الأدب والثقافة كما يراهما الأستاذ الأديب الطاهر يحياوي.

الأدب والثقافة كما يراهما الأستاذ الأديب الطاهر يحياوي.

الأدب هو ترجمة لمشاعر الإنسانية وحسها على شكل عواطف وأفكار ومفاهيم وخواطر وهواجس و متقلبات الدواخل والصدور, الكوامن والمتناقضات وما يختلج بينهما بأجمل الأساليب الكتابية وأعمقها شعرا ونثرا ونصوصا مختلفة تجتمع فيها كل المشارب, من السياسة إلي الكياسة ومن الرواية إلي الفن والثقافة, وكذلك التعبير أو العلوم اللغوية الراقية التي تفتح لنا أبواب المعرفة والعلم والتواصل لنسبح و نغوص في الفلسفات والروحانيات وخيال الكلمة وخفقان الحروف, لنتصافح حسيا و نتشابك روحيا ونكمل النواقص ونقوي الروابط وينتعش الفرد وتسمو المجتمعات بالمعرفة والفكر البناء والثقافة التي تبقى الرابط العالمي الذي يستمد جذوره من الحضارات القديمة التي ما تزال عذراء تلهمنا كل يوم وتبعث فينا حب الإطلاع وتشعرنا أننا برغم ما توصلنا إليه لا نزال نتعلم, ورغم ذلك لم يستطع العلم الحديث الوصول إلي فهمها و فك طلاسمها والغوص في كنهها.

كما أن للأدب أنواع وهو نتاج تطور الثقافات وقد وثق لنا التاريخ العديد منه, مثل الأدب العربي والفارسي والأمريكي والألماني وغيرهما, كما أن للفلسفات العاطفية التي اعتمدت من طرف بعض الكتاب والأدباء للتأثير على المتلقي تبقى هي الأكثر شيوعا, لأن للعاطفة كلمة في الأدب في حره وجره وفي قوافي السهر وارتجال السمر وسرد سحر الطبيعة وجمالها, ورعشات القلوب وخفقانها ومد الأمومة والرحم وفيضان المشاعر في عمق الروائيين والكتاب, إن للرقة ورهافة الحس تأثير لا يدركه إلا من نهموا من قصص و روايات الأدب العالمي.

الطاهر يحياوي أديب جزائري معاصر,من أعمدة الأدب في الجزائر, عصامي ساد بشرف نفسه واجتهاده, أبن بيئته التي جمعت الأصالة والكرم والشهامة ورسمتها بالجهاد, وقد عرفت ولاية المسيلة العديد من الحضارات المتعاقبة, فقد استولى عليها الملك ماسينيسا ما بين سنة 200 و 193 قبل الميلاد واحتمى بها الملك يوغرطا هربا من ملاحقة الرومان له سنة 106 قبل الميلاد, كما رسم معالمها الأمير الفاطمي أبو القاسم وخطط عمرانها علي ابن حمدوند وهذا سنة 927م, حيث أصبحت قاعدة عسكرية وإستراتيجية في حماية ظهر الدولة الفاطمية ضد قبائل زناتة العربية.

كما إنه من عائلة مجاهدة ومن منا لا يعرف العقيد المجاهد الرمز محمد الصالح يحياوي رحمه الله الموسوعة الفكرية والسياسية والنضالية، فهو من طلبة المعهد الباديسي بقسنطينة ووالده الشيخ عيسى يحياوي خريج الجامع الأخضر ومن الطلبة النجباء الذين اختارهم الشيخ عبد الحميد بن باديس للتدريس بجامع سيدي قموش بقسنطينة.

منذ أن تخرج من الجامعة أنخرط في العمل الصحفي حيث وضع نصب عينيه خدمة الأدب وتطور الثقافة التي أحبها وقدسها وجعلها قدره المحتوم ودربه المرسوم وخاصة تلك التي تحمل مشروعا إيجابيا وفكرا معاصرا أصيلا متأصلا, وتحلم بإنسان مكرم ووطن شامخ عزيز, والتي مازال لحد الساعة يؤمن بها كوسيلة لتطور الإنسان وتحصين المجتمعات وبناء الأوطان, فهو يعيش للجزائر يريدها جزائر عزيزة شامخة, منارة علم وحضارة, مصدرة للقيم الإنسانية والتحضر في كنف التعايش السلمي الذي يجعلها مستقرة آمنة.

فلسفته في الحياة فلسفة بناءة نابعة من أعماق وطنيته الصلبة التي تحب الخير للجميع, مكملة متممة, خيرة آمنة مؤمنة, فلسفة لها أبعاد ثورية بناءة, تستمد وحيها من جذور ثورتنا المباركة درة الدرر وقدوة الثوار في كل الأصقاع, حيث قال في أحد حواراته( إن سير الزمن وميلاد الأجيال عبر مديد من الزمن يولد تراكمات مختلفة وأحيانا متداخلة وعلى صاحب الفهم والرؤية والتسديد أن يعيد غربلة الركام للعودة إلى المنابع الصافية أن كثيرا من أنواع التيارات الفكرية والثقافية السلبية متراكمة داخل هذا الكم, لذلك لابد من فكرة البعث الجديد لأفكار جديدة لامعة ومدهشة ومغرية ومؤثرة لكنها منسجمة مع القيم لا تهرم ولا تتناقص لذلك ستظل المقاس السليم لمسيرة الفكر والإبداع, إن الغرب في ثقافته يحتكم إلى نظريات ومقولات ونحن نحتكم إلى قيم. وهنا ترى الفرق بين نظرتنا ونظرتهم .وتجد أن الإبداع والفكر القائم على أسس القيم يساير الحياة .في أعمق عمقها وروحها بينما تجد النظريات تأويلات وتصورات تموت بعد حين من الزمن لتخلفها أخرى. أما ثقافة القيم فهي تمشي دائما إلى الأمام وتتطور إلى الأمام ولا تتراجع إلى الوراء.)

كما أن للرجل بعد نظر وبساطة روحية, فهو يقارب ويباعد وما بين الأقطاب يستنبط ويحلل ويسد الفجوات بفكره المعتدل, الذي لا تعكر صفوه المفاهيم السياسية الضاغطة ولا أدبيات الظل ولا ماديات الدنيا الزائلة , تجربته في العمل الصحفي علمته كيف يقف في صف الرأي البناء الذي يجمع ولا يفرق, يحترم كل الآراء, من رواد الإعلام الأدبي. وبناءا عليه فقد جاء في أحد تصريحاته حول الثقافة الجزائرية ما يلي: ” الثقافة الجزائرية مثلها مثل الثقافة العربية ، مشتتة المنطلقات والأبعاد, منقسمة الرؤى والتوجهات,  فالثقافة العربية المشرقية تعيش نهب الصراع بين الثقافة العربية والإنجلو سيكسونية,  والثقافة المغربية تعيش نهب الصراع بينهم العربية والفرنكوفونية, وهذا الصراع أخرنا كثيرا و فَتَّ في عضدنا وأصبحنا نعيش الصراع أكثر مما نعيش الإبداع..

كما يضيف قائلا “عندما نتحدث عن الدولة والثقافة في أي بلد عربي أو غير عربي, تبقى الدولة مؤسسة كبرى توفر الإمكانات, ولكن المثقفين هم الذين يؤسسون للثقافة والفكر والإبداعوحتى وإن أرادت الدولة أن تفعل ذلك فإنها لا تستطيع. نحن في العالم العربي كله وفي الجزائر وفي المغرب العربي نعيش قصورا نصفيا, قصور الدولة عن توفير ما يلزم , وقصور الكاتب والمبدع والمثقف عما يجب,  تصور معي إن مصر مثلا عرفت عباقرة عظاما وهي دون مستواها المالي والمادي,  اليوم في وقت ظهر أحمد شوقي والعقاد والرافعي وأم كلثوم وغيرهم , لم تكن مصر بأفضل حال منها, اليوم  يجب علينا أن نوجه التهمة الأولى للمثقف والكاتب والمبدع العربي والدولة ثانيا,  أبن خلدون ومفدي  زكرياء ومحمد العيد والشابي وأحمد شوقي وغيرهم كثيرون,  استطاعوا أن يقدموا الروائع,  وفي زمنهم كانت الظروف أقسى منها الآن بكثير.  بصراحة الكثير من الذين يوجهون التهم للدول تختلف أغراضهم ، والكثير منهم لا يسأل عن دوره.
 الثقافة تحتاج إلى النخبة المثقفة لتحميها, تحتاج إلى النقاد أصحاب الأقلام القوية, لا تحتاج إلى الحرس الجمهوري .ولا إلى رقابة الدولة,  نعم إن أصحاب الأقلام من لهم قدرة وفهم ووعي هم من يوجهون الثقافة إلى وجهتها الصحيحة. أما من حيث رعاية الثقافة ماديا وتوفير ما يلزم لبناء أمة وحضارة ،فهي مسؤولية الدولة, وعلى الكتاب والأدباء والمثقفين أن يناضلوا من أجل ذلك عليهم أن يتحركوا  من أجل أن  تأخذ الكلمة حقها الثقافي,  ولكن للأسف كل الذين يحسبون على الثقافة لا يفعلون شيئا,  يتحدثون في المقاهي والصالونات,  لكن لا يبادرون إلى مواجهة الدولة بالحقائق.

 نحن في الجزائر منذ الاستقلال حتى يومنا هذا,  لم يحدث أن قامت مجموعة بالتوجه إلى الحكومة أو وزارة الثقافة أو الرئاسة لطرق الأبواب والمطالبة بحق الأمة, الأمة بدون ثقافة و بدون رسالة  أمة حيوانية ولقد رأينا الحيوانية مرات ومرات في مجتمعاتنا العربية,  حين يتحول الفرد فيها إلى وحش يفتك بغيره. النظام العربي من طنجة إلى جاكرتا ليس له إيديولوجيا ولا رسالة معينة , وبالتالي تحولت هذه الحكومات إلى حكومات مشاريع اقتصادية وشبه اجتماعية وفقط,  لأن هذه الحكومات تعاني من ضغط كبير من الدول الكبرى. وليست قادرة على أن تحدد لوجودها صفة ما”.

الأدب عند الأستاذ الأديب الطاهر يحياوي تجربة شخصية مكتسبة من النقل والتنقل والممارسة, نابعة من أعماق الشعور تحركها وتداعبها الأحاسيس والانفعالات ، هذه التجربة يجسدها الكاتب عبر التعبير في صورة إبداعية بلاغية لفظية من الانفعالات والاختلاجات في صور ممتعة تدغدغ الشعور وتلامس الدواخل, كما إن الأدب في حد ذاته فنّ تعبيري ينقل ويترجم ويبين ويوضح ويرسم الأحاسيس فصاحة وحسا لتنجلي الأمور ويبزغ الفكر متجليا حيا, ينقلنا من ضيق المكان والزمان و واقعيتهما المحصورة إلي رحابة العالمية وبعدها بمفهوم شمولي يحتوي كل الأفكار, لأن في الاختلاف رحمة وتعدد المشارب فلسفة تفتح باب الحوار البناء الذي من خلاله يتولد الفكر وصيغ الاجتهاد ومنافذ الاستنباط. كما يعتبره تواصل واتصال بين الأجيال ونصح وهداية ومد يد المساعدة وتشجيع للشباب على الإبداع وإعطائهم فرصة للبزوغ فكريا واكتشاف المواهب الراكدة التي لم تجد من يحركها و يستنهض همتها المتراخية.

بلخيري محمد الناصر

%d مدونون معجبون بهذه: