أطفال فلسطين ونساء أفغانستان .

عندما تختلف معايير الدفاع عن حقوق الانسان ومعايير تطبيق القانون الدولي، تنعدم العدالة الدولية وتظهر ازدواجيه المعايير في تطبيقهما، وهذا ما يشعر به الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال الإسرائيلي ويعاني من ممارساته اليومية وانتهاكاته الجسيمة منذ عقود طويلة. فما أكثر القرارات الدولية التي اتخذتها هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني، والانتهاكات التي تتعرض لها من قبل حكومة الاحتلال الإسرائيلي، سواء ما يتعلق منها بحق تقرير المصير، أو ما يتعلق منها بحقوق الانسان وخاصة تلك التي تتعلق بحقوق الأطفال أو النساء وغيرها من حقوق الفئات الأخرى.

وبمناسبة عودة نحو 1.2 طفل في الأرض الفلسطينية المحتلة إلى مقاعدهم الدراسية، دعا تقرير صادر عن الأمم المتحدة إلى ضرورة حماية حقوق الطفل بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث يتعرض الأطفال الفلسطينيون إلى جملة من الانتهاكات الجسيمة، لا تطال حقهم في التعليم فحسب بل تمتد لتشمل حقهم في الحياة، علاوة على انتهاك حقهم في النمو في ظل ظروف صحية ومعيشية مناسبة. فقد دعت منسقة الأمم المتحدة المقيمة، منسقة الشؤون الإنسانية للأرض الفلسطينية المحتلة لين هاستينغز ” في تقرير لها الأسبوع الماضي جميع الأطراف للالتزام بحماية الأطفال وفقًا للقانون الدولي بغض النظر عن مكان وجودهم”، و”بوضع حدّ للاستخدام المفرط للقوة خاصة ضد الأطفال”.

وأوضحت أنه “منذ مطلع العام 2021، أفادت التقارير بمقتل ما مجموعه 79 طفلًا وإصابة 1,269 آخرين بجروح. حيث قُتل 67 طفلًا في قطاع غزة خلال شهر أيار/مايو، وطفل آخر في شهر حزيران/يونيو بفعل مخلّفات الحرب المتفجرة. وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، قتلت القوات الإسرائيلية 11 طفلًا خلال العام 2021– عشرة منهم منذ شهر أيار/مايو– وأصابت 584 آخرين بجروح (منهم 378 طفلًا جراء استنشاق الغاز المسيل للدموع)”.

كما يتعرض الأطفال والمعلمون إلى مضايقات يومية متواصلة بسبب العنف الذي يمارسه المستوطنون بحقهم وهم في طريق ذهابهم إلى المدارس وعودتهم منها، ما يساهم في انتهاك حقهم الطبيعي في تلقي التعليم بصورة حرة وطبيعية.

لقد سبق هذا التقرير عدد كبير من التقارير الصادرة عن هيئات ومنسقي ومقرري هيئات الأمم المتحدة، وكلها تشير إلى ضرورة حماية حقوق الشعب الفلسطيني بمختلف فئاتهم، من الانتهاكات المستمرة من قبل حكومة الاحتلال، وجيش الاحتلال، وعصابات المستوطنين، وكل هذه التقارير تدعو إلى إدانة هذه الانتهاكات وتدعو إلى وقفها، وتطالب بحماية دولية لهذه الحقوق، وتبقى هذه التقارير وهذه النداءات حبيسة الأدراج لا تتوفر الإرادة الدولية لتطبيقها، وتبقى دولة الاحتلال سلطة فوق القانون، لا تحاسب على جرائمها وانتهاكاتها التي تمارسها بحق الشعب الفلسطيني.

ومقارنة بما يجري من انتهاكات وجرائم في دول وبلدان أخرى للقانون الدولي ومبادئ حقوق الانسان، نرى أن هناك نظرة مختلفة لها، ومعايير أخرى للتعامل معها، من قبل المجتمع الدولي. وهنا لن أتطرق إلى العديد من المناطق التي يتم فيها انتهاك القانون الدولي، ومبادئ حقوق الانسان، وكيف يتم التعامل معها، من قبل المجتمع الدولي، حيث يجري محاسبة الجهات والسلطات التي تقوم بهذه الانتهاكات بشكل صارم، وتخضع هذه الجهات إلى عقوبات دولية، اقتصادية وسياسية وأحيانا تستخدم القوة ضدها لوقف ممارساتها وانتهاكاتها للقانون الدولي ومبادئ حقوق الانسان. وهنا تظهر ازدواجية التعاطي والتعامل مع الذين ينتهكون القانون الدولي والشرعة الدولية لحقوق الانسان، كما يجري مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي وغيرها من السلطات في بلدان أخرى.

لن نتوسع بالحديث والمقارنة في هذا المجال، وسأحصر الحديث عما يجري في أفغانستان بعد سيطرة حركة طالبان عليها بعد انسحاب القوات الأمريكية المحتلة لها، وفرار وانهزام القوات العسكرية الأفغانية المدعومة من قبل الولايات المتحدة، وسقوط سلطات الدولة الأفغانية وفرار رئيسها.

فقد شرعت الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من دول العالم بالحديث عن ضرورة تقيد حركة طالبان بالقانون الدولي، وحقوق الانسان، وخاصة حقوق النساء في أفغانستان، وطالبت حركة طالبان بحماية هذه الحقوق تحت طائلة المسؤولية، والتهديد باستخدام القوة ضدها إذا قامت بانتهاك هذه الحقوق، أو غيرها من الحقوق والحريات الأساسية، ومن ضمنها حرية الرأي والصحافة والحقوق الديمقراطية الأخرى التي يكفلها القانون الدولي، متناسية جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان، والتي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى من الشعب أفغاني، في الوقت نفسه تمتنع هذه الدول من ممارسة أي ضغط فعلي لوقف انتهاكات الاحتلال الاسرائيلي لحقوق الشعب الفلسطيني خلال العقود الطويلة من عمر الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فنحن لا نميز بين هذه الانتهاكات سواء ارتكبت في فلسطين، أو في أفغانستان أو غيرها من دول العالم، فكل هذه الانتهاكات مدانة ومرفوضة، وينبغي التعامل معها بمعايير واحد وموحدة، حتى يتم تطبيق القانون الدولي على الجميع بدون تمييز.

بقلم: المحامي علي أبوهلال

%d مدونون معجبون بهذه: