أمُي الحنُونة: الملتقي في الجنة

أمُي الحنُونة: الملتقي في الجنة

في محافظة الشرقية بمصر الحبيبة، ولُدت أمي رحمها الله بداية عام 1940م، كانت الأم المثالية؛ فقد وُلِدَّتَ يتيمة، وقد مات أبوها جدي “أبو المعاطي إبراهيم البكري” رحمه الله ولم يبلغ 41 عامًا م، وهي في بطن أمها جِدتي لأمُي “جازية عبد الرازق” رحمهم الله برحمته التي وسعت كل شيء واسكنهم فسيح جناته في الفردوس الأعلى الجنة اللهم أمين؛؛ لقد كان لأمي ستة أخوات وأخوين، وهي أصغرهم عُمرًا، خالي سليمان، وخالي سند رحمهم الله تعالى جميعًا، وأسموُهُ سندًا لأنه، وُلد بعد البنات ليكون سنَداً وعونًا لهم بعد الله عز وجل، ولأن البنات يتيمات الأب؛ إن أمي كانت لا تقرأ ولا تكتب، ولكنها لديها ثقافة عامة، وفهم، ووعي، وإدراك، وكياسة أعلى من كثيرٍ من حملة الشهادات العليا؛ كانت تقول لنا: ” يا بني وأنا جالسة في بيتي أو حينما أصلي أري نورًا يسير من أمامي، ومرة كنت جالسًا معها فقالت سبحان الله لقد رأيت نورًا في جبينك؛ هي لم تكن أمي فقط بكل كانت أمي وروحي وراحتي وقلبي، وهي كل شيء؛ كنت كل جمعة أترك زوجتي وأولادي، وأذهب لبيتها المُستقل في دار أخي بعد صلاة الجمعة أتغدي معها، وأجلس في رحابها وفي جنتها، ولأكسب رضاها، وأقبل يديها، فكانت تطعمني بيدها الشريفة تناولني الطعام؛ وبعدما تزوجها أبي رحمة الله تعالي جاء بها من مصر محافظة الشرقية مركز الحسينية جزيرة سعود مسقط رأس أمي، فأسكنها أبي واستأجر لها بيت في مخيم المغازي للاجئين، ومن ثم انتقلت للعيش في مخيم الشاطئ بغزة، وكان أبي معروف عنه  يُكَني “بالطبيب” فكان مفتش صحة أيام إدارة مصر وحكمها لقطاع غزة قبل الاحتلال الصهيوني عام 1967م، وكان أبي رحمه الله مستور الحال، وليس ميسور المال؛ وقد وقفت معنا في المستشفيات لإجراء عدة عمليات جراحية لنا مثل زائدة، وفتق الخ، وكان أبي، وخالتي زوجة أبي، عندهم أولاد كثير إخوتي، وأخواتي لأبي، وكون عددهم كبير كان صعب اعالتهم جميعًا، ونحن أربعة من أمي وأبي بنتان، وولدين، مما جعل أمي تفتح لها بسطة، مِثل كُشك صغير  بجوار المسجد الأبيض في مخيم الشاطئ للاجئين بغزة لبيع ملابس نسائية لكي تستطيع اعالتنا، ومساعدة أبي رحمهم الله في ظروف الحياة الصعبة، واستمرت زُهاء أربعين سنة تبيع في السوق لتَربِيَتنا حياة كريمة، وحتي لا نشعر أنفسنا كأننا أيتام، لأنها كانت تتولي تربيتنا، وكل أمرنا، ونقلتنا من دار الإجار، واشترت لنا بيت صغير في المخيم بلوك 11 واستدانت مبلغاً من المال من زوج خالتي “حليمة” وزوجها أبو محمد “عيسي موسي الهنداوي” رحمهم الله جميعًا لشراء البيت وكان سقفهُ من الأسَبَسَتَ، وقد قامت بعد ذلك بسداد المبلغ من عرق جبينها ومن عملها؛ ثم تفجرت شرارة انتفاضة الحجاة الأولي ضد الاحتلال الصهيوني الغاشم عام 1970م، وكنا أشبالاً صغاراً، ووقوداً للانتفاضة، وقد أمضت أمي رحمها الله أغلب، وقتها وهي تجري خلفنا في شوارع، وأزقة مخيم الشاطئ ليلاً ونهاراً لأننا كنا نقارع عصابة الاحتلال ونرجمهم بالحجارة، فخوفاً من أن يطالنا رصاص المحتلين الغادر، وحتي لا تفقد أولادها كانت تلاحقنا بالشوارع لكي لا يصابنا أذي من المحتلين؛ ثُم أصبنا برصاص الاحتلال اصابة بليغة، وكانت أمي جنتي تواصل الليل بالنهار لأجل راحتنا؛ وأذكر مرة كنت طفلاً لم أتجاوز العشرة أعوام من عمري، فدخل ” دبور” أسود مخيف في صدري فصرخت، وكانت أمي بجواري تصلي الضُحى، وفورا قطعت الصلاة وأدخلت يديها في صدري من تحت البلوزة وقبضت بيدها على الدبور، والذي قرصته مميته ثم اطلقته في الهواء؛؛ واستمرت المسيرة العاطرة لمربية الأجيال الأم المثالية، ليتم اعتقالنا أنا وأخي معًا في سجون الاحتلال وتصبح أمي من غير أولادها مشغولة الفؤاد، وتجري لزيارتنا، وتذهب للمحامين، وقد عانت الأمرين ونحن أولادها لعدة سنوات في سجن النقب الصحراوي البعيد عشرات الكيلو مترات عن غزة، وأول ما روحت من السجن وقد أمضيت أكثر من عامين ونصف من مدة الحكم خمس سنوات، وخرجنا بعد اتفاقية أوسلوا للسلام، وبقي أخي في المعتقل وأمضي سبع سنوات بالمعتقل؛ قامت الحجة رحمها الله وصممت أن تزوجني وزوجتني، كانت هي كل شيء عندي هي أمي وأبي وروحي وراحتي وحياتي وفؤادي، وها أنا قد بلغت من العمر خمسين عامًا، ولكنني كنت في نظرها لا أزال طفلاً صغيرًا تُسدي لي نصائحها، وتوجهني للخير، ولقد كانت رحمها الله صوامة بالنهار، وقوامة بالليل ولا نزكي على الله أحد، وكنت أسمع طنين دعائها لي كل يوم بعد أذان الفجر، رغم أنها كانت مريضة بالقلب، ولكن قلبها حيٌ عامر بالإيمان وبحب الله وبذكر الله، ومحبة رسوله صل الله عليه وسلم، وقد سافرت لأداء مناسك الحج من مطار غزة الدولي وقد جمعت مال الحج من عرقها، وعملها وكدها وتعبها دون مساعدة أحد، ولم تنتظر مساعدة من أحد بل كانت تساعدنا دومًا، وحين الضيق كنت أتوجهه لها، وقد ساعدتني في خطوبة ابني، وساعدت خواتي وأولادهن ووقفت مع الجميع، وكانت محبوبة من الجميع ومن كل من عرفها كان يحبها ويجلها ويحترمها ويقدرها، كتنت رحمها الله صاحبة أصل وواجب وكرم وعطاء وسخاء، وإيمان، وتقوي، وصلاح، وحينما أصبت أنا بفايروس كورونا اشترت لي الدواء وأرسلت لي فاكهةً وطعام وكانت ترتجف خوفًا علينا، عاشت حياتها يتميه، وختمت حياتها شهيدة بإذن الله، فلقد أصيبت بفايروس كورونا، وكانت خائفة علينا وهي تتألم من المرض، وتقول لنا روحوا لا أريد منكم أحد أن يصاب بكورونا، “روح يا جمال”، وكذلك تقول لخواتي، وأخوتي وأولاد أخواتي روحوا لا أريد منكم أحد أن يصاب بالفايروس؛؛ وقد بلغت أمي من العمر أكثر من ثمانين عامًا، وأدخلت مستشفى دار الشفاء بغزة، ومكث فيها ثمانية أيام عجاف، وصل فيه الفايروس للرئة، ونسبة الأكُسجين لأقل من 50%، وكان بكامل وعيها، وصابرة محتسبة لم تغيب عن الوعي، ولا دقيقة واحدة إلا لحظة الوفاة، وكانت تدعو لأصحابي، ولنا، والحمد لله توفت وهي راضية عنا، وقالت حينما سألناها من تحبين أكثر واحد فينا: فقالت:” أحبكم جميعًا:، وفي يوم وفاتها وخروج روحها الطاهرة للرفيق الأعلى كنت عندها منذ الصباح حتي خرجت روحها الطاهرة بعد أذان العصر، وقد كانت تُكرر مِرارًا وتكررًا ذكر الله، ونطقت بالشهادتين، ووالله الذي لا اله الا له لم تُزبد، ولم تُخرج شيء من فمها وأنا كانت يدي على رأسها اقرأ آية الكرسي، وادعو لها، وقد تصبب جبينها عرقًا، وقد خرجت روحها في دقيقة بِيُسر، وسهولة كما تخرج قطرات الماء من فيِه السقاء “قربة الماء”، وحتي لم تفتح عينيها بعد وفاتها وتوهج وتلألأ وجهها نورًا بعد الموت، وقد علمت، وأنا بجوارها أن أمي أمست في ذمة الله، وكما يقولون:” من مات أمهُ وأبوهُ مات الى بِِحِبُوة”؛ فقد أظلمت الدنيا في وجهي وشعرت أني مت بموت أمي، ولكن الله أرحم الراحمين قد أكرمها بوفاتها ـ ففوراً تم تغسيلها وتكفينها في المستشفى ورغم أنها حالة كورونا ممنوع الصلاة عليها ونقلها للبيت بل للمقبرة فوراً، ولكن رب العالمين أكرمها؛ وأكرمنا، فلقد رفضت أن تدخل إمي ثلاجة الموتى ولو لدقيقة واحدة وأخذناها بعد الغسل والتكفين، وقد اقترب موعد أذان المغرب ووصلنا لبيتها، وألقوا عليها نظرة الوداع، وبعد ذلك ارتفع صوت المؤذن بأذان المغرب، ثم صلي عليها المئات من جموع المصلين جماعة في ساحة مسجد عمر بن الخطاب في منطقة أرض الشنطي، وكانت جنازتها كأنها جنازة شهيد من كثرة عدد المصلين عليها، والمشيعين لها حتي مقبرة حي الشيخ رضوان في غزة وقد وري جثمانها الثري إللا رحمة الله ورضوانه بعد رحلة حافلة بالعطاء، والبذل، والصبر، والعمل، والإيمان، وحُسن الخُلق، وفعل الخيرات؛ إن المصاب لجلل بفقد الأم، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإننا على فراق أمي الحجة “أمنة أم ناصر” لَمحزونون، ولكننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا لله ما أخذ ولله ما أعطي وكل شيءٍ عنده بمقدار، وبأجل وإنا لله وإنا لله راجعون، وموعدنا إن شاء الله الجنة قريبًا معك يا أمي يا حبيبتي على حوض الرسول طريق الشهادة طريق الوصول، والملتقي الجنة بإذن الله عز وجل ونسأله سبحانه أن يجعل روحك الطاهرة في روحٍ وريحان، وفي أعلى عليين بجنات النعيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وممن يبشرهم ربهم بجناتٍ ونهر، وممن رضي الله عنهم وأرضاهم، وأدخلهم الجنة دون سابقة حساب أو عذاب وكل يوم جمعة إن شاء الله، وكما كنت أتغذي مع أمي ببيتِها سأكون بزيارة قبرها لقاء الروح للروح، والفؤاد سيبقي مجروح.

الأديب الأستاذ الدكتور; جمال عبد الناصر محمد عبد الله  أبو  نحل

%d مدونون معجبون بهذه: