أهم عمليات كسر القيد في فلسطين.. سجن غزة المركزي

أهم عمليات كسر القيد في فلسطين.. سجن غزة المركزي

 

نشطت حركة الجهاد الإسلامي عام 1986م عبر تنفيذ عدد من العمليات العسكرية مثل إلقاء القنابل والطعن، ونتيجة لهذا النشاط وأثره الشديد على الاحتلال كانت الهجمة شرسة على أبناء الجهاد الإسلامي وشملت اعتقال عددًا كبيرًا من أبناء الحركة وكان من بين المعتقلين الدكتور فتحي الشقاقي وأحمد أبو حصيرة وخالد الجعيدي ومصباح الصوري وغيرهم الكثير.

في السجن وبوجود مصباح الصوري الذي أتم حفظ القرآن الكريم في اعتقال سابق له، وقد انعكس ذلك في شتى مجالات حياته، حيث تحلت أخلاقه بالقرآن، وفي علاقته مع إخوانه، وكان يتلوه على مدار الوقت وبتمكن وطلاقة، و وهو من محرري صفقة 1985م وقد أمضى أربعة عشر عامًا في السجن وله محاولات سابقة في الهروب لينتزع حريته ولكنها فشلت، وباعتقاله من جديد بدأ التفكير والترتيب لكيفية كسر قيده من سجن غزة المركزي.

كان أهم عمل هو تهريب منشار في الزيارات ونجح في ذلك، وفي شهر رمضان اتفق مع خمسة من إخوانه في غرفة 7 بقسم “ب” في سجن غزة المركزي والتي يوجد فيها 25 أسيرًا على بدء العمل لتنفيذ عملية كسر القيد عبر قص قضبان شباك الحمام في الغرفة، وبدأ العمل بسرية تامة وبالتناوب بينهم في قص قضبان شباك الحمام واستغلوا صلاة القيام والتكبير والدعاء في هذا الشهر الفضيل وشهر الانتصارات للتغطية على صوت نشر القضبان الحديدية.

وبعد أن أصبحت القضبان جاهزة وقابلة للثني اتخذ القرار ببدء عملية كسر القيد وانتزاع الحرية في ليل يوم 17/05/1987م، وبلّغ الأسرى إخوانهم في الغرفة بذلك، وبدؤوا في المحاولة التي تكللت بالنجاح صبيحة يوم 18/05/1987م الموافق 20 رمضان 1407ه، عند الساعة الثانية والنصف صباحًا، وفعلا نزلوا من شباك الحمام إلى سطح مجاور، وحفظهم الله بنوم جندي الحراسة في برج المراقبة العسكري على ذلك السطح وكذلك بوجود الضباب الكثيف، ونزلوا بنظام إلى ساحة السجن الشرقية، رغم وجود كلاب الحراسة، والتي بفضل الله تعالى وبترديد الأبطال للآيات القرآنية، لم ينبح أي من الكلاب رغم المرور بالقرب منهم، وهناك حاول مصباح البحث في سيارات الضباط عله يجد سلاح ولكنه لم يجد، وسارعوا تباعًا إلى الجدار الخارجي العالي والذي عليه شبك وتسلقوا شجرة قريبة من السور ونزلوا إلى الشارع وعناية الرحمن تكلؤهم.

في الساعة السادسة صباحًا تقريبًا وفي العدد الصباحي تفاجأ العدو أن هناك ستة أسرى من أصل  25 أسيرًا في الغرفة غير موجودين، فجن جنون إدارة السجن من المدير والضباط والحراس، واستنفر الاحتلال كل قواته بحثًا عن الستة أسرى الذين مرغوا أنف السجان وكسروا نظريته الأمنية في حصن من حصونه الأمنية وهو سجن غزة المركزي والمعروف بالسرايا.

اختفى الأسرى الستة عن أنظار العدو وبدأوا بتجهيز أنفسهم لمواجهة الاحتلال سواء بتأمين مكان للاختفاء أو سلاح للمواجهة، وقدر الله اعتقال أحد الأسرى الستة وهو صالح اشتيوي والذي أمضى مدة في السجن ثم تحرر وهو موجود إلى الآن بين ذويه في رفح.

في يوم 25/05/1987م استطاع مصباح الصوري أن يقتل الصهيوني جليل جروسي على مفترق ناحل عوز شرق الشجاعية، وازدادت وطأة المطاردة للأسرى الخمسة المتبقين، وبإيعاز من حركة الجهاد الإسلامي للأخوين خالد صالح وعماد الصفطاوي بمغادرة القطاع، وفعلًا تم العمل على تسهيل ذلك لهم، وخرجوا إلى مصر.

استمر الإخوة الباقين في مطاردة الاحتلال، واستطاعوا قتل قائد الشرطة العسكرية في قطاع غزة رون طال من مسافة الصفر على يد المجاهد سامي الشيخ خليل في شارع الوحدة قرب موقف جباليا ليجن جنون الاحتلال، ولصعوبة الظروف وعدم توفر الإمكانات اللازمة خطط مصباح للخروج إلى سيناء لإحضار سلاح وخاصة أنه تم اعتقال كل من خالد صالح وعماد الصفطاوي في مصر.

وفي 1/10/1987م وأثناء توجه مصباح الصوري إلى سيناء، وفي الطريق نصب الاحتلال كمين له ولمن معه وتم إطلاق النار عليهم ليرتقوا شهداء على مدخل مخيم البريج في المحافظة الوسطى.

تبقى اثنين من الإخوة الأسرى الذين كسروا قيدهم وهم محمد الجمل وسامي الشيخ خليل، وبدؤوا يخططون مع إخوة آخرين للانتقام من جنود الاحتلال وخاصة بعد أن علموا باستشهاد قائد عملية كسر القيد ومعلمهم مصباح الصوري، وفي نفس الوقت كان الاحتلال قد اكتشف مكان وجودهم في الشجاعية.

وفي مساء يوم الثلاثاء الموافق 06/10/1987م، اشتبك أربعة من مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي مع قوات جيش الاحتلال وضباط مخابراته قرب مقبرة الشجاعية شرق مدينة غزة، التي أطلق عليها لاحقًا “معركة الشجاعية”، واستشهد خلالها كلًا من المجاهدين أحمد حلس وزهدي قريقع و “محمد الجمل وسامي الشيخ خليل” وهم باقي المجموعة التي كسرت قيدها من سجن غزة المركزي، فيما اعترف العدو الصهيوني بمقتل ضابط المخابرات المدعو فيكتور أرجوان.

لم تنته هنا حكاية الأسرى الستة الذين كسروا قيدهم وانتزعوا حريتهم بل كانوا حكاية الجماهير ومشاعرهم الجياشة، بمطاردتهم لجنود الاحتلال وبقائهم دون أن يعتقلهم الاحتلال من 18/05/1987 وحتى 06/10/1987م، لتشتعل بعدها المواجهات مع جنود الاحتلال في كافة أنحاء قطاع غزة، والتي ازدادت وتيرتها عقب خطبة الشهادة للشيخ عبد العزيز عودة، التي رثى خلالها شهداء معركة الشجاعية، وبعد خطبة الشهادة قام الاحتلال باعتقال الشيخ عبد العزيز عودة وأصدر بحقه قرارًا بإبعاده إلى خارج فلسطين المحتلة.

ولهذا.. المتابع لتلك الفترة يؤكد أن هذه المرحلة ومعركة الشجاعية كانت شرارة انتفاضة الحجارة عام 1987م.

طبعا لا ننسى الأخوين العزيزين خالد صالح وعماد الصفطاوي والذين تنقلوا بعد خروجهم من السجون المصرية بين عدد من الدول العربية، واستقر الحال بالأخ خالد صالح في الجزائر وهو يقوم بدور مهم جدًا في دعم وإسناد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال وذلك عبر الإعلام الجزائري، وأما عماد فقد عاد للوطن مع عودة السلطة إلى القطاع بعد اتفاق أوسلو، وفي عام 2000م وحين عودته من السفر تم اعتقاله على معبر رفح ليمضي حكمًا بالسجن لمدة 18 عامًا داخل سجون الاحتلال.

يشار إلى أن عملية كسر القيد التي اشتهرت آنذاك باسم “عملية الهروب الكبير” كانت دافعًا وحاديًا لكثير من الأسرى الذين حاولوا كسر قيدهم وانتزاع حريتهم من سجون الاحتلال.

 

 

كتب الاسير المحرر: ياسر صالح