهد الاستدمار الفرنسي البغيض؟
  يعود الفضل في ظهور نشاط الجمعية بمدينة بريكة إلى الشيخ موسى زقاق رحمه الله، الذي بادر إلى تأسيس شعبة للجمعية سنة 1934 على ما توفر لدينا من وثائق، ثم تأسست مدرسة لتعليم البنين والبنات سنة 1934-1935، وحضي الشيخ بزيارة للعلامة ابن باديس نصبه خلالها إماما لمسجد بريكة سنة 1937، ثم بادر الشيخ موسى زقاق سنة 1937 إلى تأسيس مدرسة السنة التي فاق عدد التلاميذ بها في أول عام 250 تلميذا، وموازاة مع ذلك تأسست جمعية دينية إصلاحية ونادي الإصلاح برئاسة السيد موصلي حمو.
وقبل تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ظهرت حركة إصلاحية ذات تعليم ديني بسيط مطلع القرن العشرين، تصدرها شيوخ الكتاتيب القرآنية في تعليم وتهذيب الأولاد وإصلاح ذات البين، وبعد تدرج التلميذ يرسل لاستكمال دراسته بالزوايا القرآنية القريبة مثل الزاوية الرحمانية بطولقة وزاوية سيدي عقبة، ومنها ينتقل التلميذ لاستكمال دراسته بجامع الزيتونة بتونس أو القرويين بالمغرب الأقصى أو الأزهر الشريف بمصر، وبعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أرسل تلاميذ المنطقة إلى قسنطينة للنهل من مختلف العلوم على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس ومشايخ الجمعية، وتخرجت دفعة سنة 1934 ومن تلاميذ المنطقة بها: الشيخ عيسى يحياوي، الشيخ محمد الدراجي ميهوبي، الشيخ محمد بعلي الشريف بن عامر، الشيخ أحمد حفيظ….
الوسيط المغاربي: ما هي أبرز معالم الأثرية في مدينة بريكة؟
بحكم تجربتي السابقة والحالية كرئيس لجمعية تاريخية ثقافية، سعينا إلى جرد كل المعالم الأثرية لدائرة بريكة ومنطقة الأوراس، كي لا والمنطقة تزخر بكم تاريخي هائل مغيب، إذا علمنا أن مدينة طبنة مرت على أراضيها خمس حضارات تاريخية أهمها في الفترة الوسيطة الإسلامية حين تحولت المدينة إلى عاصمة بلاد المغرب الإسلامي ثم عاصمة لإقليم الزاب الفسيح، وأنجبت المدينة خلالها أزيد من عشرين شخصية سادت في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا ما تناولناه في دراسة تاريخية أولى بعنوان: ” معجم أعلام طبنة في العصر الوسيط “، ونحن اليوم في مراسلات إلى المصالح الوصية للإسراع في ملف حماية المدينة والتنقيب على آثارها.
الوسيط المغاربي: بعين الباحث في التاريخ كيف ترى اهتمام سلطات في الجزائر بتاريخ الوطن المجيد؟
بالرغم مما تشهده الجزائر من زخم حول إعادة كتابة التاريخ أو الاهتمام بالأرشيف إلا أن الباحث يصطدم في كل مرة بعراقيل عديدة خاصة في مجال البحث في الأرشيف الوطني.
الوسيط المغاربي: في الوقت الذي أستطاع الأتراك ترويج الى رموزهم الى كل أنحاء العالم من خلال مسلسلات ضخمة على غرار “قيامة أرطغل ” و “المؤسس عثمان” يخرج لنا في الجزائر البعض ومن مشكاة واحدة الطعن في تاريخ رجالنا من “الأمير عبد القادر” الى “عبد الحميد بن باديس” رحمهم الله، إلى ماذا يعود ذلك وما دور المؤرخين في مثل هذه القضايا؟
نحن هنا بين نارين: المؤرخ الغائب عن الساحة الوطنية، والمؤرخ المغيب عمدا، وخير جواب أسوقه عن هذا السؤال هو مقولة لشيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله رحمه الله حين قال: ” و أمام ظواهر الخوف من التاريخ و كتابته و التشرذم الثقافي و تحطيم الأبطال و الرموز ، و أمام غياب المركزية الواعية الموجِّهة وفقدان الحرية الفكرية، و غياب الحوافز ، كيف نتصور أن يولد المؤرخ و يمارس نشاطه و تجديده لتاريخ شعبه؟ لقد كتبت مرة ولا أدري أين، أن الأمة العظيمة هي التي تلد المؤرخ العظيم، و أن الأمة القزمة هي التي تلد المؤرخ القزم، فنسأل أنفسنا إذن: هل نحن شعب قزم ومن ثمة فإن ما عندنا من مؤرخين قدماء ومحدثين ما هم إلا مجرد أقزام، وماذا تنتظر من شعب يحطم أبطاله بفأسه، ويمزق كيانه بيده ولسانه ( ثقافيا )، ويخشى أن يتحرك في رابعة النهار ويفضل العيش في ظلام الكهوف؟ “.
الوسيط المغاربي: ما رأيك في واقع يوميات القضية الفلسطينية؟
وجب التصالح بين مختلف الأطراف الفلسطينية، واستمرار الدعم للقضية الفلسطينية عربيا ودوليا.
الوسيط المغاربي: ما الرسالة التي توجهها إلى الشباب؟
على الشباب أن يعي حجم المسؤولية اتجاه الوطن بالرغم من منغصات الحياة اليومية والتي نعاني منها اليوم كغياب التوظيف ومتطلبات الحياة، وهذا ما جذب الشباب إلى فكرة الهروب من الواقع عبر عدة طرق منها الهجرة ( الحرقة ) أو تعاطي وبيع الحبوب والمهلوسات، فيجب على الشباب أن يتكل على الله أولا وآخرا.
الوسيط المغاربي : ما العبارة أو الحكمة التي تستند عليها في حياتك؟
كان الوالد دائم الترديد لهذا الحديث القدسي:
” يا محمد عش ما شئت فإنك ميت و أحبب من شئت فإنك مفارقه و اعمل ما شئت فإنك  مجزي به واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغنائه عن الناس ” ، والبيت الشعري لحسان بن ثابت:
لساني صارم لا عيب فيه *** وبحري لا تكدره الدلاء
الوسيط المغاربي: كلمة ختامية للقراء؟
  نشكر جريدة الوسيط المغاربي على هذه الفسحة التاريخية، ونتمنى لها أن تستمر في تنوير المجتمع عبر المقالات المتنوعة والثرية الحافلة والحافظة لتاريخ الوطن الحبيب.
حاوره أسامة هوادف
%d مدونون معجبون بهذه: