الاشتباك السياسي والدبلوماسي والقانوني مع الاحتلال

الاشتباك السياسي والدبلوماسي والقانوني مع الاحتلال

 

جاء خطاب السيد الرئيس ابو مازن أمام الأمم المتحدة ، ليؤسس  لمرحلة جديدة ، عنوانها ( الاشتباك السياسي ، والدبلوماسي والقانوني مع الاحتلال  ) ، وقد كان خطاباً شاملاً ، ومتكاملاً ،لأن  قضيتنا ، تمر بمنعطف  خطير ، بسبب  تعنت حكومة المستوطنين ، حكومة المستوطن ( نفتالي بينيت )  ذات الأيديولوجيات المتناقضة  ، التي تسابق الزمن لفرض الوقائع  على الأرض ، لنسف حل الدولتين ، ولقد دللت تصريحات هذا المتطرف بما لا يدع مجالا للشك أن حل الدولتين غير موجود على أجندة حكومته ، لذا  فإن مرحلة الاشتباك السياسي والقانوني ،والدبلوماسي  ستشهد  نضالاً مريراً مع المحتل وان أدوات الصراع  حكومة الاحتلال ،ستتغير لا محالة وان كافة الخيارات مطروحة على الطاولة.

ومما لاشك فيه  أن المعركة ستكون حامية الوطيس وان مرحلة  الاشتباك السياسي ستشهد صراعاً مريراً  مع المحتل  أمام  منصات المنظمات الدولية وخصوصا، محكمة الجنايات الدولية، التي لا تتأثر بالفيتو الأميركي ولا بالتهديد الدولي، مما وضع الطغمة الحاكمة من اليمين المتطرف   في حالة من التخبط واطلاق التصريحات التي لا قيمة لها سوى الإستهلاك الاعلامي،

القيادة الفلسطينية  تستند  إلى ملفات عكفت على تجميعها خلال عقود من الزمن لمحاسبة الاحتلال على جرائمه التي ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني ، لذا فإن  هذا الملف بات يؤرق  قادة الاحتلال  ،فقاموا على إثر ذلك بعمل تنسيق جدي ومعمق مع   حلفائهم وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية “العاجزة” أمام القرار القضائي الذي سيدين الكيان الغاصب  بلا شك ويحاسبها على ما ارتكبته من جرائم.

ومن يتابع تصريحات (حكومات  المستوطنين المتعاقبة ) من  المجرم الارهابي نتنياهو وحتي تلميذه ومدير مكتبه بينيت   حول امكانية منع دخول المحققين الدولين إلى الأراضي الفلسطينية وعدم التعامل  معهم يتأكد وبقوة  يأن دولة الاحتلال لا يمكنها الوقوف في وجه قرار المدعية العامة لمحكمة الجنايات الدولية،( فاتو بنسودا ) ، التي أمرت بفتح تحقيق في جرائم الاحتلال في الاراضي الفلسطينية المحتلة، لعدة أسباب أهمها، أن فلسطين عضو في المحكمة وهي من تقدمت بالطلب، وهي من ارتكب بحق شعبها جرائم بشعة   وحرب إبادة  ومصادرة الأراضي تحت جنح الظلام  وتهويد القدس وقتل الاطفال والشباب الأبرياء وممارسة الابرتهايد  ، وقرصنة الأموال الفلسطينية من عائدات وغيرها من الممارسات البشعة التي تتنافى مع القوانين والأعراف الدولية والإنسانية

وهنا  نتساءل :

هل تستطيع  حكومة الاحتلال  عدم التعامل  مع قرار المدعية العامة حول جرائم حرب ارتكبت بحق الفلسطينيين، ومن بينها منع محققي المحكمة من الوصول إلى فلسطين ؟

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا :اذا  تم. منع  المحققين ،  هل يضع الكيان في عزلة دولية ؟

 

لقد أُنشأت  محكمة الجنايات الدولية بموجب اتفاقية روما، وانضم إليها أكثر من مائة دولة، وهى ملزمة لهذه الدول باعتقال مجرمي الحرب الصهاينة الذين ارتكبوا الفظائع والجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية ، ومن هنا يضع مصداقية  المجتمع الدولي على المحك ،   ،ومنع  مجرمي الحرب  من  السفر  أو المرور عبر الدول الموقعة على ميثاق روما والمتضمنة لمحكمة العدل الدولية ، الأمر الذي يضعهم في حصار ويقطع عليهم سبل التواصل مع العالم الآخر.

لقد  وضع قرار  (بانسودا ) بفتح تحقيق في جراىم الحرب الصهيونية حكومة الإحتلال  في أزمة لذا ، عكفت  على دراسة ملف الجنايات الدولية بكافة تفاصيلها، فارتعدت فرائصها ،   فأوكلت ذلك لكبار المسؤولين في الخارجية   من أجل البحث عن مخرج، و أن ما يزعمه قادة الاحتلال حول الملف وما صدر عنهم من تصريحات لم تعد مجدية بالتعامل مع الواقع، وأنهم أمام واقع لعل  الولايات المتحدة  الأمريكية  تنصفهم  ، باستخدام حق “الفيتو”.

لقد استخدمت حكومات الاحتلال  المتعاقبة أسلوب   المناورة والتسويف وخلط الاوراق كعادتها ،   وطرح ملفات أخرى،ومنها نزع الشرعية  عن مقاومة شعبنا الاحتلال ، مع أن كافة الشرائع السماوية والدولية أقرت مقاومة المحتلين بكل السبل ، لذا فإنها تذهب إلى طرح ملفات اخرى ، كطوق نجاة ، ظناً منها أن ذلك  ينقذها من حجم الجرائم التي ارتكبتها والإبادات بحق الشعب الفلسطيني، للحيلولة دوم  تقديم قادتها لمحكمة الجنايات …

صناع القرار  في الولايات المتحدة الأمريكية،   يعارضون بشدة  فتح المحكمة الجنائية الدولية لتحقيق في جرائم حرب إسرائيلية، لذلك نجدهم  يعارضون  هذا الأمر، وأي عمل آخر يسعى لاستهداف الكيان الغاصب ودائماً  الحجة جاهزة وهي أن  الفلسطينيين  ليسوا مؤهلين للحصول على عضوية كاملة أو المشاركة كدولة في المنظمات أو الكيانات أو المؤتمرات الدولية، بما فيها محكمة الجنائية الدولية”.

لقد ادت خطوة  مدعي عام المحكمة ( بانسودا )  بفتح تحقيق كامل بشأن جرائم حرب، ارتكبت  ضد شعبنا  إلى رد فعل غاضب من اليمين  المتطرف نتنياهو رئيس وزراء الكيان وأنه ،  بعث برسائل عاجلة إلى زعماء العالم يندد فيها بقرار النيابة العامة لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي. وقال نتنياهو في الرسالة: “هذا يوم أسود للحقيقة والعدالة، تحويل المحكمة الدولية إلى سلاح سياسي في الحرب ضد كيانه الغاصب . وانه  لا صلاحية للمحكمة الدولية في هذا الأمر.، هناك سلطة للمناقشة ليس فقط أن الحديث يدور عن دعاوى مقدمة من قبل دول ذات سيادة، ولا يوجد دولة فلسطينية”. وأضاف: “قرار المدعية العامة في لاهاي يحول المحكمة الجنائية إلى سلاح سياسي في الحرب لنزع الشرعية ضد (إسرائيل)، المدعية تجاهلت تمامًا التفسيرات القضائية الجدية التي عرضناها أمامها “.

وفي الحقيقة وقبل سي سنوات   قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة  في عام ٢٠١٢ رفع مكانة فلسطين إلى دولة مراقب في الأمم المتحدة، وقد أيدت( 138)  دولة ذلك، وعارضته تسع دول، وامتنعت 41 دولة، بينما في 2015: أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا طالب الأمين العام للمنظمة الدولية برفع العلم الفلسطيني فوق مقر الأمم المتحدة في نيويورك، إلى جانب باقي دول العالم، وعددها 193 دولة عضوة في الأمم المتحدة، وفي 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2015: طالبت الأغلبية الساحقة من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة إسرائيل بإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية.

وقد أصدرت حكومة  الاحتلال بياناً أعربت فيه   عن معارضتها  الشديدة لقرار المدعية العامة للمحكمة الجنائية. وزعم قادة الكيان أن دولتهم ( دولة  قانون ديمقراطية وملتزمة وتحترم القانون الدولي والقيم الإنسانية ) وهذا الالتزام متجذر في قيم وطابع الدولة، ويضمنه النظام القضائي  وأنه لا يوجد مجال للتدخل القضائي الدولي في هذا الموقف .

وعند صدور بيان بانسودا طالب أحد المتطرفين في حكومة الاحتلال،  في رده على قرار المحكمة الجنائية نتنياهو “بتدمير السلطة الفلسطينية، لأنها تسبب لنا الكثير من الضرر السياسي”، وقال عبر تغريدة في تويتر: “الفوائد الكامنة في وجود السلطة الفلسطينية بالنسبة لدولة (إسرائيل) منذ فترة طويلة لا تساوي الضرر السياسي الكبير الذي تسببه لنا”، وتوجه إلى نتنياهو وقال: “قم بهدم الخان الأحمر وكل يوم قم بتدمير موقعًا غير قانوني للعرب والأوروبيين. استرد ثمنًا باهظًا من جميع الأطراف. في العام القادم سيكون لك دعم أمريكي وهذا أمر كاف”. أما رئيس “أزرق أبيض”، بيني غانتس، فرد على البيان الصادر من ممثلة المحكمة الدولية الجنائية في لاهاي بـ “أن هناك أسباب لادعاءات بارتكاب جرائم حرب بالأراضي الفلسطينية”، وتابع: ” هذا قرار سياسي وليس قضائي”

 

وذكرت أن هذا القرار جاء نتيجة لطلب من فلسطين. لكنها أشارت إلى أن التحقيق لن يبدأ إلا بعد أن تحدد الدائرة التمهيدية، بناء على المادة 19 (3) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الإقليم الذي يمكن إجراء هذا التحقيق بشأنه، “بالنظر إلى القضايا القانونية والواقعية الفر

خطاب السيد الرئيس في الأمم المتحدة يعيد صياغة الاشتباك السياسي مع الاحتلال ، واعتماد  ما جاء فيه كبرنامج سياسي تُجمع عليه كافة القوي  في المجتمع الفلسطيني ، ويؤسس لقواعد( الاشتباك السياسي والدبلوماسي والقانوني)  في مواجهة الاحتلال الصهيوني  وفي صياغة العلاقة مع المجتمع الدولي، خاصة في الشق المتعلق بالاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة وإقامة دولته المستقلة على ترابه

القضية  ياسادة في غاية الأهمية ، لذا  يجب علىنا وضع استراتيجية وطنية وبموافقة الكل الفلسطيني  لتفعيل الآليات الدولية القائمة ضمن أجهزة الأمم المتحدة لتوثيق الممتلكات التي تم الاستيلاء عليها إثر النكبة في كافة أراضي الـ48، بما في ذلك القدس، وذلك لتثبيت الحق الفلسطيني التاريخي في أرضه، والتوصية بتأسيس الفرق القانونية المتخصصة  لانجاز هذه المهمة الوطنية وعمل الورش العلمية  واللقاءات مع الخبراء والسفراء والتفاعل مع قرارات الشرعية الدولية  التي أقرتها الأمم المتحدة ضمن الآلية الخاصة التي اعتمدتها لهذه الغاية، وذلك لحماية حق العودة وتثبيت ما يترتب للشعب الفلسطيني من حقوق بالتعويض.

ضرورإعادة صياغة الخطاب السياسي الفلسطيني بما يتماشى مع ما جاء في خطاب الرئيس، وتوسع أدوات الاتصال، وتطوير مضامين الخطاب بما يؤثر ايجابيا في القطاعات التي تؤثر في صياغة السياسة العامة في تلك البلدان، ومخاطبة  الذين يحملون أفكاراً تقدمية في الحزب الديمقراطي، وإبراز زيف ادعاء الكيان  بالديمقراطية، وغيرها من مضامين مؤثرة في لغة وأدوات الخطاب، وتأسيس لهذه الغاية دوائر  مهنية مختصة  لاستنهاض العمل الدبلوماسي القوي القادر  على رفع الوعي العام إزاء القضية الفلسطينية، وبيان مخاطر استمرار الاحتلال على السلم العالمي.

إن الاشتباك السياسي والقانوني والدبلوماسي يحتم علينا  إجراء كافة التحضيرات القانونية التي تضمن تطبيق أفضل ومتابعة متخصصة للإجراءات القانونية الممكنة في المحاكم  الدولية، والنسيق الكامل مع أصدقاء الشعب الفلسطيني ، والمؤمنين بعدالة قضيتنا وكل الأحرار والشرفاء في العالم ومخاطبة العالم بلغته ، وتوضيح مخاطر برنامج حكومة بينيت التي تسعى جاهدة إلى  قرار الضم الذي يشكل إحدى أدوات الضم إلى جانب مشاريع الاستيطان، والعمل على إنقاذ حل الدولتين كمحاولة أخيرة ضمن مهلة زمنية محددة؛ والا  سيكون للشعب الفلسطيني بدائل وخيارات يستخدمها في حينها في حال أصر الاحتلال على إفشال حل الدولتين ضمن تلك المهلة الزمنية.

 

إن المعاناة التي يعيشها شعبنا  يومياً تستدعي من المجتمع الدولي توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني على أساس قرارات الأمم المتحدة، وذلك من خلال التحرك وفق مسار قانوني وسياسي إقليمي ودولي، وبلورة الخطاب الوطني مع فصائل م.ت.فأن خطاب السيد الرئيس يجعلنا تتسلح بالسياق القانوني   وكيفية ترجمته بصفته وثيقة قانونية دولية إلى آليات عمل للتصدي لانتهاكات الاحتلال، وتحميله المسؤولية القانونية والجنائية الكاملة وفق أصول القانون الدولي الخاص بمحاكمة مجرمي الحرب …

 

لقد كان  الخطاب  مهما في توقيته، كونه الخطاب الأول أمام الجمعية العامة في مرحلة ما بعد( ترمب ونتنياهو ) ، مبينا أنه أخذ زمام المبادرة من الجانب الصهيوني  وجعله  في موقف رد الفعل،وفضح جرائمه ، ووضع  صناع القرار في  المجتمع الأمريكي ، في صورة ما يحدث  وخاصة أعضاء الكونغرس من الديمقراطيين الذين ضاقوا ذرعاً من عنجهية الاحتلاالاشتباك السياسي والدبلوماسي والقانوني مرحلة تحتاج توحيد الجهود ، والتنسيق بين كافة المؤسسات الحكومية والأهلية من خبراء القانون والسفراء والدبلوماسيين المحترفين.

بقلم:  جلال نشوان