أُميمة ( الخطيب ) ورعشةُ الإنبعاث قراءة نقدية في قصيدة ( أميمة ) للشاعر فرحان الخطيب

أُميمة ( الخطيب ) ورعشةُ الإنبعاث قراءة نقدية في قصيدة ( أميمة ) للشاعر فرحان الخطيب

تتضارب آراء النقاد في قضية طول القصيدة وقصرها في الشعر ، ويرى أغلبهم أنّ طبيعة القصيدة الغنائية تميل إلى القصر ، حيث يحاول الشاعر فيها أن يعبّر عبر مجاز محدود عن إحساس عَرَضَ ، فأحبَّ أنْ يجسّدهُ فصار قصيدةً قصيرة .

أمّا التعبير عن تلك التّصوّرات الملحميّة الكبرى ، فلا يتأتّى إلّا عبر القصيدة الطويلة ، بل لقد قاسَ بعض نقاد الشعر عظمة الشعر بنظم تلك القصائد العصماء المتلاحمة ” ويطمح أكثر الشعراء لنظم قصائد طويلة ، ويمكننا أن نقول – تقريبا – إنَّ الإختلاف بين شاعرٍ مُفلّقٍ وشعرور إنّما هو القدرة على نظم قصيدة طويلة نظماً ناضجاً . . )١

ومن هنا ، تبدأ قصيدة ( أميمة ) للشاعر فرحان الخطيب بغزل ، يتبادر للمتسرع في تلقّيها بأنّه غزلٌ ” عُمَري ” ، ولكن هي دعوة لانتزاع أنوثة نقيّة ، لا للذّة أو متعةٍ صاخبة ، بل طلب للتجذّر والبقاء ، فأميمةُ ” الرمز ” مدعوّةٌ لأن تنشر ضفائرها الوارفة لتحمي هامات الرّجال ، وإنْ لم يتبقَّ من تلك الضفائر إلّا القليل القليل ، يدعوها الشاعر للحب لعلّها تستطيع ان تريح أبناءها المتعبين ، الذين نسوا كل معنى للاستيقاظ والقيام ، وباتوا كما المومياوات المحنّطة ، لا تحييهم رعشة حُبّ أو حياة من أيّ صوب أتتْ ، أوْ هم على – أقلّ تقدير – مازالوا يزحفون خلف القوافل الراحلة يحدوهم الحُداء ، وتقودُهم تهويمات الخرافة والتّطيّر ، بين نعيق غراب ، ونعيق عرّافات الزّمن المجدب ، فينسون حتى الغناء تطيّراً ، فالصّورُ تترادف لتوحي بحالة الجمود الحضاري الذي لايسيرُ بأبناء هذه الأُمّة ، فلا تفارقهم حالة التّحجّر والتّصحّر ، فالانتظار كما المدى ، لا ينتهي ، والسّهاد يشلّهم عن الحراك ، وصورة الأوابد التي لا توحي إلّا بالجمود والموات ، فتغيب اية بادرة حيويّة ، ونعيق الغراب الذي تطيّرَ منه إنسان هذه المنطقة ، فيصدّهُ عن أيّ فعلِ حياةٍ مؤثّر . يقول :

” هاتي لرعشتنا أنوثتكِ النقيّةَ للبقاء ..

هاتي ضفيرتَكِ أنشريها فوقَ هامتنا بقايا من غطاءْ ..

هاتي ذراعَكِ وسّدينا ..

وامنحينا غفوةً ..

فالانتظار كما المدى ..

ويشلّنا ثقلُ السّهاد ..

أم أننا كأوابد التاريخِ تحنيطاً كقَدِّ المومياء ..

كالزّاحفين إلى سَرابٍ في حُداءْ ..

وكُلّما نعقَ الغرابُ ..

يصدُّنا رجعُ الصدى ..

نهْوي .. فيرتجُّ الحُداءْ ..) ٢

ولكنّ هذه الأصوات الفجائعية ، لا تُسلم الشاعر إلى يأس مرير ، بل يناشد الأمّ الأرض ( أُميمة ) في المقطع الثاني علّها تستطيع أن تعطي من أنوثتها النّقية بعضاً من حياة ، وقد تطاول زمن اليأس ، فتشظّتْ ذات الإنسان في هذه الأرض ، وفقدت أية رغبة في الفعل القادر على التّغيير لإعادة الرّونق والدّماء إلى العروق التي جفّت وتيبّستْ ، يقول :

” هاتي حياةً قدْ كرهتُ تبعثري ..

تُرْباً .. حصاةً ..قشّةً أو حُقَّ ماءْ ..

جسدي تشظّى ..

فابعثي  خِصْبَ الحياة لهمّتي ..

ولرونقي بعضَ الدّماءْ ..

أسري ..

فيذروني السُّرى ..

فأُلملمُ الأشلاءَ مُصطاداً تواليها ..

فيغشاني التّبسمُ والبكاءْ ..

أكملتُها ..

اكملتُ شكلَ تشكّلي ..

دعني أقلْها ماخشيتُ الازدراءْ

لا زلتُ في طور النماءْ ” ٣

يدعو الشّاعر الأرض لكي تستفرَّ بأنوثتها النّقيّة ، أنوثةِ الأرض المعطاء ، إنسانَ هذه الأرض ، فتبعث فيه الخصب والحيوية والطاقة ، تبعث القوّة ليعيد تشكيل ذاته ، فيستعيد النبض الذي خبا فيه ، وليستعيد إحساسه بوجوده ، بين فرح وحزن .

وفي المقطع التالي ، يُسلم نفسه للذكريات مبتدئاً من البدايات الأولى ، فبالرغم   من ( القيظ المكفهرّ ) و ( بقع السّواد ) في بدايات هذه الأمّة ( أميمة ) لكنّ إنسانها بدأ إنسياحه من الشرق نحو الغرب ، فكان المشرق والمغرب سُدى كبريائه ولحمته التي نسجت عُرا أمّة شامخة ، كانت إذا انتفضت تنتعشُ الرّبى ، ولا يستريحُ أبطالها إلّا لتنطلق خيلُ الفتحِ ، فيشتعل الصّهيل ، بكل أرض ، ويرتجّ الفضاءْ ..

” .. هل تذكرين لقاءَنا حينَ ابتدأتُ أجولُ في تغريبتي ..

والشرق من عينيهِ طرّزنا خيوطَ الكبرياءْ ..

وإذا  تهبُّ الأرضُ تنتعشُ الرّبى ..

كي يستريحَ كميُّها ..

وتدقُّ حافرَها الخيول هوىً..

 فيشتعل الصّهيلُ ..

يرجُّ أروقةَ الفضاءْ ..” ٤

كلُّ  هذا  الزّهو  في شريط الذكريات ، سرعان ما تجزرهُ مقاطع من سواد مرّت على ( أُميمة ) هذه الأرض الولود .

فمّمن نشروا بقعَ السّواد ، همجُ التّاريخ وتتارهُ ، هادمو الحضارات العامرة ، وقد رموا صحائف الحضارة وأحرقوها فسال النهر أسود من أذاهم ، ليتمزّق قلب إنسان هذه الأرض ، الذي نزعوا عن هامه كلَّ معاني الفخر والسّؤدد والكبرياء ، نزعوا غار النصر والبهاء ، يقول :

” هل تذكرين نزالنا في يوم قيظٍ مكفهرٍّ ..

مزّقوا فيه الضياءْ ..

وهناك والبرديُّ وحيٌ من إلهْ ..

وهناكَ والشلّال فيضٌ من إلهْ ..

كم أكثروا بقعَ السّوادْ ..

همجٌ وتيمور انتشى ..

أرأيتِ كيفَ النّهرُ يمشي ..

في تثنّيهِ اختراقُ الخاصرهْ ..

تلقاهُ كلُّ شواطىء الضّادِ احتراقاً من لهيبِ الهاجرهْ ..

كم صيّروا جبهاتنا منزوعة الغارِ الذي ما اعتاد كيف الانحناءْ ..

من حينها ..

ألمُ المخاضِ لأمّتي ..

ولغيرنا تَلِدُ السّماءْ ..” ه

فمنذ تلك اللحظة التاريخية ، وإنسان هذه الأرض يعاني ، يعاني من آلام مخاضات لا تنجب ، فما هي إلّا حمْلٌ كاذبٌ ، يعاني ، ولا يأتي المخلّص ، لا يأتي هورس ولا يأتي المسيح ..

في المقطع الخامس ينادي ، وقد ابتعدت الأرض المرجوة ، الأرض الطُّموح ، الارض الأمان ، عن إنسانها ، فيدعو أميمة لعلّها تقرّبُ شواطئها ، شواطىء الحياة الطافحة بالكرامة والكبرياء ، وقد باتت بعيدة ، فلم تعد ساحة سؤددها إلّا ساحة للحنين الموجع ، وقد غابت وباتت أمنيةً للعودة إليها ، ولو على أجنحة التمنّي ، لعلّها تُعيد هذا الإنسان ولو إلى صحرائها البكر ، والتي ولّدت كل هذا العنفوان المفقود ، الذي ملأ الأرض سناء وسناً لعلّها تعيد إليه لحظة الانبثاق والانطلاق .

” هاتي شواطئكِ ادفعيها باتّجاهِ تلهّفي ..

فالبرُّ ينأى والمياهُ عنيدةٌ ..

والروح نازعها الحنينْ …

والقِرْشُ ساحتهُ البحارُ ..

وما استباحَ توجّعي ..

لو كنتُ أعرفُ كيفَ ينسحبُ الطّريقُ إليكِ ..

للشطِّ الأمينْ ..

هاتي جناحكِ واحمليني باتّجاهِ ضفافنا ..

كالفاتحينْ ..

لا عشتُ أرعى إبْلَنا ..

وهزيلُها عندي سمين .. ” ٦

 وفي المقطع السادس تتابع صور الحنين النّاشج على أرضٍ ، وعلى أمّةٍ باعت كلّ قيمَها .. يقول :

” هاتي اصفرارَ الرّاحلينَ ..

على كُتيّبِ طفلتي ..

ف ” وحيدُ ” تزهو بالغناءِ ..

ولاتداري لهفتي ..

وفتىً يديرُ النّشوةَ الحمراءَ في إبريقِ ماءْ ..

ويرنُّ بالسمع الحُداءْ ..

جاءتْ أُميمةُ تندهُ السُّلطانَ نازعةَ الحياءْ ..

فإذا اسْتُبيحَ الرّبعُ ..

ما معنى استتارُكِ يا أميمة بالحياءْ ..” ٧

وما أُميمة إلّا الأرض ، الأمّ ، وقد صغّرها إمّا تعظيماً وإمّا تحبّباً ، وكلا الأمرين جائز .

ولكن لا يفوت الشاعر ان يذكّر نفسَهُ وأمّتهُ وأرضَهُ – في المقطع السابع – بما قام بهِ إنسانُ هذه الأرض ، منذُ أنْ كان ” بمنعرجِ اللوا ” حتى انساقت قوافل خيله الجامحة شرقا نحو العراق وما يليها ، وغرباً حتى تلمسان وما بعدها ، فصبغ الأرض بمائه ولسانه على الرغم من كل المصاعب التي عبّرَ عنها بالزّمهرير والتي لم تثنِ آمالَهُ العريضة ، ليرشَّ  بذارَهُ  في  قحط الصّحراء فتثمرُ وتحدوهُ الآمال العريضات ، يقول :

” أنا يا أميمةُ ما انتظرتُ المنجنيقَ لكي يدكَّ شواهقي ..

ويُخلَّ في أُسّ البناءْ ..

لو تذكرينَ قوافلي صوبَ العراقِ ..

إلى صحارى تلمسانْ ..

لو يا أُ ميمةُ تذكرينَ جموحَنا ..

والزّمهريرُ يفتُّ غضَّ إهابنا ..

ويكادُ يندثر الرّجاءْ ..

لو تذكرينَ أُميمة الوادي ” بمنعرج اللوا “

قحطٌ ثراهُ يهزّنا عصْفُ الخُواءْ ..

لو تذكرينَ كما تذكّرتُ أنا ..

ماقلتِ كيفَ نرشُّ فيهِ بذَارنا ..

وسماؤنا من دونِ ماءْ ” ٨

وفي المقطع الثامن والاخير يلوذُ الشاعر الخطيب ، بل يلجأ إلى الأمنيات ، فهذه الأرضُ ، الأمُّ ، أميمة ، التي يظنُّ رائيها أنها عقمت ..ماذا لو ظهرتْ عليها سمات الحَمْل ، وقد مسّتها رعشاتُ المُنقذين ، يقول :

” لو يا أُميمة تحبلين َ..

برغمِ عُقمِ تجلّدي ..

لو يا أُميمةُ تحملينَ ..

وتقبلينَ برعشتي ..

لن أُخبرَ الأعرابَ عن سرّ التّوهجِ واللقاءْ ..”٩

فعسى أن تكون الولادة للمُخلّص ” الرّامح المجنون ” الإبن القوي ، المتحفز للإنطلاق والتقدم ، وسوفَ يبقى هذا السّرُّ بعيدا عن الأعراب ، وسيبقى الأمل ولا يمكن أن يضيع ، ويختم المقطع و قصيدته :

” وإذا ولدتِ الرّامحَ المجنونَ ..

خلّي مقلتيهِ ..

تهيمُ في وجعِ السّنين ..

دُلّيهِ لو ودَّ البقاءْ ..

لي وردتان على تخوم تصحري ..

لي قطرتان من الندى ..

تحيي نسيجَ تجذري ..

هيّا أميمة كي نجنّ لكي يكونَ لنا بقاء .. ” ١٠

إنّه الأمل ؛ فثمّة وردتان تقفان عند حدود هذا التّصحّر، وبرغم كلّ هذا الجفاف والتّصحّر ، إلّا أنّ الأملَ ما يزالُ موجوداً في قلب هذه الأرض ” أميمة ” التي يدعوها دعوة المندفع المجنون للمخاطرة لإعادة تثبيت نفسه في صفحات التاريخ ، وفوق سلّم الحضارة الإنسانية .

توسّل الشاعر التفعيلة حاملاً لهذه الملحمة العربية ، التي حاولت اختصار تاريخ أرض وتاريخ أمّة ، وتاريخ شعب ، فجعل من تفعيلة ” نغمة ” مُتْفَاعِلُنْ – مُتَفَاعِلُنْ ، وَتَرَ القصيدةِ الرّاعش لحناً ترجف له الأحاسيس والآذان ، وتنساح معه مترافقة على وقع المعاني الدّافقة نحو التّشكّل والإكتمال .

ولأن الشاعر اختار الرمز وسيلة إبلاغ ، فقد أبقى القصيدة على توتّرها من البداية إلى النّهاية ، فلم يأتِ عبثاً اختيارهُ ” أُميمة ” عنواناً للقصيدة ، لتكون الأمّة العظيمة التي  ستنجب الشّعب الرّامح نحو المجد ، الذي يطمح لإيقاده بعد انطفاء ، ولا بُدَّ موقدهُ .

إنّ الرّمز لا يقوم على الرّمز المفرد الذي يكتفي بانزياح لغوي يلجأُ إليه الشاعر ليغني لغة  القصيدة ، بل هو الرّمز الشّامل الذي يعمُّ القصيدة كلها  ، فتقوم عليه ويشكّل أوَدَها كلّها ، فمنذ البداية يشعل الشاعرخيال المتلقي ويجعله يتساءل ، مَنْ هي هذه التي تتمتع بنقاء الأنوثة ا، بينما تمتدّ جدائلها وتوسّد الشاعر يدها ليغفو على انتظار للمدى والممتد من الآمال ..؟

وهذا ما  أسبغَ  على  القصيدة  ظلالاً شفّافة ، تقولُ ولا تصرح ، وتوحي أكثر مما تلمّح ..

ولكن الشاعر .. وخشية الاستغراق في حمأة الرّمز ، وخوفاً من أن يستغلق على المتسرع في التّلقّي …آثر أن يضعَ صوىً في الطّريق ، تهدي وتصوّب الاتجاه في عَمَهِ رمال القصيدة .

وهذا ما نجده في المقطع الرابع من القصيدة :

” هل تذكرينَ نزالنا في يومِ قيظٍ مكفهرٍّ ..

هَمجٌ ” وتيمور” انتشى ..

أرأيتِ كيفَ النّهرُ يجري ..

في تثنّيه اختراق الخاصرهْ ..

تلقاهُ كلُّ شواطىء الضاد احتراقاً ..

من لهيبِ الهاجرهْ ..” ١١

هنا ألمح الشاعر إلى بعض من ملامح الرّمز بحيثُ يهدي التّائه من دون تصريح كامل ، فيوم القيظ المكفهر ..هاجم التتار ، وكنّى عنهم ” بتيمور ” المنتشي من القتل والسّفك ، أرض هذه الأمّة وأثخن فيها ، وأكثر بقعَ السواد ، ثمّ ألمح إلى النهر الذي جرى ماؤه بالسواد من الحبر او من الصّحائف المحترقة ، ولمدة سبعة أيام بلياليها ليحرق قلب الضاد بلهيبٍ لا ينطفىء ..

وهذا ما جعل الرمز شفافا قادرا على الإيحاء ، غير مستغلق ، يبث ولا يصرّح ..

وقد قامت لغة القصيدة على خلق معادل موضوعي لما يريد الشاعر أن يصل إلى المتلقي ، فقد أوهم في مطلع القصيدة بأجواء عشق حميم ، بين الشاعر وأنثاه ، يتوقان لرعشة الحب النقية ، طالباً منها أن يتوسّد ذراعها لإغفاءة لذيذة ، بعد ارتعاش أخّاذ ، يوهم بحالة حُبّ ملتهب بين عاشقين ، فتصير هذه الحال معادلاً لحالة عاشقٍ للأرض وللأمة ولتاريخ شعب .

وتنساق لغة الشاعر مع هذه الحال ، فتلبي متطلبات صور العشق ومتطلبات الرّمز معاً ، ليصير الرمز أقدر على البثّ والإيحاء واطلاق الخيال ..

ولا تستغرق لغة القصيدة في الانزياحات البعيدة إلّا بما يخدم سيرورة الرمز ، قَصْدَ اطلاق الدّلالات التي تخدم رؤيا الشاعر ..

وهذا لا يعني انعدام الانزياحات أو ندرتها في لغة القصيدة ، بالإضافة إلى انتشار الصّور التي خدمت تنامي القصيدة للوصول إلى ذروتها ، مثل :

 فيذروني السّرى ، ويشتعل الصّهيل ، مزّقوا فيه الضّياء ، كم صيّروا جبهاتنا منزوعة الغار ، ويكاد يندثر الرجاء .. “

وهذه الصّور والانزياحات لم يقصدها الشاعر لذاتها ، او ليقول أنه قادر على اجتراحها ، فهي سهلة بالنسبة إليه ، إلّا أنّ طبيعة اللغة الملحميّة السّاردة التي تتابع فيها المشاهد لتروي حكاية أمّة ، او لتسرد تاريخها ، كانت هاجسه ومبتغاه ، فتنازل قليلا عن شاعرية اللغة في القصيدة لصالح الرّمز الشامل للقصيدة ، وهذا ما أعطى القصيدة تماسكها ووحدتها العضوية بكلّ ما يعنيه المصطلح .

إنّها ملحمة العنقاء التي لاتموت ، والقصيدة تُرشّحُ صانعَها للانضمام بلا تردد إلى زمرة شعراء الانبعاث ، الشّعراء التّموزيين من دون أن يُصرّح او يلمّح إلى أيةِ أسطورة من أساطير الموت والانبعاث ، بل قادتهُ رؤياه الشعرية التي قادت القصيدة ، ووجّهت ربّانها ليصنعَ هو اسطورة َانبعاث وملحمة انبثاق أمل بمخلّص هو ابن هذه ” الأميمة ”  ” الرّامح المجنون ” فقد استطاع فرحان الخطيب أن يخلق نموذج عنقائه من دون عنقاء الرماد ، وتمّوزه من دون تمّوز وعشتار ، ومسيحه من دون يهوذا والمسيح …

– فرحان الخطيب ، شاعر سوري ، عضو اتحاد الكتاب العرب ، له عدة دواوين شعرية ، وقصيدة أميمة المدروسة من ديوانه ( ظِلٌّ في الصّحراء ).

– د . غسان غنيم ، اديب وناقد سوري ، أستاذ الأدب الحديث في جامعة دمشق ، له عدد من المؤلفات .

بقلم : د . غسان غنيم

%d مدونون معجبون بهذه: